أوروبا ومعاداة أوروبا   
الاثنين 1436/8/21 هـ - الموافق 8/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)
يوشكا فيشر


لقد واجه الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2008 -عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية- سلسلة من الأزمات: الأزمة اليونانية المتصاعدة، والهيمنة الثأرية الروسية في أوكرانيا، وأزمة اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط (وهي المرتبطة بشكل وثيق بالأزمة الإقليمية في الشرق الأوسط والحروب المختلفة في أفريقيا).

إن هذه الأزمات قد شكلت ضغطا كبيرا على قوى الاتحاد الأوروبي ومؤسساته بشكل يفوق إمكانياتها، ولهذا السبب كان الرد الأوروبي ضعيفا إلى حد كبير.

إن انعدام فعالية المؤسسات والهياكل الحالية في وجه التهديدات اليومية يهدد الآن شرعية الاتحاد الأوروبي، لأن مواطني أوروبا يدعون لحلول من الواضح أن الاتحاد الأوروبي غير قادر وإلى حد ما غير راغب بتوفيرها. إن إحدى هذه العواقب هو تآكل الدعم للاتحاد الأوروبي بين الناخبين في الدول الأعضاء فيه.

إن التآكل قد يتسارع في العامين القادمين. يبدو من المؤكد أن تعقد المملكة المتحدة استفتاء بحلول سنة 2016 على البقاء في الاتحاد الأوروبي، علما بأن هناك إمكانية لحزب من أقصى اليسار في أسبانيا -مصمم كما في اليونان على الهروب من قسوة الإصلاح الاقتصادي- أن يفوز بالانتخابات العامة الإسبانية في الخريف القادم.

إن انعدام فعالية المؤسسات والهياكل الحالية في وجه التهديدات اليومية يهدد الآن شرعية الاتحاد الأوروبي، لأن مواطني أوروبا يدعون لحلول من الواضح أن الاتحاد الأوروبي غير قادر وإلى حد ما غير راغب بتوفيرها

من الممكن أن تنتهي الأحداث بشكل إيجابي، فتبقى المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وتختار أسبانيا الوضع القائم أو رؤية أكثر اعتدالا للتغيير مقارنة بالرؤية التي تبنتها الحكومة التي يقودها حزب سيريزا في اليونان، ولكن السيناريو الأسوأ لمستقبل الاتحاد الأوروبي -والذي أصبح الأكثر ترجيحا بشكل متزايد- هو خروج اليونان من منطقة اليورو وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وانتخابات إسبانية تكون نتائجها مشابهه للانتخابات اليونانية.

لو وقعت هذه العاصفة القوية فإن هذا سيثير شكوكا بوجود الاتحاد الأوروبي نفسه، لأن البلدان الأعضاء الأخرى قد تنظر في مستقبلها في مرحلة ما بعد الاتحاد الأوروبي، أو تبدأ بالتخطيط لتلك المرحلة.

إن جميع القوى المتشككة بأوروبا والقوى القومية في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي سوف تسعى جاهدة وبنجاح متزايد في جعل انسحاب بلدانها من الاتحاد الأوروبي قضية مركزية في النقاشات السياسية المحلية والحملات الانتخابية، أي بعبارة أخرى فإنه قد يتم تقويض حوالي ستين سنة من التكامل الأوروبي، كامل المشروع الأوروبي.

لا تحتاج أوروبا إلى المضي قدما في هذه الطريق، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار الفشل الحالي لقادة الاتحاد الأوروبي في الإقرار بالتحديات التي يواجهونها ومعالجتها، يبدو أن الافتراض أن ذلك يمكن أن يحصل يصبح أمرا واقعيا، فالمزج بين خروج اليونان وخروج بريطانيا وعواقب ذلك ليس فقط على استقرار منطقة اليورو بل أيضا على استمرار وجود الاتحاد الأوروبي، ربما يكون ذلك أكبر تهديد يواجه أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة.

إن الأزمة الداخلية الأوروبية تستعر في بيئة جيوسياسية غير مستقرة، وبالرغم من أن التهديدات الخارجية يمكن أن تعزز من التعاون الإستراتيجي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يمكن أن لا يكون كافيا من أجل الحفاظ على سلامة الاتحاد، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الجهود الروسية لتقسيم أوروبا عن طريق تقوية القوى القومية والمتشككة فيها، وتلك التي تكره الأجانب.

إن منع الاتحاد الأوروبي من التفكك سوف يتطلب أولا وأخيرا حلا إستراتيجيا للأزمة اليونانية، فاليونان بحاجة للمال والإصلاحات بسرعة وضمن منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي. إن حكومات أثينا وبروكسل وحتى برلين لا يمكن أن تتعايش مع اليونان كدولة فاشلة واقتصاد فاشل.

لو تم تجنب خروج اليونان، فإن التحدي الذي يشكله خروج بريطانيا سوف يكون أقل صعوبة بكثير، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المخاطر متساوية بشكل أكبر بين الاتحاد والمملكة المتحدة

إن استمرار لعبة البوكر بين الحكومة اليونانية والترويكا (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) تضر بجميع الأطراف المشاركة وخاصة أوروبا، وهذا يمكن أن ينتهي في نهاية المطاف فقط بتجديد حزمة الإنقاذ لليونان أو أن تغرق أوروبا في وضع كارثي.

لو تم تجنب خروج اليونان (والذي يجب أن يكون على قمة أولويات الاتحاد الأوروبي) فإن التحدي الذي يشكله خروج بريطانيا سوف يكون أقل صعوبة بكثير، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المخاطر متساوية بشكل أكبر بين الاتحاد والمملكة المتحدة. وفي واقع الأمر فإن المخاطر أكبر بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون نظرا لأنه من شبه المؤكد أن أسكتلندا لن تقبل بخروج بريطانيا من الاتحاد، مما يضع مستقبل المملكة المتحدة في خطر.

إذن، بالرغم من أن كاميرون قد وضع نفسه في حفرة حفرها بنفسه، فإنه يتوجب على الاتحاد الأوروبي أن يظهر بعض المرونة في مفاوضاته مع بريطانيا، في ما يتعلق بأسئلة لا تتعلق بالمبادئ الأساسية للاتحاد.

إن من الممكن أن يتم منح بريطانيا استثناءات من سياسات الاتحاد الأوروبي (مثل ما تتمتع به حاليا بالنسبة لليورو)، ويمكن أن يجد قادة الاتحاد الأوروبي صيغة تطمئن بريطانيا بالنسبة لتأثير منطقة اليورو على السوق الموحدة.

لو قام الاتحاد الأوروبي -بالإضافة إلى التعامل بشكل فعال مع مخاطر خروج بريطانيا واليونان من الاتحاد- بتقوية وحدته وتصميمه على التعامل مع الأزمة الأوكرانية ومواجهة روسيا الرجعية، فإن الاتحاد يكون بذلك قد نجح في صد التهديدات الوجودية، بل إن الاتحاد قد يخرج من اختباراته الحالية أقوى من أي وقت مضى. وهذا ليس السيناريو الأكثر ترجيحا ولكن قد يصبح كذلك لو قررت أوروبا -عاجلا لا آجلا- أنه يتوجب تجنب عواقب الفشل بأي ثمن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة