حماس ومصر واللغز التائه في سيناء   
الأربعاء 15/9/1436 هـ - الموافق 1/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:55 (مكة المكرمة)، 13:55 (غرينتش)
حمزة إسماعيل أبو شنب


مصر تطرق الأبواب
الأسباب والدوافع
تعاون أفسده الانقلاب
للقسام رأي آخر

تتلاحق الأحداث السياسية في الساحة الفلسطينية محركة ركودا دام ما يقارب العام بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014.

وتمثل ذلك الحراك خلال الأسابيع القليلة الماضية -من بين أمور أخرى- بزيارة دبلوماسيين أوروبيين رفيعي المستوى، لتجنيب قطاع غزة الانفجار مرة أخرى، عبر طرح العديد من المبادرات، أبرزها: مبادرة المبعوث السابق لعملية السلام توني بلير، والمبعوث الحالي نيكولاي اللتين لم تقبل حماس بأي منهما.

هذه التحركات دفعت الإدارة المصرية إلى إعادة التفكير في طبيعة علاقتها مع حركة حماس، كونها القوة المسيطرة على قطاع غزة، فلجأت إلى إرسال رسائل، وعقد لقاءات مع حماس، ومن ثم فتح معبر رفح، وإدخال مواد بناء للقطاع الخاص، بعد أن كانت هذه الخطوات من المحرمات المصرية وبتأييد من الرئيس عباس.

مصر تطرق الأبواب

من دوافع مصر للتحرك تجاه حماس تردي الحالة الأمنية في شمال سيناء، مع تزايد الهجمات على الجيش والشرطة، وعدم قدرة مصر على بسط سيطرتها هناك، وعودة حضور المخابرات العامة بالملفات الأمنية، وتراجع دور المخابرات الحربية
منذ نحو شهر ونصف، زار مدير المخابرات المصرية اللواء خالد فوزي الدوحة، وخلال الزيارة نقل رسالة لحركة حماس، عبّر فيها عن حرص مصر على إعادة العلاقات الثنائية مع حماس، واستعداده للقاء قادتها، وعلى رأسهم خالد مشعل في القاهرة، مقدما بعض المطالب المصرية في سبيل لذلك، تتلخص في ضبط الحدود لمنع العناصر المتشددة من التنقل بين سيناء وغزة، والتعاون الأمني وتبادل المعلومات في ما يتعلق بالحالة الأمنية المتدهورة في سيناء.
 
ولم يكتف الجانب المصري بنقل الرسائل عبر قطر، بل أعطى الضوء الأخضر لدحلان لنقل المطالب السابقة لحماس، حيث نٌقلت عبر مساعديه في لقاء جمعهم بحماس في تركيا، ثم لم تجد مصر بدا من الجلوس مع حركة حماس بصورة مباشرة، مستغلة عودة اثنين من أبرز مهندسي العلاقات الخارجية لحماس: الدكتور موسى أبو مرزوق، والمهندس عماد العلمي، إلى قطاع غزة، مؤكدة لهما الحرص المصري على إعادة العلاقات الثنائية مع حركة حماس.

ثم تلا ذلك لقاء جمع أبو مرزوق ووزير المخابرات المصرية خالد فوزي، وهو الأول من نوعه منذ عام، واتفق الجانبان على وقف التراشق الإعلامي، وتكثيف الجهود لضبط الحدود من الجانب الفلسطيني، وتخفيف الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، كما سبقت ذلك خطوات مصرية: كإلغاء الأحكام الصادرة ضد حماس باعتبارها منظمة "إرهابية".

الأسباب والدوافع
ثمة دوافع عدة تكمن خلف الخطوات المصرية تجاه حركة حماس، بعضها يرتبط بالواقع الأمني في سيناء، والبعض الآخر يتعلق بجزء من أمنها القومي في قطاع غزة، ويمكن تلخيصها في:

1- تردي الحالة الأمنية في شمال سيناء، مع تزايد الهجمات على الجيش والشرطة، وعدم قدرة مصر على بسط سيطرتها هناك، بعد خطوات تدمير المنازل، وتوسيع المنطقة العازلة التي وصلت إلى 1200 متر.

2- عودة حضور جهاز المخابرات العامة في الملفات الأمنية، كمنطقة سيناء، بما يحمله من رؤية مغايرة تماما لما تراه المخابرات الحربية التي تراجع دورها.

3- كثافة الزيارات الأوروبية، وتقديم الحلول لقطاع غزة، عبر طرح مسودات لهدنة طويلة بين حماس وإسرائيل، متجاوزين الدور المصري، مما أقلق المصريين من فقدان ورقة مؤثرة في الملف الفلسطيني، باعتبارهم الجهة صاحبة الباع الطويل فيه، مع عدم رغبتهم في إقامة أي ممر مائي أو ميناء لقطاع غزة يشكل بديلا عن معبر رفح.
تشترط القسام للقبول بمصر وسيطا في الملفات المتصلة بها جملة شروط، منها اتخاذ مصر خطوات جريئة بإسقاط حكم المحكمة اعتبار القسام منظمة "إرهابية"، وإسقاط الأحكام ضد قياداته الأحياء والشهداء، ووقف الحرب ضد المقاومة أمنيا وميدانيا
4- فشل كافة المحاولات للقضاء على حركة حماس، وتراجع الحرب الإقليمية على جماعة الإخوان المسلمين، بسبب التطورات المتسارعة في المنطقة العربية.

5- محاولة الاستفادة من الخطوات الإسرائيلية بتخفيف الحصار، والسماح لقطر بإدخال مواد إعادة الإعمار، بعد أن رفضت مصر ذلك في السابق، مما يساهم في تفعيل العديد من المصانع في سيناء، يتبع ذلك استقرار الوضع الأمني فيها.

6- شعور القيادة المصرية بـ"جدية" الخطوات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، وعدم الرغبة في الدخول في مواجهة جديدة.

تعاون أفسده الانقلاب
الفجور في العداوة من السلطة الحاكمة في مصر تجاه حركة حماس وذراعها العسكري كتائب القسام، لم يعكس حالة التنسيق والتعاون بينهما في العهود الثلاثة السابقة، ففي عهد مبارك كانت مصر راعية اتفاقيات المصالحة والتهدئة، وقُبلت كوسيط من كتائب القسام في ملف تبادل الأسرى.

أما في عهدي الثورة والرئيس مرسي، فشهد التنسيق والتعاون مراحل متقدمة جدا، وساهمت الأجهزة الأمنية في قطاع غزة في إفشال العديد من المخططات في سيناء، ولم يقتصر التعاون مع المخابرات العامة التي (أنجزت صفقة شاليط)، بل تعداها إلى المجلس العسكري ومخابراته الحربية التي جمعتها لقاءات مع قيادات من كتائب القسام، من خلال كل من: اللواء محمد العصار، واللواء محمود حجازي.

كان هذا التعاون مقابل غض الطرف، وعدم ملاحقة خطوط الإمداد الداعمة للمقاومة في قطاع غزة، إلا أن الانقلاب العسكري في مصر بحث عن أولوية تسويق انقلابه على حساب أمنه القومي، فوجد ضالته في التعاون المكثف مع الاحتلال الإسرائيلي، وشن حربا بلا هوادة، لمنع تطوير قدرات المقاومة في قطاع غزة، وذهب الانقلاب إلى تجريم حماس وذراعها العسكري، وإصدار أحكام بالإعدام ضد عدد من أبرز قادتها، وتلفيق التهم لهم كاقتحام السجون، والتدخل في الشأن المصري، رغم الحديث من قبل المخابرات المصرية لحماس بأنها تعلم ألا علاقة لها بالأوضاع الداخلية.

للقسام رأي آخر
ربما تكون الخطوات المصرية لنزع فتيل التوتر مع حماس تعيدها إلى مشهد الملفات الفلسطينية، كالمصالحة، والتهدئة، لكنها ليس من السهل أن تكون وسيطا مقبولا في مفاوضات تبادل الأسرى. ورغم ثناء كتائب القسام على دورها في صفقة شاليط، فإن خطوات ما بعد الانقلاب تعقد قبول مصر مرة أخرى وسيطا نزيها، ويتطلب الأمر منها إعادة بناء الثقة مع القسام.

وتلك مهمة لا تتم إلا بإجراءات مصرية واضحة، ترتبط برفع الحصار عن المقاومة في غزة، فنظرة القسام للأمور ربما تكون مختلفة عن النظرة السياسية والإنسانية.

وتشترط القسام للقبول بمصر وسيطا في الملفات المتصلة بها جملة شروط، منها اتخاذ مصر خطوات جريئة بإسقاط حكم المحكمة اعتبار القسام منظمة "إرهابية"، وإسقاط الأحكام ضد قياداته الأحياء والشهداء، ووقف الحرب ضد المقاومة أمنيا وميدانيا.

تدرك مصر أن تحسن علاقاتها مع بعض الدول يرتبط بتخفيف حصار غزة، وأنه لا بد من التعامل مع حركة حماس كقوة لا يمكن تجاوزها في الملف الفلسطيني، ولكن التحسن المرتقب لن يغير من النظرة المصرية تجاه حماس وامتداداتها الإخوانية في التعامل معها كحالة أمنية وليست حالة سياسية

وبموجب ذلك وفي ظل تلك الاشتراطات ستكون السلطات المصرية أمام خيارين: إما الأمن القومي المصري، وهو ما يتعلق بتعاونها مع المقاومة ولو بالحد الأدنى، أو تأمين الاحتلال الإسرائيلي الداعم لانقلابها العسكري.

يبدو لي في الوقت الراهن أنه ليس من السهل أن تتنصل من التزاماتها مع "إسرائيل"، وربما يكون للمخابرات العامة رأي آخر، وربما يحتاج الأمر مزيدا من الوقت حتى تتغير المعادلة، والمرجح أن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه في عهدي المجلس العسكري والرئيس مرسي، وقد نكون أقرب إلى نموذج العلاقة بين مصر وحماس في عهد مبارك (2009-2011).

وبالتالي من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة نوعا من تحسن العلاقات بين الطرفين (حماس ومصر)، فكل منهما يحتاج الآخر، حماس تسعى إلى رفع الحصار عنها، وتبحث عن ترتيب علاقاتها الخارجية مرة أخرى بعيدا عن سياسية المحاور، كالانفتاح على مصر والمملكة العربية السعودية، وترميم العلاقات مع كل من إيران وحزب الله.

أما مصر فتدرك أن تحسن علاقاتها مع بعض الدول يرتبط بتخفيف الحصار عن قطاع غزة، وأنه لا بد من التعامل مع حركة حماس كقوة لا يمكن تجاوزها في الملف الفلسطيني، ولكن التحسن المرتقب لن يغير من النظرة المصرية تجاه حركة حماس وامتداداتها الإخوانية في التعامل معها كحالة أمنية وليست حالة سياسية.

ثمة آراء تذهب إلى ما هو أبعد من كل ما طرح، وترهن تحسن علاقات حماس ومصر بتخفيف التوتر في سيناء، إلى حين الانتهاء من المخطط المعُد، عبر إنشاء قنوات مائية على بعد 1200م، ومن ثم بناء جدار له بوابات دخول وخروج يفصل رفح المصرية عن باقي مصر على بعد خمسة كيلومترات من الحدود مع قطاع غزة، يخنق المقاومة بصورة تامة، وربما يكون هذا الطرح بعيدا عن المنطق، لكن الناظر للمشهد المصري يدرك أنه لا منطق يحكم تصرفات حكامه الحاليين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة