الصومال.. نجاح المقاومة هل يحبط الفتنة?   
الأحد 6/2/1430 هـ - الموافق 1/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:43 (مكة المكرمة)، 12:43 (غرينتش)
مهنا الحبيل


-غياب الصومال عن المشهد
-عوائق ما بعد النصر
-اللحظة الحرجة لسيادة الصومال
-بين التنازل وضرورات المشروع السياسي
-مشروعية الإطار السابق.. العبرة بالقدرة
-فرقاء المقاومة وضرورات الوحدة
-عودة الاحتلال الثانية ستكون أسوء

انتخاب زعيم التحالف الصومالي لإعادة تحرير الصومال شيخ شريف شيخ أحمد المُشكل أصلا من قيادات المحاكم الإسلامية وحلفائها قبل أن تنشق إلى مجموعتين بالأمس القريب, لا يمكن أن يؤخذ بصورة التفوق المطلق لمشروع المقاومة الصومالي ولكنه يحتاج بالضرورة إلى فترة للحكم عليه وهل يستطيع فريق شيخ شريف استيعاب حالة المعارضة وكذلك قدرته على احتواء من تحالف معه بعد ظهور هزيمة الاحتلال الإثيوبي المدعوم أميركيا وتحييدهم لمصلحة المشروع الإسلامي الوطني للصومال أم ينجح بعض الحلفاء المقربين من واشنطن بقلب الطاولة على مشروع التحرير؟

لذا فإن قراءتنا ستتركز على هذه القواعد في فهم المسار الأخير للمقاومة الصومالية وعلاقتها الداخلية وعلاقتها مع المحيط وقدرتها النهائية لإنجاح مشروع التحرير سياسيا.

"
مشهد انتصار المقاومة الصومالية الإسلامية تعرض إلى تجاذبين مركزيين غَيّب المتابعة الشاملة عنه، الأول الانشقاق الذي جرى بين مؤتمر أسمرا ومؤتمر جيبوتي، والثاني الحالة المضطرمة التي تعيشها مناطق الصراع الأخرى مع المشروع الإسرائيلي الأميركي
"

غياب الصومال عن المشهد
تعرض مشهد انتصار المقاومة الصومالية الإسلامية إلى تجاذبين مركزيين غَيّب المتابعة الشاملة عنه، الأول الانشقاق الذي جرى بين مؤتمر أسمرا ومؤتمر جيبوتي، والثاني الحالة المضطرمة التي تعيشها مناطق الصراع الأخرى مع المشروع الإسرائيلي الأميركي وخاصة في فلسطين المحتلة
.

هذا الغياب الإعلامي والسياسي على ضفة المسؤولية العربية والإسلامية للنخب والرأي العام، عزز حالة الانقسام باعتبار أن أضلاع الجانب الرسمي العربي المركزية كان قد راهن على التوافق مع خطة الاحتلال الإثيوبي المعتمدة أميركيا بدعم حكومة عبد الله يوسف، وهو ما سقط تماما بعد نجاح المقاومة في حصار القوات الإثيوبية والتفوق العسكري عليها، وحركة الاضطراب التي شهدها المشروع السياسي للاحتلال والتدخل الإقليمي والذي تزامن مع تورط واشنطن في ملفات عدة أدركت أديس أبابا حينها أن التسديد لخسارة هذه المعركة سيكون على حسابها ولن تستفيد في الحالة الراهنة من تطورات المشهد الدولي ولو بقي الدعم الإسرائيلي لخطة الحرب أو الدعم الأميركي المضطرب في خطتها الدولية.

عوائق ما بعد النصر
ورغم حجم التفوق والإنجاز لحركة المحاكم في مشروعها المقاوم والذي لا يزال قائما، فإن مشهد انتصار المقاومة انتهى إلى اضطراب المشروع السياسي للمقاومة وهو ما أثر تأثيرا بالغا عليه, وعزز ذلك نجاح خصوم إقليميين في تفريق صفها استغلالا لاجتهادات متباينة أو بداية جموح شخصي تعضده منطلقات فكرية لبعض تشكيلات المقاومة لا تؤمن في الأصل باستثمار هذا النصر الكبير، وحالة الاضطراب الدولي والإقليمي المعادية للمشروع الإسلامي والاستقلال العربي عبر بناء دولة حرة تعتمد التشريع الإسلامي لهويتها, والتي تبني الاستقلال بمراعاة حالة التدرج الطبيعية والفاعلة للوصول إلى البناء الوطني المستقل المُبشر بالمشروع الإسلامي دون ضجيج العاطفة أو تطوير الاستفزاز القاتل والدفع بالدولة الوليدة إلى سلسلة من الحروب حتى يستعيد التحالف الإقليمي الدولي قدراته بعد إنهاك الصومال الإسلامي المستقل، فيفرض مشروعه الذي أحبطته المقاومة دون خسائر مركزية.

المشروع السياسي للنصر
ومع أن المحاكم الإسلامية قد نجحت في السابق في احتواء اجتهاداتها المختلفة في إطار جماعي ينظم القرار ويخلص إلى رؤية محددة، فإن هذا الطرف -ولا نعرف ما حجمه على الميدان لكنه موجود عسكريا في فعل المقاومة- يجنح من خلال التصريحات الإعلامية إلى مفهوم الأرض المحروقة ليس لطرد الغزاة وحسب ولكن لفتح برنامج دون أي إطار محدد أو اعتراف بأي إدارة يشكلها فصيلا المقاومة في المحاكم الإسلامية ترسخ الوجود السياسي وتأمن الحالة الأمنية للمجتمع الصومالي وتبدأ الجهاد السياسي لترسيخ استقلال الصومال بمشروعه الإسلامي المحتوي للقوى الوطنية الأخرى والمُحيّد لأي طرف يمكنه أن يُعقّد الحالة الوطنية ويوسع دائرة التدخل الإقليمي المرعية دوليا على حساب أمن واستقرار الصومال.

اللحظة الحرجة لسيادة الصومال
"
تؤمّن حركة المشروع السياسي للمقاومة حالة من السلامة للشعب قائمة على الإيمان بولادة الوطن الصومالي العربي المستقل وتنميته سياسيا واقتصاديا خارج إطار الهيمنة على القرن الأفريقي، أي تحويل النصر إلى كسب وطني وإقليمي وعالمي للمشروع الإسلامي وليس أرضا محروقة
"
والخشية من تطور هذا الموقف الرافض أصلا لتثبيت أي مشروع إسلامي والاكتفاء بفتح الوطن المنهك لاستقبال أعداد من الشباب العربي يحمل عاطفة مخلصة لكن لا يدرك معنى الحالة الإقليمية وليس لديه وعي في ضرورات الفكر الإسلامي الشرعي وموازينه، فيُحول المشهد الصومالي المنتصر بعد مدة إلى ركام لا ندري إلى أين يساق.

وهذا ما يخالف مركزية حرب المقاومة وفكرة جهاد الشعوب الإسلامية وتحويلها عن مشروعها كحركة صعود تستفيد سياسيا من مشروعها المقاوم في تثبيت الاستقلال وبناء دول ذات تأثير تخرق حالة الاستعمار السياسي بمشروعها الوطني.

وفي نفس الوقت تؤمن حركة المشروع السياسي للمقاومة حالة من السلامة للشعب قائمة على الإيمان بولادة الوطن الصومالي العربي المستقل وتنميته سياسيا واقتصاديا خارج إطار الهيمنة على القرن الأفريقي، أي تحويل النصر إلى كسب وطني وإقليمي وعالمي للمشروع الإسلامي وليس أرضا محروقة لا يوجد لها سُلّم أولويات أو هدف إقليمي أو إستراتيجي, ثم تعود قوى الأعداء لتأكل من الوطن واستقراره وسيادته من خلال فوضى النزاع بين الأشقاء.

بين التنازل وضرورات المشروع السياسي
وما قصدناه في حديثنا يرتكز على ضمان المشروع السياسي المهم والضروري لكل حركة مقاومة وهو هنا مرجعية المحاكم الإسلامية وما تنشئه من تحالفات مع أطراف وطنية مُؤمَنّة من الاختراق, وبكل تأكيد تراعي التشكيل القبلي والسياسي وفقا للموازين الإسلامية الشرعية والمصالح المرسلة فيها.

ولكن هذا المشروع يجب أن يضمن أن التشكيل القائم أو القادم لتحقيق المشروع السياسي لديه قدرة من الاستقلال وفرض برنامجه بحيث لا يستطيع الخصم أن يُحول هذه المشاركة للبعض إلى احتواء تدريجي ينقلب فجأة لصالح قوى أخرى لا تؤمن بمشروع الشعب الصومالي الإسلامي القائم على ترسيخ الهوية والاستقلال.

وهي حسابات دقيقة لكنها تتعزز فرص نجاحها وقوتها كلما قويت الجبهة الداخلية وتعاضد الفرقاء في جناحي أسمرا وجيبوتي على رعاية المشروع, فيتحرك على الأرض صعودا واستقرارا ويواجه ما سيترتب على محاولة إجهاضه من الأطراف الدولية والعربية والإقليمية مستغلا حالة القلق والاضطراب التي يعيشها المجتمع الدولي في انتظار المجهول الأميركي وصراعاته الأخرى.

مشروعية الإطار السابق.. العبرة بالقدرة
ورغم بعض المناوشات للقوات الإثيوبية فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن انسحابها العسكري أصبح مشهودا بالجملة بغض النظر عن التفاصيل ويبقى تدخلها ونفوذها السياسي، وعليه فإن استثمار الإطار البرلماني السابق الذي أضيف له أعضاء التحالف (جناح جيبوتي) قبل أن يتم انتخاب الشيخ شريف من خلال هذا البرلمان الذي خضع لنفوذ حلفاء الاحتلال في بعض المراحل، سيتفهم من خلال أن الفراغ وسقوط هيكل الدولة كليا سينتهي إلى كوراث دموية وتصعيد الصراع لدى بعض الأوساط حتى خارج قوى المقاومة، وهي حالات تُقدر بحسب كل حالة مقاومة وقدرتها بالفعل على تأمين هذه المشاركة الضامنة للمشروع الإسلامي الذي اتحد الصوماليون في الدفاع عنه بعد الاجتياح الإثيوبي وسلامة الشعب.

لكن في الوقت ذاته يجب أن تكون هذه الآلية مُؤمنّة ومع بقاء القدرات العسكرية للمشروع السياسي للمقاومة في حالة رعاية وتأمين لضمان عدم اختطاف النصر ولتثبيت التامين السلمي لأبناء الشعب في دمائهم ومصالحهم, وإنهاء هذه اللحظة الانتقالية إلى خطة انتقالية أبعد عن دوائر النفوذ للاحتلال وقواه.

فرقاء المقاومة وضرورات الوحدة
"
تأمين الجبهة الداخلية والوصول إلى تفاهمات مشتركة بين جناحي المحاكم الإسلامية في جيبوتي وأسمرا ضرورة يجب أن تسعى لها ذاتيا وتدعمها النخب الإسلامية الفاعلة في الوطن العربي وفي الخليج خصوصا
"
وعلى ما تقدم فإن تأمين الجبهة الداخلية والوصول إلى تفاهمات مشتركة بين جناحي المحاكم الإسلامية في جيبوتي وأسمرا ضرورة يجب أن تسعى لها ذاتيا وتدعمها النخب الإسلامية الفاعلة في الوطن العربي وفي الخليج خصوصا لمرجعية بعض الأطراف الفكرية لعلمائه, وتتحرك هذه النخب في اتجاه توحيد الموقف أو الوصول إلى اتفاقية بين الطرفين تضمن أن يكون صراعهم سياسيا يؤطر بينهم لينتهي إلى من يثبت حجته ودليله وفقا لمصالح المشروع الإسلامي والشعب وليس على حساب دمائه أو التفريط في هويته.

وبلا شك أن ميادين الاجتهاد السياسي الشرعي تحتاج إلى مبادرات وحسابات أوسع من حمل السلاح وهي أيضا مزالق في بعضها الآخر، لكن تأمين القاعدة الشرعية بأصول الاجتهاد السياسي المنضبط الذي يحسب الخسائر والمكاسب وفقا للمبدأ الإسلامي والمصلحة الوطنية الشرعية سيؤمن المرحلة حين يرتفع المبدأ على النزعة الشخصية.

عودة الاحتلال الثانية ستكون أسوء
ولو أدرك الطرفان خاصة الطرف المصعد بالتهديد العسكري بالهجوم على قوات أشقائه وتأمل الواقع من حوله وأين يتربص الأعداء، لاكتشف أن أكبر هدية يمنحها الفرقاء إلى الاحتلال المندحر وغطائه الدولي هي إشعال الحرب الداخلية بين شركاء التحرير، وهو ما يؤمله العدو نصرا كبيرا وإستراتيجيا يفتح له الأبواب مجددا دون عناء أو خسائر.. والدماء التي ستنزف من أبناء الشعب لا من جنوده.

كلنا أمل أن تحبط مساعي الفتنة وأن تصل قيادات الفريقين إلى مشروع الإنقاذ الإسلامي المخلص للشعب بعد أن طُرد الغزاة وارتفعت راية الصومال الإسلامي المستقل الذي حين يستقر بمشروعه المختلف سيتجه القرن الأفريقي إلى حالة جديدة من النفوذ الأممي الإسلامي الصاعد للوطن العربي، فهل يتحقق الحلم أم ينهار ويستيقظ العرب على الحقيقة المرة؟ نرجو مخلصين أن يتحقق الخيار الأول.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة