الوضع الراهن والآفاق المستقبلية للثورة السورية   
الثلاثاء 26/4/1435 هـ - الموافق 25/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:26 (مكة المكرمة)، 13:26 (غرينتش)
فايز الدويري

في نهاية عام 2012 كان الحديث يدور عن موعد سقوط الأسد، حيث أجمعت معظم الدول على وجوب رحيله بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها في سوريا، والتي أكدت منظمات حقوقية وقوعها ومسؤوليته عنها.

وأدى ذلك إلى فقدان النظام الشرعية الشعبية والأخلاقية، وبالتوازي مع ذلك كان الحديث يدور نهاية عام 2013 حول أمرين محددين هما: التخلص من السلاح السوري الكيميائي، والتحضير لعقد مؤتمر جنيف2.

وقد شهد عام 2013 تطورات مهمة في البعدين السياسي والعسكري للثورة السورية، فظهر ائتلاف قوى الثورة والمعارضة وهيئة الأركان، اعتبر الأول ممثلا شرعيا للشعب السوري، فيما اعتبر الآخر المظلة الجامعة لأطياف المعارضة المسلحة، بالتزامن مع تطورات محلية وتصعيد إقليمي، وفتح جزئي للحدود التركية والأردنية، ومساع بريطانية فرنسية لرفع الحظر الأوروبي عن تزويد السلاح للجيش الحر، والموافقة الأميركية على تقديم معدات غير قاتلة.

كل ذلك جعل الكثير من المحللين الإستراتيجيين يتوقعون قرب سقوط النظام السوري، وعزز هذا التوقع النجاحات التي حققتها المعارضة المسلحة بسيطرتها على مناطق واسعة من الجغرافيا السورية، وإطلاق معركة المطارات، وظهور أسلحة نوعية حديثة بيد الثوار رغم محدوديتها.

في ظل هذه التغيرات الإيجابية المؤثرة على مسار الثورة السورية كانت بعض الظلال السوداء تغطي خلفية المشهد السوري، ومنها:

شهد عام 2013 ظهور ائتلاف قوى الثورة وهيئة الأركان،  بالتزامن مع تصعيد إقليمي، وفتح جزئي للحدود التركية والأردنية ومساع بريطانية فرنسية لرفع الحظر عن تزويد الجيش الحر بالسلاح، وموافقة أميركية على تقديم معدات غير قاتلة

- تزايد الدعم الروسي للنظام السوري في أبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستخباراتية.

- تحول الدعم الإيراني من دعم محدود مغلف بدبلوماسية هادئة إلى دعم مباشر ومكشوف عبر فتح خط ائتماني مع الحكومة السورية بمليارات الدولارات، وإنشاء جسر جوي لإيصال المساعدات العسكرية، فيما عزز فيلق القدس من تواجده العسكري بإرساله عناصر من الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج والعديد من الخبراء العسكريين الذي تولوا مسؤولية التدريب والتخطيط الإستراتيجي والعملياتي والتعبوي وتولي مهام قيادية لبعض العمليات العسكرية النوعية، إضافة إلى تجميع وتدريب المقاتلين الشيعة وإرسالهم إلى سوريا.

- تدخل حزب الله المتصاعد في الأزمة السورية، والذي عبر عنه بتعابير مختلفة حسب المقتضيات الظرفية، فبدأ تدخله بحجة حماية البلدات الشيعية الحدودية، ثم حماية المزارات الشيعية، وانتهاء بحماية ظهر المقاومة وعدم السماح بسقوط محور الممانعة.

جاء تدخل حزب الله في الوقت المناسب، فاحتل مدينة القصير التي شكّل سقوطها نقطة تحول في الصراع السوري حيث استعادت قوات النظام المبادأة على المستويات العسكرية الثلاثة (الإستراتيجي والعملياتي والتعبوي)، فيما أصيبت قوات المعارضة المسلحة بانتكاسة كبيرة أفقدتها توازنها بعض الوقت، وأسهم حزب الله لاحقا بفاعلية في معارك ريف دمشق والغوطة الشرقية والغربية والقلمون وريف حلب.

- ظهور الجماعات الإسلامية المتشددة (جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام)، حيث تم تشكيل جبهة النصرة أواخر عام 2011، وسرعان ما نمت قدراتها لتصبح في غضون أشهر من أبرز قوى الثورة السورية، فيما بدأت الدولة الإسلامية نشاطها على الأراضي السورية معتمدة أسلوب الانتشار البطيء والقضم المتدرج للمناطق المحررة، حيث بدأت بإنشاء مقار دعوية سمحت لها بالتقرب من البيئة الاجتماعية من خلال تقديم المساعدات العينية، ولكنها حولتها لمقار أمنية استخدمت في فرض الأمن وملاحقة العصابات الإجرامية والقضاء عليها بقسوة مفرطة مما أثار الرعب في قلوب الجميع.

كان من أهم النتائج السلبية لسقوط مدينة القصير حدوث موجة استنكار عمت الكتائب المسلحة، وأدت لاحقا إلى عمليات انشقاق واسعة، فشهد يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني ميلاد الجبهة الإسلامية التي ضمت أقوى الفصائل المسلحة على الأرض (جيش الإسلام، وأحرار الشام، وصقور الشام، ولواء التوحيد، إلخ).

تلا ذلك تأسيس جيش المجاهدين، وتشكل من: "الفرقة 19، وتجمُّع "فاستقم كما أمرت"، وكتائب نور الدين زنكي، وحركة النور الإسلامية"، وحرصت مصادر جيش المجاهدين على التأكيد أن تشكيلهم ليس متشددا وأنه قريب من منهج الجيش الحر.

شكل سقوط القصير نقطة تحول فاستعادت قوات النظام المبادأة على المستوى العسكري، فيما أصيبت قوات المعارضة المسلحة بانتكاسة كبيرة أفقدتها توازنها بعض الوقت

انتقلت العدوى لباقي فصائل المقاومة، فأُعلن عن تأسيس جبهة ثوار سوريا، كما أعلن 49 فصيلا في جنوب سوريا عن توحدهم في جسم عسكري واحد أطلقوا عليه اسم الجبهة الجنوبية. لقد جاءت ولادة هذه التنظيمات على حساب الجيش الحر الذي لم يستطع أن يحقق على مدار عام كامل أي إنجازات مهمة سواء على المستوى القيادي أو التنظيمي أو العملياتي أو الإداري.

الوضع الراهن
تراجعت أميركا عن توجيه ضربة للنظام السوري، واكتفت بقبول المبادرة الروسية التي نصت على انضمام سوريا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية وتسليم سلاحها الكيميائي.

فهم النظام السوري التراجع الغربي بطريقته الخاصة (أن الغرب غير جاد في تهديداته العسكرية)، مما شجعه على تصعيد عملياته العسكرية، فعزز من حصاره الغوطتين والأحياء الجنوبية من مدينة دمشق، معتمدا إستراتيجية القتل بالتجويع، كما صعّد عملياته العسكرية في القلمون وريف حلب الجنوبي، وأفرط في استخدام قواته الجوية فألقت المئات من البراميل المتفجرة على المدن والبلدات السورية عامة ومدينتي حلب ودرعا خاصة.

تزامن ذلك مع تبدل في مواقف دول الجوار، وحسب تطور المعارك في الداخل السوري وتأثير ذلك على مصالحها الوطنية، حيث بدأت بفتح الحدود حينا وإغلاقها حينا آخر، مما أثر سلبا على وصول السلاح النوعي لقوات المعارضة المسلحة.

كما شهدت الفترة الزمنية نفسها تبادلا في الأدوار السعودية القطرية، حيث ارتفعت حدة الخطاب السعودي فيما تراجع الخطاب القطري الرسمي الداعم للثورة، كما بدأ الإعلام الداعم للثورة -وفي مقدمته فضائيتا الجزيرة والعربية- يخصص مساحات أوسع للملفين المصري والعراقي على حساب الثورة السورية، فيما انشغلت تركيا بأحداثها الداخلية وتقاربها مع إيران.

ازداد المشهد السوري تعقيدا وضبابية بعد اندلاع الاقتتال بين فصائل المعارضة المسلحة السورية، إثر قتل الدولة الإسلامية في العراق والشام العقيد الطبيب حسين السليمان لترد كتائب الأتارب بمهاجمة مقر الدولة الإسلامية وقتل قائدها وأسر العشرات من عناصرها.

انتقلت العمليات العسكرية إلى محافظات حلب وإدلب ودير الزور والحسكة بعد إعلان كل من جيش المجاهدين وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

تمكنت الجبهة الإسلامية والتنظيمات الداعمة لها من فرض سيطرتها على محافظات إدلب ودير الزور والحسكة ومدينة حلب، فيما لا يزال تنظيم الدولة يسيطر على محافظة الرقة والعديد من البلدات المهمة في محافظة حلب (منبج والباب وتل أبيض وعلى أجزاء مهمة من الشريط الحدودي مع تركيا).

وقد أجبرت هذه المواجهات تشكيلات المعارضة المسلحة على إخلاء العديد من مواقعها العسكرية المواجهة لقوات النظام السوري أو تخفيف القوات المدافعة عنها مما سمح لقوات النظام أن تعيد تموضعها الدفاعي وتغيير خططها العملياتية، فسيطرت على مدينة النقارين شرق حلب وبعض البلدات المحيطة بها، كما ضيقت الخناق على الأحياء الشرقية من مدينة حلب مما جعل قوات المعارضة المسلحة المدافعة في موقف عسكري غير ملائم، وعليها أن تجري تقدير موقف عسكري دقيق لمواجهة المخاطر المحدقة بها، وإلا فإن قوات النظام ستحقق إنجازات عسكرية كبيرة.

إذا تمكنت قوات المعارضة من تطوير عملياتها في محافظة درعا باتجاه العاصمة والاحتفاظ بمنطقة القلمون فأمامها فرصة ثمينة لإجراء مناورة مزدوجة (فكي كماشة)، ستجعل من الصعب على النظام الدفاع عن دمشق

على الطرف الآخر من الجغرافيا السورية، تشتد المعارك بين المعارضة المسلحة وقوات النظام حيث تشهد بلدات محافظتي درعا والقنيطرة معارك رئيسية حاسمة، نجحت قوات المعارضة في السيطرة على العديد من الحواجز والمواقع العسكرية، مما يمكنها إذا توفرت لديها الخطط العملياتية الجريئة أن تطور عملياتها العسكرية باتجاه العاصمة دمشق فتساعد على فك الحصار عن الغوطتين والأحياء الجنوبية وتهدد مركز الثقل السياسي والعسكري للنظام السوري.

وقد حاول النظام السوري استغلال انعقاد الجلسة الثانية من مؤتمر جنيف2، فصعّد عملياته العسكرية في منطقة القلمون، وهي منطقة إستراتيجية تسيطر على الطريق الدولي الواصل بين مدينتي دمشق وحمص كما تسيطر على عشرات الممرات المؤدية إلى عرسال اللبنانية.

وكانت قوات النظام قد استعادت السيطرة على بلدات قارة والنبك ودير عطية في معارك سابقة، مما أجبر قوات المعارضة على إعادة انتشارها في مدينة يبرود والبلدات الصغيرة المنتشرة في مرتفعات القلمون.

بسبب جغرافية المنطقة، والتي تحد من استخدام الوحدات المدرعة لجأت قوات النظام إلى استخدام عناصر قوات النخبة الراجلة لتطويق وعزل بعض البلدات مثل الفليطة وجريجير ورأس المعرة، وبإسناد ناري كثيف من سلاح الجو والقصف المدفعي والصاروخي من أجل عزل وتطويق مدينة يبرود تمهيدا لاقتحامها.

تعتمد التطورات الميدانية لمعركة القلمون على قدرة القوات المدافعة على الصمود والاستفادة من خصائص المنطقة الجغرافية والتي تمنح المدافع ميزات كبرى إذا ما أحسن استغلالها، من خلال التمسك بالمناطق الحاسمة ونشر الكمائن، بالإضافة إلى موجوداتها من أسلحة مقاومة للدبابات وإمكانية تعزيز هذه القوات من الخارج.

إن نجاح قوات المعارضة في الاحتفاظ بمنطقة القلمون يحرم قوات النظام من تحقيق التواصل الجغرافي بين دمشق وحمص، كما يبقي على المعابر المؤدية إلى عرسال مفتوحة، التي تعتبر بمثابة الرئة التي تتنفس منها قوات المعارضة، وتساعد في فرض حصار فاعل على مدينة دمشق، وفي حال سيطرة قوات النظام عليها فإنها تحقق التواصل الجغرافي من دمشق وحتى اللاذقية.

إذا تمكنت قوات المعارضة المسلحة من تطوير عملياتها في محافظة درعا باتجاه العاصمة والاحتفاظ بمنطقة القلمون فأمامها فرصة ثمينة لإجراء مناورة مزدوجة (فكي كماشة)، ستجعل من الصعب على قوات النظام الدفاع عن دمشق، وفي الحد الأدنى فإنها ستحقق مكاسب ميدانية ستضعف الموقف التفاوضي لوفد النظام وستعزز الموقف التفاوضي لوفد الائتلاف المعارض.

ولكن هذا النوع المعقد من العمليات العسكرية يحتاج إلى وحدة القيادة وتوحيد الجهد ومركزية التخطيط ولامركزية التنفيذ، وهذا لا يتوفر للمعارضة المسلحة، حيث نجد رئاسة الأركان انقسمت بعد إقالة اللواء سليم إدريس إلى جناحين هما جناح اللواء سليم إدريس وجناح العميد عبدالإله النعيمي.

وتؤكد هذه الردود أن بعض رجالات الثورة السورية من مدنيين وعسكريين -رغم وطنيتهم- مصابون بأمراض رجالات النظام، ومنها تقديم المصالح الشخصية على مصلحة الوطن، كما يعانون من غياب القدرة على التخطيط الإستراتيجي وتحديد الأهداف الرئيسية للثورة وبيان أولوياتها ووسائل وإمكانيات تحقيقها.

لا يمكن تحقيق إنجاز على الأرض إلا بتوحيد جهود المقاتلين وتسليحهم بالأسلحة النوعية من خلال إنشاء قيادة جديدة لجيش وطني سوري، وإدماج الفصائل الإسلامية المعتدلة، ووضع إستراتيجية عسكرية محكمة

وفي الختام، نجد أنه بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على انطلاق الثورة السورية فإنها لا تزال تدور في حلقة مفرغة ومخاضها عسير، خاصة أن الحسم العسكري ليس بمتناول أي من أطراف الصراع، مما يعني استمرار هذا الصراع لسنوات قادمة وقد يؤدي إلى تدمير الدولة السورية وتحولها لدولة فاشلة يسيطر عليها أمراء الحرب، وما يحمله ذلك من خطر داهم على الشعب السوري ودول الجوار والإقليم والعالم أجمع.

لذا، فإن المخرج الوحيد هو الحل السياسي الذي يؤمن الحد الأدنى من التوافق الوطني، وهو ما قدمه بيان جنيف1، ومنه تشكيل هيئة انتقالية بصلاحيات كاملة شاملة السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية، وتعد دستورا جديدا يضمن حق المواطنة لكافة مكونات الشعب السوري، ويحقق العدالة الانتقالية.

بيد أن تشرذم المعارضة بجناحيها السياسي والعسكري وسيطرة قادة الأجهزة الأمنية للنظام السوري على القرارين السياسي والعسكري، والمواقف الروسية والإيرانية الداعمة لنظام الأسد، وتردد الدول الغربية في ممارسة ضغوط حقيقية على النظام السوري وحلفائه، جميعها تحول دون التوافق على حل يرضي كافة الفرقاء.

وذلك ما يعيد إلى الأذهان أهمية الإنجازات الميدانية للواجهة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا بتوحيد جهود المقاتلين على الأرض وتسليحهم بالأسلحة النوعية من خلال إنشاء قيادة جديدة لجيش وطني سوري، يسمح تنظيمها بإدماج الفصائل الإسلامية المعتدلة، وتقوم بوضع إستراتيجية عسكرية وإستراتيجية عمليات تحدد الأهداف والوسائل والإمكانات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة