كفاية.. للتشتت الشعبي العربي   
الخميس 1426/4/18 هـ - الموافق 26/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:16 (مكة المكرمة)، 10:16 (غرينتش)
        



















في حين تنتشر مبادرات ودعوات الإصلاح السياسي الشعبية في العالم العربي, بحيث تفيض وتغرق الشوارع بجموع المطالبين بها, أو تتخم بهم السجون والمعتقلات لمنع نزولهم للشوارع.. تنشط الحكومات غير الديمقراطية في زعم طرح مبادرات إصلاح, وتهدر المزيد من موارد الشعوب المنهوبة على أنشطة دعائية, يتعاون على ترويجها الإعلام العربي الرسمي, كون الإعلام العالمي لا يعطيهم, أو يبيعهم بالأحرى, سوى الهوامش!!

كل هذا والقيادات الشعبية العربية لا ترى ضرورات التنسيق العربي لخلق جبهة إصلاح موحدة في مواجهة أنظمة مستنسخة عن بعضها البعض, بغاياتها ووسائلها وادق تفاصيل ممارساتها.

"
ما يجمع الشارع العربي أكبر بكثير مما يجمع الأنظمة والحكومات العربية,  فالأخيرة تكيد لبعضها عند الأعداء والأوصياء, أما الشعوب وقياداتها الحقيقية فلا تتحرج من إعلان دعمها لمطالب الشعوب الشقيقة وإدانتها لممارسات حكوماتها
"
والغريب أن ما يجمع الشارع العربي أكبر بكثير مما يجمع الأنظمة والحكومات العربية. فالأخيرة, خارج مشروع اضطهادنا ونهينا, لا تتفق على شيء!! بل هي تكيد لبعضها عند الأعداء والأوصياء المتبوعين.. شكراً لوزير خارجية قطر على شهادته التي لم يجرؤ أحد من زملائه على لومه عليها, أو حتى الاستفسار عنها, في حرصهم على أن يبقوا جميعاً في دائرة "غير المعنيين" بها!!

أما الشعوب وقياداتها الحقيقية, فهي لا تنكر أنها معنية بمجمل الشأن القومي وتفاصيله, ولا تتحرج من إعلان دعمها لمطالب الشعوب الشقيقة وإدانتها لممارسات حكوماتها. ولكن الأمر, على صراحته وصدقه وجرأته, يبقى في إطار "غضبة الحق" التي يفترض أنها صاغت أهم سياسات عمر بن الخطاب, أو في إطار النخوة العربية التي تجدها أية سيدة تثقب إطارات سيارتها أو حتى سائح يضيع طريقه في أرضنا.

ولا يستتبع واجب النخوة استمرار الاتصال والتواصل, بل إن العودة للتواصل هنا هي إثقال مذموم.. ولكن واقع الحال يقول إننا سنبقى في أرضنا نحن "ولايا" (كلمة أردنية تعني "النساء" الأرجح أنها أخذت من الموالي, أي الأتباع أو العبيد) و "أغرابا" انقطعت بهم السبل, ما لم نمأسس تلك النخوة وحتى غضبة الحق تلك, في برنامج عملي "لتمكين" الشعوب العربية, بدل الانجرار وراء البدائل الهزلية للإصلاح والدمقرطة التي اختصرت في "تمكين النساء"!!

ودليل أننا نملك أجندة شعبية عربية واحدة, لا نفتعلها أو نركب موجة مطالب غيرنا حين تنضج, أو حين تشتعل (كما في مصر مثلاً) أن للقوى الوطنية الأردنية برنامجا إصلاحيا شاملا متكاملا, الأرجح أن العالم العربي لا يعرف عنه شيئاً نتيجة جهود الحكومات الأردنية الأخيرة في إخفائه, بينما هي تتجمل بين الحين والآخر بانتحال بعض سماته بعد إفراغها من محتواها الإصلاحي.

ولمن لا يعرف, فلبرنامجنا هذا تعود فكرة "الحوار الوطني" الذي اعتاشت عليه الحكومة الراحلة بعد أن حولته لكلام لم ينتج سوى كسب وقت مجاني للحكومة (حسب شهادة الصحافة الحزبية وما تسمى بالمستقلة)!!

ولبرنامجنا ذاته تعود بعض معالم قانون الانتخاب المؤقت الذي أصدرته الحكومة السابقة عليها, حكومة أبو الراغب (كنت أدخلتها البرنامج الإصلاحي منسوخة عن قانون انتخاب سبق وقدمته للمجلس النيابي الذي كنت عضوة فيه, موقعاً من سبعة وعشرين زميل آخر, لم يكن أبو الراغب منهم) بعد أن مسختها بإجراءات مرفقة, ثم أرفقتها بمواد غير دستورية وغير مسبوقة في أي قانون سابق (انظر مرافعة المحامي الدكتور محمد الحموري أمام محكمة العدل العليا والتي تقع في حجم كتاب سيصدر قريباُ) على ضوء ما سبق, وكلها كانت قوانين مؤقتة من وضع الحكومات!!

برنامجنا الإصلاحي هذا سبق إعلانه كل المبادرات والمطالبات الإصلاحية التي أصبحت موضوع الساعة الأسخن عربياً ودولياً فيما يتعلق بالتغيرات الحاصلة أو المطلوبة في العالم العربي, وهو سابق حتى على مشروع أميركا وأوروبا الذي استتبع غالبية ردود الفعل هذه.

فمشروعنا أعلناه قبل حوالي ست سنوات ونصف السنة, وبالتحديد يوم 8 فبراير/شباط عام 1999, أي فور تولي الملك عبد الله العرش. ولكن المشروع في الحقيقة كان قيد الوضع أثناء النزع الأخير للملك الراحل, وحتى قبل أن يتبين لمن سيورث العرش!! فقد بدأت صياغته أواخرعام 98, وكان إعلاناً لبرنامج من الشعب وللشعب, وليس مطالب لحاكم نعرف من هو لنتوقع منه غير ما كان قبل عهده.

وهذا العمل خارج ظلال السلطة السياسية هو مما يجعله خالصاً لوجه الإصلاح وبعيدا عن أية مصالح أو مغانم تقوم على موالاة أو استرضاء لأي كان.. فتلك تركناها للوصوليين الذين يصفقون لكل عهد, سواء جاء سلماً أو على أشلاء ما سبقه, مما جعل الإنقلابات أكثر مشاريع العالم العربي السياسية نجاحاً. ولكننا لم نكن انقلابيين يسعون للسلطة, بل كنا وما زلنا إصلاحيين ميمّمين وجوهنا شطر الشعب وليس شطر الكراسي.

أما برنامجنا الذي توافقنا علية بسهولة وبداهة بعد ثلاثة اجتماعات بمن حضر من القيادات الوطنية, موكلاً بثقة كاملة من كل من دعي ولم يتمكن من الحضور لضيق الوقت وأهميته, فهو يتضمن كل ما ترفعه الآن جماهير الشعب في العديد من العواصم العربية.

"
برنامجنا الذي توافقنا عليه بسهولة وبداهة في الأردن بعد ثلاثة اجتماعات بمن حضر من القيادات الوطنية, موكلاً بثقة كاملة من كل من دعي ولم يتمكن من الحضور, فهو يتضمن كل ما ترفعه الآن جماهير الشعب في العديد من العواصم العربية
"
فمطالب إخوتنا المصريين بتطبيق الدستور وأحكام القضاء المبنية عليه في مواجهتهم لأكثر من مخالفة سياسية سابقة, ومطالبتهم في نفس الوقت إعادة النظر في الدستور ذاته وتعديله بما يتيح تداول السلطة بين القوى المنتخبة من الشعب, مطلب طرحناه من قبلهم (كنت أول من طرحه في برنامجي الإنتخابي) ولكننا كنا نؤجل مجمل مطالبنا الإصلاحية التي نضجت, احتراماً لهيبة الموت الذي بقي بين يديه, مطولاً, الملك الراحل, ولم نأت بها كرد فعل على أزمة داخلية أو ضغط أو تدخل خارجي.

وكإخوتنا في مصر, طالبنا بتطبيق الدستور ورفع الحجر عن كل الحقوق التي ضمنها للشعب والتي صادرتها القوانين والإجراءات غير الدستورية. ولكننا زدنا بأن عدّدنا هذه القوانين والإجراءات وحددنا نقاط الخلل فيها, ولكن دون حصر لها يمكن أن يتم التذرع به لتبرير تجاوزات أخرى, ومنها -كما في مصر- قوانين الطوارئ والمطبوعات والاجتماعات العامة والأحزاب والانتخاب والإشراف على الانتخابات، طالبنا أن يكون للقضاء, كما فعل إخوتنا في مصر.

ولكننا أدرجنا القوى السياسية معهم كما فعلت حكومتهم (لم تكن في النص الذي أعددته, ولكننا أضفناه بطلب من أحزاب المعارضة, وقبلت بقرارالأغلبية عملاً بالديمقراطية). وبغض النظرعن أي الرأيين أصوب, فإن هذه أولى النقاط التي توضح أهمية التواصل وتجميع جهود وخبرات الشعوب العربية.

وطالبنا, مثل إخوتنا المصريين, بتعديل الدستور أيضاً بما يعالج:
أولاً تحقيق تداول السلطة, في ظل قصور بعض النصوص في الدستوربن, على اختلافهما. لهذا جاء الطلب المصري بإلغاء النص على الاستفتاء على مرشح واحد, وجعل الأمر انتخابا مباشراً بين عدة مرشحين لرئاسة الجمهورية.

أما بالنسبة لنا, فتمثل الطلب بتعديل يتيح انتخاب رئيس الحكومة انتخاباً حراً ومباشراً, لنصبح بالفعل ملكية دستورية, كما يهدف دستورنا في أحكامه الرئيسية (منها المادة الأولى التي تنص على أن "الحكم نيابي ملكي وراثي" ومواد أخرى تعزز هذا المبدأ) ولكن يضيع الأمر عند التطبيق بين مواد متناثرة يُساء تطبيقها وتفسيرها وحتى القفز عنها وما بينها إن لزم لبقاء الحكومة مسيطرة.

وبانتخاب رئيس الحكومة يستقر الحكم وتصان حصانة الملك مما يلحق بها نتيجة اختباء الحكومة وراء العرش وتحميله وزر سياسات ينص الدستور على أن الحكومة هي التي تحاسب عليها, ولو جاءت بأوامر خطية أو شفهية من الملك.

وثانياً, نعالج مثالب تغوّل السلطة التنفيذية على حقوق الشعب, بطلب العودة عن كافة التعديلات التي أدخلت على الدستور الأردني زمن الأحكام العرفية وبالتعذر بموافقة مجالس نيابية محلولة فاقدة للشرعية, بما فيها تعديلات أدت إلى إعطاء الحكومة الحق في تعليق الحياة النيابية إلى أجل غير مسمى, مما يخالف كل أحكام الدستور الأخرى الرئيسية وذات العلاقة.

ولضمان عدم تكرار ممارسات الماضي من تغول السلطة التنفيذية على التشريعية, طالبنا أيضاً بالحد من عدد ودور مجلس الأعيان المعين مقابل الأعيان النتخبين (قد يكون لإخوتنا في مصر ملاحظات فيما يتعلق بمجلسي الشورى والشعب).

وفي ذات السياق طالبنا بتعديل المادة التي تجيز للحكومة إصدار قوانين مؤقتة في غياب البرلمان, وذلك "بوضع تعريف دقيق وصارم للتدابير التي لا تحتمل التأجيل والتي تبرر إصدار تلك لقوانين".. وهذه تقابلها حالة الطوارئ المعمول بها في مصر دونما مبرر.

وشبه استفراد الحكومة بالتشريع يتمثل عند كلينا بسيطرة الحكومات/الحزب الحاكم (تتغير الأسماء ولكن تبقى السلطة ضمن فئة بعينها عندهم كما عندنا) على المجلس التشريعي عبر انتخابات مثلومة. ولهذا تتماثل مطالبنا, في مصر والأردن والعالم العربي بأسره في هذا المضمار, وتتلخص بإجراء انتخابات حرة نزيهة بإشراف القضاء, مع تحريره من هيمنة السلطة التنفيذية.

"
لابد من تلاحم التجارب العربية وتوحيد جهود الإصلاحيين "الشعبيين" فقد نتوصل معاً لإنشاء محكمة دستورية عربية, وبذلك ننهي كافة التجاوزات على الدساتير تحت أية مسميات وبأية وسائل
"

ولكن الميزة التي تمتعت بها مصر مؤخراً هي موقف القضاة التاريخي مع الشعب في مطالبه, وهو ما لم يرق له أي جسم قضائي آخر في العالم العربي بعد. وبديله الحتمي, لحين تحققه, يكون "بإصلاح القضاء" وتخليصه من آثار تدخل السلطة التنفيذية فيه, وهو ما طالبنا به في برنامجنا الإصلاحي ذاك.

ولضمان مكافحة الفساد الذي يشكو منه إخوتنا المصريين أيضاً.. وإن بتنا نأمل, ربما عبر تنسيق جهودنا العربية للإصلاح, أن يقتدي قضاؤنا بالنموذج المصري المشرف سياسياً, بعد أن كان أيضاً قدوة ومرجعية في الفقه والأحكام لعراقته وكفاءته ولكون مصادر التشريع في بلدينا واحدة وتكاد تكون متطابقة.

ولأن العلة لا تكون في الدستور بقدر ما تكون في تطبيقه (أو بالأحرى عدم تطبيقه) وهو ما أكده تقرير التنمية البشرية في العالم العربي الذي أصدرته الأمم المتحدة , فإن أحكام وسلطة محكمة النقض في مصر لم توقفا التجاوزات على الدستورعملياً.

ودون الدخول في التوظيف السياسي لدور المجلس العالي في تفسير دستورنا, فإن محكمة العدل العليا عندنا حكمت مراراً "بعدم اختصاصها" في طعون بدستورية قوانين مؤقتة, رغم أن صلاحياتها تشمل صراحة "النظر في دستورية القوانين المؤقتة".. لهذا فإن مطالبتنا بتعديل الدستور "لإنشاء محكمة دستورية" في ضوء تقييمنا للتجربة المصرية, قد لا تؤتي أية نتائج لم تأت بها محكمة النقض المصرية.

وهذا يؤكد أهمية تلاحم التجارب العربية وضرورة توحيد جهود الإصلاحيين "الشعبيين" فقد نتوصل معاً لإنشاء محكمة دستورية عربية، وبذلك ننهي كافة التجاوزات على الدساتير تحت أية مسميات وبأية وسائل.

فالدستور علم وليس "وجهة نظر". ورفع سوية المرجعية العلمية من القٌطرية إلى ما هو أوسع يضمن قدراً أكبر بكثير من العدالة. ودليلنا الأحكام التي تصدرعن محكمة العدل الدولية, وهي هيئة علماء, مقارنة بأحكام تصدر عن هيئة سياسية دولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن!!

هذه عينات من الهموم العربية المشتركة, ومن تشابه برامج إصلاحها, كما أنها أمثلة فقط للدلالة على جدوى التنسيق وتوحيد الجهود وأثره "التقني" على مطالبنا, ناهيك عن الأثر السياسي حين نرفع صوتنا معاً من الخليج إلى المحيط.. ذلك حتماً سيكون صوتا ثائراً هادراً أكثر من كل الخلجان والمحيطات, ولا يمكن للحكام العرب أو للعالم أجمع إغفاله!!
ــــــــــــــــــ
كاتبة أردنية                                                   
    

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة