رؤية في العلاقات الروسية الإيرانية   
السبت 1437/7/23 هـ - الموافق 30/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون


قاد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، إلى إعادة إنتاج واسعة لسياسة روسيا الخارجية، بدت فيه أقرب إلى هموم القوة الإقليمية، منها إلى طموحات الدولة العظمى.

هنا، بدا التركيز جليا على المحيط الجغرافي المباشر في آسيا الوسطى والقوقاز، ومنطقتي البلطيق والبحر الأسود. وكانت ولادة رابطة الدول المستقلة المنبثقة من فضاء الاتحاد السوفياتي، تعبيرا عن هذا المسار الجديد للسياسة الخارجية الروسية.

وبعد سنوات عشر، عادت روسيا اعتبارا من مطلع الألفية الثالثة لتأسيس حضور جديد، تطلعت فيه إلى مواقع تقليدية ومستجدة. كذلك بدت حرب القوقاز عام 2008 وقد دفعت باتجاه إعادة رسم جزئي لخيارات روسيا الخارجية، كما لمقاربة عقيدتها العسكرية، ورؤيتها الجيوسياسية. وفي إعادة الرسم هذه، بدت روسيا أكثر قربا لشقها الآسيوي، أو لنقل لرهانها الشرقي.

وقد تبدى ذلك في توجهها لتعزيز منظمة شنغهاي، وتعميق مضمونها الأمني، وكذلك الإعلان عن إعادة بناء منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وتحويلها إلى ما يشبه الحلف العسكري، وتجلى تأكيد التوجه الشرقي لروسيا -من ناحية ثالثة- في تعزيز حضورها العسكري في البحر الأبيض المتوسط، وخاصة في سوريا، حيث جرى تطوير منشأة طرطوس، وبعد ذلك التدخل المباشر في الأزمة السورية، وتأسيس وجود للقوة الجوية الروسية في اللاذقية، في تطور هو الأول لمقاربة الروس لدورهم في المنطقة.

عادت روسيا اعتبارا من مطلع الألفية الثالثة لتأسيس حضور جديد، تطلعت فيه إلى مواقع تقليدية ومستجدة؛ كذلك بدت حرب القوقاز عام 2008 وقد دفعت باتجاه إعادة رسم جزئي لخيارات روسيا الخارجية، كما لمقاربة عقيدتها العسكرية، ورؤيتها الجيوسياسية. وفي إعادة الرسم هذه، بدت روسيا أكثر قربا لشقها الآسيوي

على مستوى العلاقات الروسية الإيرانية، يمكن ملاحظة منظومة من التفاعلات التي فرضتها معطيات الجوار الجغرافي.

وتعتبر إيران دولة مجاورة لروسيا الراهنة، كما للاتحاد السوفياتي من قبل، بل ومنذ أن وصل القياصرة الروس إلى آسيا الوسطى.

والجغرافيا هي العنصر الثابت في التاريخ، وهي عامل تقارب بين الأمم والشعوب، بل هي إحدى أكثر العوامل قدرة على الدفع باتجاه هذا التقارب، وتعميق مبرراته، وجعله أكثر ضرورة وإلحاحا، وعلى الرغم من ذلك، فإن تاريخ إيران بالدولة الروسية، في مراحل تطورها المختلفة، لم يحمل مضمونا تعاونيا خالصا، بل خالطه قدر من التفاعلات الصراعية.

وقد كان من المحتمل أن يكرر الاتحاد السوفياتي مضمون الأهداف القيصرية في إيران، من حيث النظر إليها كبوابة للشرق، وطريق للمياه الدافئة، وجبهة خلفية لمواجهة نفوذ الغرب، وتأمين آسيا الوسطى.

كان من الممكن أن يحدث ذلك لو قُدر لروسيا السوفياتية تعزيز روابطها مع إيران في العقود السابقة للعام 1979؛ بيد أن الذي حدث هو العكس تماما، إذ نظرت إلى إيران الحليفة للغرب باعتبارها أحد أحزمة الطوق التي قصد منها محاصرة الاتحاد السوفياتي، ومنع انسياب نفوذه خارج إطاره الجغرافي، أو خارج كتلته الحليفة.

بعد العام 1979، انتهى نفوذ الغرب في إيران، إلا أن الاتحاد السوفياتي، ظل هو الآخر موضع ريب وشك في منظور السلطة الجديدة في طهران. وعلى الرغم من ذلك، فإن بداية ما يمكن اعتباره تحولا في مسار العلاقات الروسية الإيرانية قد حدث في نهاية العصر السوفياتي، وتحديدا بعد انتهاء حرب السنوات الثماني بين إيران والعراق.

واليوم، ثمة تغير في مضامين العلاقات الروسية الإيرانية، بل وفي موقعها من خارطة التحالفات الخارجية لكلا البلدين. في هذا التحول، تقلص المنظور الإيراني لروسيا كمصدر للسلاح، حيث اتجه الإيرانيون كذلك إلى الصين، وقاموا -في الوقت نفسه- بتوسيع إنتاجهم الحربي المحلي.

من جهة أخرى، بدت ملفات دولية جديدة وقد فرضت نفسها بقوة على هذه العلاقات، وفي مقدمة ذلك الملفان السوري والعراقي، إضافة للملف الأفغاني.

وعلى الرغم مما يُمكن اعتباره تفاوتا نسبيا في الرؤية، فإن الوضع السوري بات يُمثل أبرز ساحات التفاعل الإيراني الروسي في الساحة الدولية عامة، وهذا التفاعل يعكس نفسه على إجمالي المقاربة الدولية للأزمة السورية، بما في ذلك مستقبل التسوية السياسية المنشودة التي ترعاها الأمم المتحدة وتدعمها الويات المتحدة.

بعد العام 1979، انتهى نفوذ الغرب في إيران، إلا أن الاتحاد السوفياتي، ظل هو الآخر موضع ريب وشك في منظور السلطة الجديدة في طهران. ورغم ذلك، فإن بداية ما يمكن اعتباره تحولا في مسار العلاقات الروسية الإيرانية قد حدث في نهاية العصر السوفياتي، وتحديدا بعد انتهاء حرب  إيران والعراق

في آسيا الوسطى، تراجع منسوب التنافس الروسي الإيراني الذي طبع العقد التاسع من القرن العشرين، ويعود ذلك جزئيا إلى تطور الحضور الأميركي في المنطقة بعد الحرب على أفغانستان في العام 2001.

على مستوى العلاقات الثنائية، هناك تجارة ناشطة، كما يتواجد في إيران عدد من الشركات والمؤسسات الروسية، التجارية والاقتصادية، التي يُعد البعض منها من الشركات الكبرى لدى الروس، كما هو حال شركة غاز بروم، وهناك أيضا شركات التعدين والصلب، والسيارات، وصولا إلى بعض أفرع الصناعات العسكرية.

وكحال أية دولة كبرى، فإن حسابات روسيا الجيوسياسية بعيدة المدى ليست هي ذاتها خياراتها المتغيرة، أو أوراقها التفاوضية في اللعبة الدولية المفتوحة بطبعها.

وقبل أعوام قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: إن محاولة حشر إيران في الزاوية الضيقة "عبث لا طائل منه، فإيران ستجد المخرج في الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، وقطع العلاقات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتمضي في طريقها بلا حسيب أو رقيب". وحرص بوتين على مخاطبة الغرب مشددا أن لا خطرا إيرانيا وشيكا أو محتملا، وأن ليس ثمة بُعد عسكري في برنامج طهران النووي، وأن لا قدرة لصواريخها على تهديد أوروبا. وقد حرص على إظهار مواقفه هذه قبيل زيارته إلى طهران لحضور قمة دول بحر قزوين التي عقدت في أكتوبر/تشرين الأول 2007.

وقد كانت تلك أول زيارة لرئيس روسي لإيران منذ العام 1943، وقد سبقتها زيارة للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى موسكو، في ولاية بوتين الأولى عام 2001.

وقد ظل الروس متمسكون برؤيتهم الخاصة للملف النووي الإيراني، ولم يتأثر السياق العام للعلاقات الروسية الإيرانية بالمقاربة الدولية لهذا الملف.

وفي الرابع عشر من يوليو/تموز 2015، أبرمت إيران والقوى الكبرى اتفاقا تاريخيا في العاصمة النمساوية فيينا، هدف إلى ضمان سلمية برنامج إيران النووي. وقد نظر إلى هذا الاتفاق، ضمن أمور أخرى، على أنه قوة تعزيز لفرص العلاقات الإيرانية الروسية، كما الإيرانية الأميركية والغربية عامة.

وفي منتصف يناير/كانون الثاني من العام 2016 رفعت العقوبات الدولية التي فرضت على إيران على خلفية برنامجها النووي، وكان من نتيجة ذلك منح العلاقات الإيرانية الروسية -كما الإيرانية الأميركية- قوة دفع فعلية.

في هذا المناخ تحديدا، جاءت صفقة منظومة صواريخ (S-300PMU1 Favorit)، للدفاع الجوي متوسط المدى، والتي بدأ تنفيذها في أبريل/نيسان الجاري.

رغم ما يُمكن اعتباره تفاوتا نسبيا في الرؤية، فإن الوضع السوري بات يُمثل أبرز ساحات التفاعل الإيراني الروسي في الساحة الدولية عامة، وهذا التفاعل يعكس نفسه على إجمالي المقاربة الدولية للأزمة السورية، بما في ذلك مستقبل التسوية السياسية المنشودة التي ترعاها الأمم المتحدة وتدعمها الويات المتحدة

وكان من المقرر توقيع اتفاق الصفقة بصورته النهائية في مارس/آذار من العام 2006، بيد أن موسكو أوقفت المباحثات في يناير/كانون الثاني من العام ذاته، "لأسباب تتعلق بالملف النووي الإيراني". وفي 22 سبتمبر/أيلول 2010، أصدر الرئيس الروسي حينها، دميتري ميدفيديف، مرسوما حظر بموجبه تزويد إيران بهذه الصواريخ. وأعربت الولايات المتحدة عن استحسانها للقرار الروسي.

وإضافة للأبعاد السياسية، كانت هناك قيود فنية وعملية فرضت نفسها على قضية تزويد روسيا لإيران بهذه الصواريخ، فروسيا لا تملك كميات كبيرة منها، سيما وأنها تعهدت بتسليم عدد منها إلى بيلاروسيا، كما أبرمت اتفاقا مماثلا مع تركيا. وتمكنت روسيا من تصدير المزيد من هذه الصواريخ بعد أن أدخلت إلى الخدمة في جيشها منظومات إضافية من (SA-21) و(S-400 Triumf).

وكانت إيران قد وقعت -من جهة أخرى- مع روسيا، في نهاية العام 2005، اتفاقية تقضي بشراء 29 وحدة من منظومات الدفاع الجوي قريب المدى، من طراز (Tor M- 1)، وقام الروس بتزويد طهران بهذه المنظومات اعتبارا من أوائل العام 2007.

وقد جاء رد فعل الولايات المتحدة على تزويد إيران صواريخ (Tor M- 1) متسما بالاعتدال، لأن مدى هذه الصواريخ لا يزيد على 12 كلم، كما أنها لا تصيب الأهداف الجوية على ارتفاع يزيد على ستة كيلومترات، أي أنها تستطيع التصدي لما تطلقه الطائرة المهاجمة من صواريخ وقنابل موجهة، لكنها لا تستهدف الطائرة نفسها. وبالطبع، فإن الأمر يختلف مبدئيا بالنسبة لصواريخ (S-300PMU1)، وقد رأى العسكريون الأميركيون أن صفقة صواريخ (S-300PMU1) يُمكن أن تعكس نفسها على الحضور العسكري الأميركي في الخليج.

في الصورة المقابلة، هناك إدراك عام لتحسن العلاقات الإيرانية الأميركية من شأنه أن يعيد إنتاج بعض مضامين علاقات روسيا مع طهران، بل وحتى سياقها الجيوسياسي.

خلاصة، إن العلاقات الروسية الإيرانية قد فرضتها ضرورات الجغرافيا، وتحولات التاريخ، وهي تُمثل حاجة جيوسياسية للبلدين. وإن أمن الخليج يتأثر بالضرورة بهذه العلاقات، التي تتأثر بدورها بتطور المقاربة الأميركية لهذا الأمن، وزيادة فرص الالتقاء الإيراني الأميركي. أو هكذا يُمكن للمحل أن يفترض على نحو مبدئي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة