الأزمة المصرية وانعكاساتها المحتملة على سوريا   
الأحد 1434/9/28 هـ - الموافق 4/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)
غازي دحمان

 

ثمة قاسم مشترك يربط أزمات المنطقة العربية والشرق أوسطية بعضها ببعض، وليس في الأمر غرابة نظراً لوجود حالة من التداخل والتعقيد بين مجتمعات المنطقة وفي قلب منظوماتها الفكرية والسياسية، ونظراً لحالة التشابه الهائلة في نمط إدارة العمليات السياسية في إطار منظومة الوحدات السياسية المكونة لنسيج المنطقة السياسي.

في ظل هذا المشهد المتشابك والمتداخل، كان من الطبيعي أن تطرح الأزمة المصرية -ضمن جملة الأسئلة الكثيرة التي ألقتها في فضاء المنطقة وعلى صعد مختلفة، دستورية وسياسية وأمنية- سؤالاً خاصاً بالأزمة السورية، وما إذا كان نظام بشار الأسد سوف يطور استجابات جديدة على ضوء قراءته للأزمة، أو ما إذا كانت طبيعة مخرجات الأزمة أو المقاربة المعتمدة بحد ذاتها ستبلور نمط تعاط دولي جديد مع عناصر الأزمة السورية وتعقيداتها؟

يعتقد الأسد أن عزل الرئيس محمد مرسي في مصر يمنحه نقطة في حربه على شعب سوريا، ويثبت أنه كان على صواب في سياسة القتل التي اتبعها منذ اليوم الأول

التصور العام بداية أنه من غير المؤكد أن يستفيد بشار الأسد من الدرس المصري، بل على العكس من ذلك إذ توحي الاستجابات الأولى وردود فعله المعلنة أنه يحاول توظيف هذا الدرس والاستفادة منه إلى أقصى حد والتعامل معه بوصفه فرصة لاحت، حيث يعتقد أن وقوف بعض الأنظمة العربية، وخاصة السعودية والإمارات والكويت، مع الجانب الآخر في الأزمة المصرية علامة على إمكانية انقلاب هذه الدول للوقوف معه ضد الشعب، هكذا يقرأ الحدث.

الأكثر من ذلك، ظهر أن الانقلاب على الإخوان المسلمين في مصر يبرر له كل فظائعه تجاه الشعب السوري، ومن وحي تهليله للحدث كما كشف في تعليقاته الإعلامية الغزيرة، أنه فعل كل شيء لقطع الطريق على فوضى الجماعات المسلحة ذات المرجعية الإسلامية، وبالتالي لا حاجة لتجربة حكمهم طالما أنها ستنتهي إلى هذا المآل.

وفق هذا المنطق فإن الرجل لم يفعل شيئاً غير اعتيادي، كل ما فعله أنه قام بعملية حرق مراحل، وأراح العالم من خوض تجربة الإسلاميين في سوريا، أو هو في أحسن الأحوال يكون قد طبق نظرية "الجراحة الضرورية" التي كان قد طرحها في بداية الأزمة لإنقاذ المجتمع السوري "المريض" من ورم الثورة الذي يهدد بفنائه.

وهكذا يحاول الأسد توظيف الحدث المصري وتجييره في خدمة أهداف نظامه، حيث يعتقد الأسد أن عزل الرئيس محمد مرسي في مصر يمنحه نقطة في حربه على شعب سوريا، ويثبت أنه كان على صواب في سياسة القتل التي اتبعها منذ اليوم الأول، لأن مجتمعه "غير واع"، أو لأن حكمه من النوع الذي "يتوافق" مع "طبيعة الناس"، وهذا وحده يكفي لاكتشاف أنه لم يفهم شيئاً مما شهدته مصر، بل قفز إلى النتائج متصورا أنها في صالحه وتخدم بقاءه على رأس نظام متماد في الوحشية والإجرام.

والواقع أن أكثر ما يثير اغتباط الأسد في الحدث المصري، ينطوي على تقدير وإشارة لدور الجيش الذي عزل الرئيس "الإخواني"، وكأن الأسد يريد أن يقول للعالم هذا هو الجيش الذي يعتبره المصريون عماد دولتهم وحامي ثورتهم وعنوان وحدتهم الوطنية وحاقن دمهم، لماذا لا تنظرون للجيش السوري بنفس المنظار؟

لكن ومن سوء حظ الأسد أن العالم يدرك الفارق بين الحالتين، إذ لم يتردد الأسد ونظامه في استخدام الجيش السوري في قتل السوريين واستباحة المدن والبلدات بأقذر ما يمكن أن يفعله أي جيش احتلال، بل الأسوأ أنه يُستخدم في معركة حمص لهدف محدّد هو رسم جغرافية تقسيم سوريا، لتكون لديه خريطة يساوم عليها في أي مفاوضات على تسوية سياسية.

مسار الأحداث في سوريا أصبح متداخلا ومعقدا، والأطراف الخارجية صارت فاعلة ومؤثرة، وإذا ما اتفقت على الترتيبات والتفاصيل، فلديها القدرة على إخراج الحل المناسب للأزمة
وبعيدا عن قراءة النظام السوري ورأسه للحدث المصري، فإن ثمة تقديرات لدى دوائر عديدة، بأن الحدث المصري، وفي حالة نجاحه كتجربة سيجري تعميمه على باقي حالات الشرق الأوسط، التي لا تزال عالقة، ولا تزال مجتمعاتها تعيش مرحلة ما بين الحرب الأهلية والاضطراب، كاليمن وتونس وليبيا، بالإضافة إلى سوريا التي باتت تمثل مأزقا دولياً لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

فالمشهد السوري اليوم ينطوي على حلٍ توفره آليات النظام نفسه ومؤسساتها، وهو قيام مؤسسة الجيش بقيادة الحل وفرضه على جميع الأطراف بما فيها رأس النظام، وينطوي هذا الحل على مزايا كثيرة، كما أنه يطرح إغراءات مهمة لمختلف الأطراف منها:

أنه يوفر على الأطراف الخارجية كلفة التدخل الخارجي، وخاصة وأنها عملية لم تحظ بتوافق دولي من مختلف الأطراف. إضافة إلى كون تلك الأطراف الخارجية تعاني أصلاً مشاكل داخلية تتعلق بعدم قدرتها على إقناع شعوبها بأولوية التدخل الإنساني في الأزمة السورية نتيجة استغراق تلك الشعوب بأزماتها الاقتصادية والمالية واعتكافها على مشاكلها وهمومها.

من جهة ثانية، يضمن هذا الحل المحافظة على مؤسسات الدولة وضمان عدم انفراط عقد الدولة وتشتتها، والابتعاد تاليا عن الشبح الصومالي الذي بات يلوح في أفق المشهد السوري. حيث تدرك مختلف الأطراف الدولية المتصارعة الأهمية الجيو إستراتيجية لسوريا وحيوية موقعها الجغرافي وارتباطه العضوي والوثيق بمصالح وأمن المجموعة الدولية الفاعلة والمؤثرة.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الحل يلقى قبولا من الطرف الروسي، أكثر الأطراف الدولية داعمة للنظام والذي يصر على وجوب أن يكون له كعكة في سوريا المستقبلية، والمعلوم أن الروس لهم علاقات متشعبة داخل المكون العسكري السوري بحكم العلاقات التاريخية بين الطرفين.

وكانت روسيا قد اقترحت -في مرحلة سابقة- تسليم الأمور لمجلس عسكري، على أن يتكون إطاره من مختلف مكونات المجتمع السوري، وترجح فيه كفة الأقليات حتى تشعر بمزيد من الاطمئنان على مستقبلها، وتأمن من عدم تعرضها للانتقام من قبل المكون الأكثري، إلا أن تطورات الحدث السوري طوت هذا المقترح.

من جهتها، أعلنت أميركا أكثر من مرة رغبتها في الحفاظ على مؤسستي الجيش والأمن في سوريا، فيما يبدو أنه محاولة لعدم تكرار تجربة العراق.

من المستبعد تماما أن يستفيد بشار الأسد من الدرس المصري، بل على العكس من ذلك توحي الاستجابات الأولية بأنه يحاول توظيف هذا الدرس والاستفادة منه في ضرب خصومه وتأكيد صحة موقفه

إضافة لذلك، فإن هذا الحل يتوافق مع رغبات إسرائيل في عدم استلام الإسلاميين للسلطة بسبب مخاوفها من غموض مواقفهم المستقبلية تجاه الوضع في الجولان وعملية السلام عموماً، فيما تستطيع إسرائيل التكيف والتنسيق مع مؤسسة الجيش السوري، بعد خبرة عقود من التعاطي بين الطرفين، ناهيك عن كون هذا الطرح يراعي مخاوف الروس من تمدد حكم الإسلاميين في المنطقة.

كيف ستتم ترجمة هذا الأمر على أرض الواقع، خاصة في وجود تماه بين المؤسستين العسكرية والأمنية في سوريا ورأس النظام نفسه، حيث تصبح عملية الفصل بينهما أعقد مما يتصور الكثير، مما يجعل الحديث عن إمكانية الانقلاب على النظام مجرد حديث نظري لا إسناد له؟

الجواب على ذلك أن مسار الحدث صار متداخلاً بدرجة معقدة وأن الأطراف الخارجية صارت طرفا فاعلا، وأن هذه الأطراف إذا ما توافقت على الترتيبات والتفاصيل، فلديها القدرة على إظهار المخرج المناسب للأزمة.

والأهم من كل ذلك أن الأزمة تعقدت بدرجة كبيرة، كما أنها أعيت مختلف أطرافها وأرهقتهم باستنزافها لرصيدهم المادي والمعنوي وخاصة الأطراف الدولية والإقليمية.

على عكس ما يحاول رأس النظام السوري تسويقه، يبدو أن الأمور لا تسير في السياق الذي يرغب فيه، فلا الدول العربية ستؤيده وهي ليست في وارد ذلك بالمطلق، ولا العالم يرى الأمور من ذات الزاوية رغم كل الحذر الذي تبديه بعض الدول الغربية تجاه القيام بخطوات حاسمة في الملف السوري.

الحل المصري يختمر، والعالم كله يراقب الحدث -النموذج- ليصار إلى تعميمه في دول الاضطراب العربي وسوريا من ضمن هذا النسق.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة