عن الاستعصاء الثوري الحالي في إيران   
الثلاثاء 1432/3/27 هـ - الموافق 1/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:01 (مكة المكرمة)، 11:01 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح


بعد أن تمكنت "ثورة الياسمين" التونسية من إسقاط نظام الرئيس بن على -الذي دام 23 عاما- في ثلاثين يوما، كما نجحت ثورة اللوتس المصرية، التي أججها وقادها شباب 25 يناير في إنهاء ثلاثين عاما من حكم الرئيس مبارك في ثمانية عشر يوما فقط، انتقلت عدوى الثورة إلى دول عربية وشرق أوسطية أخرى عديدة، بدت جلها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ما سبقتها إليها كل من تونس ومصر.

بيد أن تجدد المظاهرات الاحتجاجية الغاضبة التي شهدتها إيران خلال العامين الأخيرين، والتي عرفت بـ"الثورة الخضراء" ضد نظام ولاية الفقيه والرئيس نجاد ، لم يكن ليحمل في طياته مؤشرات تشي بإمكانية تحول الحالة الثورية الإيرانية إلى فعل ثوري مكتمل الأركان والأبعاد، الأمر الذي يطرح تساؤلا محوريا بشأن تعثر أو استعصاء الفعل الثوري في الحالة الإيرانية.

"
منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، تطل بوادر لحالة ثورية متأججة على خلفية رفض قطاعات واسعة في إيران للمآلات التي آلت إليها البلاد جراء ثورة الإمام الخميني
"
فمنذ الثورة الإسلامية في عام 1979، تطل بوادر لحالة ثورية متأججة على خلفية رفض قطاعات واسعة في إيران للمآلات التي آلت إليها البلاد جراء ثورة الإمام الخميني، وهو ما وضح جليا في المحاولات التي تداعت للقيام بما سمي "ثورات مضادة" خلال سني ثورة الخميني الأولى، والتي ظلت نارا تحت الرماد حتى وصل الحال إلى الاحتجاجات والمظاهرات الغاضبة التي اندلعت في أعقاب فوز الرئيس نجاد بفترة رئاسية ثانية صيف عام 2009. غير أن كل تلك الحالات والمحاولات الثورية لم تتح لها العوامل المحلية والإقليمية والدولية المساعدة كيما تتحول إلى فعل ثوري حقيقي.

وعديدة هي العوامل التي أفضت إلى ذلك الاستعصاء الثوري في إيران، رغم استمرار تأجج الحالة الثورية المتمثلة في تردي الأوضاع المعيشية تحت وطأة العقوبات الأممية والدولية الناجمة عن سياسات النظام التصادمية والاستفزازية، علاوة على أجواء القمع الأمني والقهر السياسي وغياب الحريات، فضلا عن استشراء الفساد واضطهاد الأقليات.

ويأتي في صدارة تلك العوامل، على سبيل المثال وليس الحصر: نجاح نظام ولاية الفقيه في إيجاد هدف قومي أو وطني يتيح له حشد الجماهير من حوله، كذلك المتمثل في حماية مبادئ الثورة الإسلامية، واستكمال البرنامج النووي الإيراني الذي يمثل لغالبية الإيرانيين رمزا للقوة والمنعة وركيزة للمكانة الإقليمية والدولية، وما يستتبعه ذلك الهدف من ضرورة تكاتف الإيرانيين من أجل الصمود في مواجهة أعداء إيران الخارجيين المتربصين للنيل من إنجازاتها وقوتها واستقرارها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وهنا، لم يتورع نظام ولاية الفقيه عن اختلاق عدو خارجي، يكون بمثابة "عصا موسى" التي تحتوي حالة الرفض الشعبي الجارفة والمتنامية لسياساته غير الحكيمة في الداخل والخارج.

وثمة عامل آخر يتجلى في توفر مستوى ما من التشبع الثوري النسبي لدى قطاعات من الشعب الإيراني، خصوصا بين أولئك الذين عايشوا الثورة الإسلامية عام 1979، وما تمخض عنا من روح ثورية حرص نظام ولاية الفقيه على أن تظل باقية حتى اليوم.

ورغم السمت الديني الذي ألقى بظلاله على تلك الثورة، فإنها بقيت واحدة من أهم الثورات التي شهدها العالم خلال العقود الأربعة المنقضية. كيف لا وقد خرج ملايين الإيرانيين حول الإمام الخميني لإسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة، في وقت كان فيه العالم الفقيه الإيراني علي شريعتي يقوم بدور نديم تلك الثورة عبر حشد الجماهير من خلال تحريك الشعور الديني لديهم.

"
لا يكف نظام ولاية الفقيه عن اعتبار نفسه امتدادا لثورة الخميني، كما يرى في سياساته الداخلية والخارجية استكمالا لتلك الثورة، ومن ثم لا يتورع عن تصوير نفسه على أنه في حالة ثورة متواصلة
"
ولا يكف نظام ولاية الفقيه عن اعتبار نفسه امتدادا لثورة الخميني، كما يرى في سياساته الداخلية والخارجية استكمالا لتلك الثورة، خصوصا ما يتصل بإستراتيجية تصدير الثورة للخارج، ومن ثم لا يتورع النظام عن تصوير نفسه على أنه في حالة ثورة متواصلة، وإن تغيرت الإستراتيجيات أو الأدوات وفقا لطبيعة المرحلة الزمنية.

وتعزيزا لمسعى كهذا، نجح نظام ولاية الفقيه في دغدغة مشاعر قطاع مهم من الشعب الإيراني حينما أبدى تعاطفه مع ثورتيْ تونس ومصر، معتبرا إياهما خطوتين مهمتين على طريق مناهضة النفوذ الأميركي في المنطقة عبر إقامة شرق أوسط إسلامي ثوري يجتث من وصفهم بـ"موظفي" الولايات المتحدة من القادة العرب، مثلما يؤشر لتقلص النفوذ الأميركي، حيث رأى خامنئي في تلك الثورات مثالا يحتذى، وصحوة إسلامية تعد امتدادا ونتاجا للثورة الإسلامية في إيران، في حين رأى فيهما الشعب الإيراني دعوة للتغيير وتأجيجا لمطلبهم بالإصلاح السياسي والتغيير، الذي لم يتأت بعد رغم التضحيات التي قدمها المحتجون من دمائهم وحرياتهم وأمنهم.

وفي حين جاء دور الوسائط السياسية العربية -كالأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني- هامشيا ومتأخرا في اللحاق بركب الثورات والانتفاضات التي اندلعت ضد أنظمة الحكم العربية مؤخرا، فقد شكل لحاقها بركب تلك الثورات زخما مهما بالنسبة لتلك الأخيرة، هذا في حين انحازت قوى سياسية عديدة في إيران للنظام، إذ قادت مظاهرات مؤيدة له، وطالبت مجموعاتها البرلمانية بمحاكمة رموز المعارضة المحركين لتلك المظاهرات والاحتجاجات المناهضة للنظام، كالمرشحيْن الرئاسييْن السابقيْن مهدي كروبي ومير حسين موسوي.

ويضاف إلى ما سبق، نجاح النظام الإيراني -إلى حد كبير- في تقليص دور العامل الخارجي في التأثير على مجريات الأحداث داخل بلاده. فرغم الدعم الخفي والمعلن الذي تعكف واشنطن وبعض العواصم الغربية على إمطار المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج به في الآونة الأخيرة، لم يتسن لتلك المعارضة تشكيل خطر حقيقي ومباشر على النظام الإيراني، رغم الضربات القوية التي تسددها لشرعيته ما بين الفينة والأخرى.

وبالتوازي مع ذلك، لا يأبه نظام طهران كثيرا بالانتقادات الدولية التي تنهال عليه بجريرة قمعه حرية التعبير، وإمعانه في استخدام أقسى درجات البطش والعنف ضد المتظاهرين والمحتجين.

"
لا يأبه نظام طهران كثيرا بالانتقادات الدولية التي تنهال عليه بجريرة قمعه حرية التعبير، وإمعانه في استخدام أقسى درجات البطش والعنف ضد المتظاهرين والمحتجين
"
وتواصلا مع ذلك، يطل عامل آخر، هو ذلك المتمثل في عدم تردد نظام ولاية الفقيه في استخدام كافة أشكال العنف وأعلى مستويات القمع لإجهاض أي فعل ثوري، بدءا بالضرب، ومرورا بالقتل والتعذيب، ثم الاعتقال والمنع من السفر، وانتهاءً بالمحاكمات الصورية العاجلة التي لا تتورع عن إصدار أحكام عاجلة بالإعدام ضد قادة الاحتجاجات ومحركيها ممن وصمهم بالمنافقين، على نحو ما حدث ويحدث منذ أحداث ديسمبر/كانون الأول 2009.

ولقد شكل الولاء التام من قبل الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية للنظام الإيراني -ممثلا في شخص المرشد أو الرئيس نجاد- عاملا حاسما في تقويض أي فعل ثوري داخل إيران، حيث لا تتورع تلك الأجهزة عن اتخاذ أقسى التدابير ضد أي شخص مهما كان، لحماية النظام وفض المظاهرات والاحتجاجات التي تهدد استقراره.

وربما يختلف ذلك عن الحال إبان ثورة عام 1979 كما في ثورتيْ تونس ومصر مؤخرا قبل أسابيع، حين حسم الجيش -باعتباره القوة الحاسمة في مواقف كهذه- أمره بالانحياز إلى ثورة الشعب، مكتفيا بتوفير ما يسمى "الخروج الآمن أو الكريم" لرأس السلطة من البلاد.

وبالتوازي مع ذلك، جاءت خصوصية النظام السياسي الإيراني -التي تبدو جلية في السمت الثيوقراطي لذلك النظام- لتمثل أحد أبرز العوامل التي تعوق الفعل الثوري في إيران.

فلطالما جعل من الخروج على الحاكم الولي الفقيه -إن من خلال الثورة أو الاحتجاج- مغامرة تورد صاحبها موارد الهلاك، ما بين الاتهام بالكفر أو الزندقة أو النفاق أو العمالة لأعداء الإسلام والبلاد. ومن ثم لم يكف النظام الإيراني عن تصوير الاحتجاجات والمظاهرات المناوئة له على أنها مؤامرة من أعداء الإسلام وإيران على الثورة والقيادة الإسلاميتيْن.

لذا، لم يكن من المستغرب اليوم -فيما تحتفل طهران بالعيد الثاني والثلاثين لثورة الإمام الخميني- أن يتطلع المعارضون الإيرانيون لاستلهام تجربتيْ الثورتين التونسية والمصرية، اللتين امتدت أصداؤهما إلى أقطار عربية وشرق أوسطية شتى اجتاحها شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، من أجل إحداث تغيير سياسي حقيقي في إيران، في الوقت الذي لم يتورع فيه النظام من جانبه عن التصدي لذلك بتسيير مظاهرات مؤيدة له، بالتوازي مع إستراتيجية العصا الأمنية والقضائية الغليظة ضد المتظاهرين، الذين لم يسلموا من الاتهامات بالخيانة والكفر والعمالة لأعداء إيران، كما الملاحقة الأمنية والقضائية.

"
يبدو أن الفعل الثوري في إيران لا يزال أسيرا لشبح "الثورة المضادة" التي حفل التاريخ الإنساني بنماذج عديدة منها في ثورات من هذا النوع، خطط لها عدد من أتباع النظام المخلوع والمستفيدين منه
"
وأخيرا، يبدو أن الفعل الثوري في إيران لا يزال أسيرا لشبح "الثورة المضادة" التي حفل التاريخ الإنساني بنماذج عديدة منها في ثورات من هذا النوع، خطط لها عدد من أتباع النظام المخلوع والمستفيدين منه، بحيث يتسنى لها النيل من منجزات الثورات أو الارتداد إلى العهد البائد، عبر استخدام أساليب عديدة دعائية وسياسية وأمنية، على نحو ما جرى في إحدى مراحل الثورة الفرنسية عام 1987.

وقد تعرضت الثورة المصرية عام 1952 لمحاولة فاشلة للقيام بثورة مضادة، دارت وقائعها إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عندما اجتمع عدد من الباشوات وأبناء الطبقة الكومبرادورية المستفيدة من النظام الملكي البائد والاحتلال البريطاني، في محاولة للاتصال بالسفارة البريطانية أثناء الحرب، وتقديم أنفسهم -بعد أن شكلوا حكومة- بديلا عن عبد الناصر ورفاقه.

وفي إيران، ظلت تلك الثورة المضادة تتربص بأي محاولة ثورية سابقة ضد نظام الشاه. بدءا من ثورة الدكتور محمد مصدق في عام 1951 التي أفضت إلى تأميم النفط وإزاحة الشاه رضا بهلوي، غير أنها ما لبثت أن قوبلت بثورة مضادة نالت من إنجازاتها تلك، كما تمكن قادة الثورة المضادة المدعومين من واشنطن من إعادة الشاه مرة أخرى إلى السلطة.

ولم تسلم ثورة عام 1979 من محاولات عديدة -ربما لا تزال مستمرة حتى اليوم- للقيام بثورة مضادة، غير أن النجاح لم يحالف أيا منها، ليبقى الفعل الثوري في إيران مستعصيا حتى إشعار آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة