كندا بعد الانتخابات.. تحولات في المواقف والسياسات   
الأحد 13/1/1437 هـ - الموافق 25/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:34 (مكة المكرمة)، 14:34 (غرينتش)
إبراهيم فريحات

أخيرا قال الشعب الكندي كلمته، فحاسب قيادته السياسية وأنهى حكم المحافظين الذي استمر حوالي عشرة أعوام، وبدأ عهدا جديدا استفرد فيه الليبراليون بالقرار السيادي في أوتاوا.

لفظ الشعب الكندي التعصب والتطرف اليميني المحافظ في كندا وألقى به إلى قارعة الطريق ومعه ستيفن هاربر زعيم حزب المحافظين وسياساته المثيرة للجدل التي تبناها طيلة السنوات العشر الماضية. تلك السياسات التي قال فيها جان كريتيان رئيس الوزراء الكندي السابق "أنا حزين أن أرى أنه في أقل من عشر سنوات استطاعت حكومة هاربر أن تدمر سمعة كندا التي بنتها لأكثر من ستين عاما كدولة محبة وبانية للسلام والتقدم".

فبزوال عهد المحافظين ووصول الليبراليين للحكم ستشهد علاقات كندا الخارجية المتوترة حالة من الانفراج على عدة مستويات، أهمها انتهاء أزمة العلاقة مع الإدارة الديمقراطية في الولايات المتحدة، وارتفاع وتيرة التعاون بين دول أميركا الشمالية، ولا سيما في مجال المناخ والبيئة، وانسحاب كندا من الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وعودة كندا إلى قيمها التاريخية المتمثلة باحتضان ومساعدة اللاجئين الفارين من ويلات الحروب في بلادهم، وانتهاء حالة التعصب والتأييد لليمين الإسرائيلي المتطرف بحيث تصبح مواقفها السياسية أكثر اتزانا في موضوع النزاع العربي الإسرائيلي.

بخسارة المحافظين ووصول الليبراليين للحكم ستشهد علاقات كندا الخارجية المتوترة حالة من الانفراج على عدة مستويات بعضها يتصل بالعلاقة مع أميركا، وبعضها يرتبط بالموقف من قضايا الشرق وملفاته

الحزب الليبرالي برئاسة جاستين ترودو -وهو ابن رئيس الوزراء الكندي السابق بيار إليوت ترودو للفترة بين 1968 و1984- ألحق هزيمة نكراء بستيفن هاربر وحزبه المحافظ، بقفزه من المرتبة الثالثة إلى الأولى في خارطة قوى الأحزاب الكندية، وحصوله على 184 مقعدا متجاوزا نسبة الحسم لتشكيل حكومة ليبرالية وحده ودون مشاركة الأحزاب الأخرى البالغة 170 مقعدا، فيما حصل حزب المحافظين المنافس على 99 مقعدا فقط. هول الهزيمة دفع بستيفن هاربر إلى إعلان استقالته من قيادة حزب المحافظين، وعمليا انتهاء مستقبله السياسي.

أسباب هزيمة المحافظين متعددة، أولها العامل الاقتصادي، فمثل نظيره حزب المحافظين (الحزب الجمهوري) في أميركا انحاز محافظو كندا إلى الشركات الكبرى في سياساتهم الاقتصادية، التي حققت أرباحا طائلة نتيجة هذه السياسات بينما عانى المواطن الكندي الذي انخفض دخله ومعه انخفضت نسبة إنفاق الحكومة على أصحاب الاحتياجات.

كذلك فإن انخفاض أسعار البترول ألحق أضرارا هائلة بقطاع النفط الصخري الذي يحتاج إلى سعر سوق عالمي لا يقل عن 85 دولارا للبرميل، بينما انخفض السعر لأقل من 40 دولارا. انخفاض أسعار النفط أدى لخسارة الكنديين لفرص عمل ولا سيما في ولاية ألبيرتا الغنية بالنفط التي خسرها المحافظون في انتخابات 2015 فيما كانوا يحكمونها منذ العام 1971.

في المقابل وعد الزعيم الليبرالي جستين ترودو المواطنين الكنديين بخفض قيمة الضرائب على معظم المواطنين وزيادتها فقط على من تزيد دخولهم السنوية عن أكثر من مئتي ألف دولار سنويا، كما طرح سياسة اقتصادية تقوم على خلق فرص عمل، وخفض نسبة البطالة، والاستثمار في البنية التحتية.

تنكر هاربر عبر سياساته الماضية لأحد أهم القيم التاريخية التي يفخر بها المجتمع الكندي والمتمثلة بتقديم يد العون للاجئين الهاربين من الأخطار الأمنية التي تشهدها بلادهم. ففي العام 1956 مثلا احتضنت كندا أكثر من مئة ألف مهاجر هنغاري بعد فشل ثورة في بلادهم ضد الحكم الشيوعي هناك وما رافق ذلك من بطش واضطهاد ضدهم، وهم اليوم مواطنون كنديون بكامل الحقوق والواجبات، وأيضا لهم كلمة في صناديق الانتخابات. الأزمة السورية في جانبها الإنساني اليوم هي خير دليل على تنكر هاربر للاجئين حين رفض استقبال 25 ألف لاجئ سوري.

الجدير ذكره أن الطفل السوري الذي غرق على سواحل المتوسط "الآن كردي" كانت كندا قد رفضت طلب هجرة تقدمت به أسرته هربا من عنف المعارك في مدينة عين العرب/كوباني، مما اضطر أسرته لركوب البحر، وكانت النتيجة المأساوية التي هزت الضمير العالمي.

وفي هذا الصدد يرى بسام القوتلي مدير مجموعة البحث والإدارة في كندا أن هاربر قد قام "بالمس بحقوق المهاجرين عبر إلغاء الكثير من طلبات الهجرة السابقة، وتغيير نظام الهجرة بشكل مستمر، ولم ينفذ وعوده بتسريع فترة مراجعة طلبات الهجرة، وزاد فترة الإقامة التي يحتاجها المهاجر للحصول على الجنسية، وسمح بتجريد المواطن الكندي من جنسيته إن كان متهما بالتورط في نشاطات إرهابية وكان يحمل جنسية أخرى، كل هذا أدى لشعور المهاجرين بأنهم مواطنون من درجة ثانية".

الجالية العربية المهاجرة في كندا كان لها نصيب الأسد من سياسات هاربر التي استهدفت المهاجرين بشكل عام وهم بشكل خاص. وفي هذا المضمار يرى جمال القريوتي الإعلامي والناشط العربي في كندا أن سياسة هاربر وحزبه المحافظ قد "ظهر فيها ما يمكن تسميته باستهداف أفراد الجالية العربية والتشكيك في مواطنيتهم، حيث بادر حزب المحافظين إلى وضع العديد من التشريعات في مجالات الهجرة وغيرها، تنتقص من حقوق المواطنة أو تهدف إلى جعل أفراد الجالية العربية مواطنين من الدرجة الثانية، بالإضافة إلى قوانين الإرهاب.. التي تجعل أفراد الجالية العربية فئة مشبوهة في نظر غيرهم من المواطنين".

العرب مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى التواصل مع صناع القرار في أوتاوا لإحداث نوع من التأثير الإيجابي تجاه قضاياهم -حيث توجد آذان نوعا ما صاغية الآن- بعد أن استفرد بها اليمين الإسرائيلي لأكثر من عشرة سنوات

في المقابل جعل جاستين ترودو موضوع استقبال المهاجرين السوريين جزءا من حملته الانتخابية. كما اعترف علنا بأهمية التنوع الثقافي واعتبره مصدر قوة لكندا، وعمل على تقوية برنامجه الانتخابي بتعزيز مشاركة الأقليات والاعتراف بمساهمتهم خاصة المسلمين الذين زار مساجدهم وأثنى على مساهمتهم ببناء المجتمع الكندي، ولذا عملت الجالية العربية -التي عانت الأمرين من سياسات هاربر- على لعب دور فعال بالمشاركة بالانتخابات ودعم الحزب الليبرالي للتأثير بالواقع السياسي المحيط بهم.

عوامل متعدد أخرى ساهمت بسقوط المحافظين، مثل رغبة الكنديين بالتغيير من الحكم المحافظ الذي استمر حوالي عشر سنوات عانى فيها المواطن الكندي في مجالات متعددة. ولعل أحد العوامل التي لعبت دورا مهما في هذا التغيير هو تركيز المحافظين -مثل أقرانهم من محافظي (جمهوريي) الولايات المتحدة- على عامل الخوف في دعايتهم الانتخابية بينما ركز ترودو على أن يستبدل من ذلك الأمل في بناء مستقبل أفضل.

العلاقة مع إسرائيل هي إحدى النقاط الرئيسية التي ستشهد تحولا ملموسا في السياسة الخارجية الكندية بعد رحيل هاربر. اليمين الإسرائيلي بالتحديد ارتعد قلقا بعد ظهور أول استطلاعات للرأي تشير إلى احتمالية خسارة صديقه اليميني هاربر الذي خطب بالكنيست الإسرائيلي قائلا "القول إن إسرائيل دولة أرتهايد هو غير صحيح، سنبقى نقف في صفها في كافة الظروف"، فأرسل نتنياهو مجموعة من المستشارين لمساعدة الصديق الذي يوشك على الغرق ولكن دون جدوى.

لم يدخر هاربر أي جهد ليقف ضد القضايا العربية والإسلامية ويحشد كل طاقاته لدعم إسرائيل على الساحة الدولية، فصوت ضد حصول الدولة الفلسطينية على صفة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012، وعارض الاتفاق النووي مع إيران وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع إيران بحج منها -ضمن أمور أخرى- أن إيران تهدد أمن إسرائيل وتصدر تصريحات ضد السامية وتدعم جماعات إرهابية.

وحسب بسام القوتلي من المتوقع أن يخفف ترودو من انحياز كندا لسياسات اليمين المتطرف الإسرائيلي، ولكنه لن يقف ضد الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل.

سيعتمد موقفه على قوة اللوبي العربي بكندا وقدرته على حشد القوى المدنية الأخرى إلى جانبه، "بمعنى أن الحزب الليبرالي سينحو باتجاه إعادة توازن العلاقة الكندية مع إسرائيل، وسيقف ضد سياسات الاستيطان من اليوم الأول له في الحكم، كما يرى أحد المسؤولين الإسرائيليين، ولكنه سيتمسك بحل دولتين ويقف ضد مقاطعة إسرائيل على الساحة الدولية.

محافظو هاربر شاركوا بفعالية في الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق، فأرسلوا ست طائرات عسكرية من نوع أف-18 تمركزت في الكويت وأقاموا قواعد تدريب في كردستان العراق. في المقابل أعلن الزعيم الليبرالي ترودو ومنذ اليوم الأول أن كندا ستسحب طائراتها العسكرية من الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة، وستكتفي بتدريب قوات عراقية على الحرب إذ لا تؤمن القيادة الجديدة بالانخراط مباشرة بالحرب في سوريا أو العراق أو غيرها وإنما على هذه الدول معالجة هذه القضايا بنفسها.

إعادة التوازن لسياسة كندا الخارجية ستشمل ليس فقط العلاقات مع العرب والمسلمين، ولكنها ستشمل العديد من الملفات، تحديدا قضايا السياسة والمناخ في أميركا الشمالية نفسها -الولايات المتحدة والمكسيك- والتي دفع هاربر بها إلى درجات غير مسبوقة من التوتر. فإصلاح العلاقة مع الإدارة الأميركية ستكون ضمن أولويات ترودو والتي توترت في عهد المحافظين لدرجة أن المراقبين للأحداث بدؤوا يتحدثون عن أزمة علاقة شخصية بين أوباما وستيفن هاربر.

لا يتوقع أحدا أن تحل صراعات المنطقة بوصول التيار الليبرالي إلى سدة الحكم ولكن بكل تأكيد قد أصبح العالم أكثر أمنا بدرجة واحدة على الأقل بزوال حكم المحافظين ورئيسهم ستيفن هاربر غير المأسوف عليهم في كندا
هناك أيضا ما يمكن وصفه بالعامل الأيديولوجي الذي يحكم العلاقة بين الطرفين، فالديمقراطيون الأميركيون يرون بالليبراليين الكنديين انعكاسا لهم هناك بينما يتناغم جمهوريو أميركا مع محافظي كندا الذين يمثلهم هاربر.

من القضايا التي أحدثت شرخا في العلاقة بين هاربر وأوباما قضية ما يعرف بـKeystone Pipeline أي مد خط أنابيب النفط من ولاية ألبيرتا الكندية الغنية بالنفط مرورا بالأراضي الأميركية وصولا إلى خليج المكسيك التي شعرت إدارة أوباما أن هاربر قد قام بضغوط ونشاطات لوبية غير مقبولة داخل الولايات المتحدة لتمرير المشروع دون الأخذ بعين الاعتبار الأضرار البيئية التي ستنجم عن مشروع كهذا تخترق فيه أنابيب النفط الولايات المتحدة من شمالها إلى جنوبها.

الزعيم الليبرالي ترودو يؤيد هو الآخر مشروع أنابيب النفط، ولكن مع سن سياسات تقوم على الموازنة بين المشروع ومنع الأضرار البيئية التي قد تنجم عنه.

ومما زاد من توتر العلاقة بين إدارة أوباما ومحافظي كندا كان شعور هاربر باستثنائه من محادثات الولايات المتحدة مع اليابان حول مشروع "الشراكة العابرة للمحيط الهادئ". توتر العلاقة مع المكسيك هي الأخرى كانت من سمات فترة حكم هاربر التي أحدثها بعد تشديده إجراءات الهجرة. ومع وصول الليبرالي ترودو للحكم وتضمينه تسهيل إجراءات الهجرة في برنامجه الانتخابي يتوقع أن يحدث انفراج في العلاقات الكندية المكسيكية هي الأخرى.

أخيرا فإن هزيمة المحافظين في كندا وعودة التيار الليبرالي إلى سدة الحكم سيخفف من حدة الأزمات الدولية التي تعد كندا طرفا رئيسيا فيها وستستعيد أوتاوا مكانتها التي تجنح باتجاه السلم والأمن الدولي والمساعدة في قضايا الوساطة الدولية، ومن الراجح أننا سنرى أيضا سياسة كندية تقوم على التوازن في العديد من الملفات العربية وأهمها القضية الفلسطينية وملف اللاجئين والحروب في المنطقة وغيرها.

وعليه فإن العرب مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى التواصل مع صناع القرار في أوتاوا لإحداث نوع من التأثير الإيجابي تجاه قضاياهم، حيث توجد آذان نوعا ما صاغية الآن، بعد أن استفرد بها اليمين الإسرائيلي لأكثر من عشر سنوات كان يشكل فيها التيار المحافظ الكندي سدا منيعا على الساحة الدولية في دعم أقرانه من اليمين الإسرائيلي المتطرف.

لا يتوقع أحدا أن تحل صراعات المنطقة بوصول التيار الليبرالي إلى سدة الحكم، ولكن بكل تأكيد أصبح العالم أكثر أمنا بدرجة واحدة على الأقل بزوال حكم المحافظين ورئيسهم ستيفن هاربر غير المأسوف عليهم في كندا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة