"طالبان" نيجيريا وإشكالية الديني والسياسي   
الخميس 8/8/1430 هـ - الموافق 30/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 18:21 (مكة المكرمة)، 15:21 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن


الأسباب المباشرة
الأسباب غير المباشرة
احتمالات المستقبل

يبدو أن نيجيريا التي يثقل كاهلها مشاكل الفقر والبطالة والعنف المسلح والفساد كانت على موعد مع نمط آخر من التوترات والاحتجاجات الدامية. إذ تمكنت مجموعات من الشباب المسلحين الذين يتبنون نفس منهج وفكر "طالبان" من أخذ قوات الشرطة على غرة، والدخول معهم في مصادمات أوقعت العديد من القتلى في صفوف الجانبين .

وتنذر هذه المواجهات التي قادها أعضاء جماعة "بوكو حرام" Boko Haram في عدد من الولايات الشمالية، بأن نيجيريا مقبلة بلا شك على مرحلة جديدة من العصيان الديني والاجتماعي.

فما هي الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي تقف وراء هذه الموجة المختلفة من العنف الديني؟ وما هي دلالات وتأثيرات ذلك على مستقبل الدولة الوطنية في نيجيريا؟ وهل يخرج ذلك التأثير ليمتد عبر دول الجوار الأفريقية؟ وربما يمكن الحديث في هذه الحالة عن "أفرقة" ظاهرة طالبان بما يعنيه ذلك أن ينحى الخطاب الاسلامي في أفريقيا منحى سلفياً محافظاً ومعادياً لمؤسسات الدولة المدنية الحديثة!

الأسباب المباشرة
ترجع حركة العصيان الديني التي شهدتها ولايات بوتشي وكانو ويوبي وبورنو في الشمال النيجيري إلى قيام السلطات المحلية في بوتشى باعتقال بعض قادة حركة "بوكو حرام"، ومن المعروف أن هذه الحركة التي تعنى بلغة الهوسا تحريم التعليم الغربي، قد ظهرت إلى الوجود عام 2002 وتزعمها الأستاذ محمود يوسف.

ونظراً لعدم وجود معلومات كافية عن الحركة وأهدافها فقد لجأت بعض التقارير والتحليلات إلى إطلاق تسميات عدة عليها، مثل طالبان نيجيريا أو جماعة الهجرة أو أهل السنة والجماعة. ولعل هذه التسميات تعكس في جوهرها إشكاية المشابهة بين ما يحدث في شمال نيجيريا وبين نماذج أخرى مثل طالبان أفغانستان أو الشباب المجاهدين في الصومال.

وعلى أية حال فإن الجماعة استطاعت أن تستقطب معظم أعضائها من الشباب المتعلم، الذين ينتسبون إلى أسر عريقة من حيث مكانتها الاجتماعية وثقافتها الإسلامية الواسعة.

"
ترمي جماعة بوكو حرام إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بصورة صحيحة وإقامة مجتمع إسلامي خالص في شمال نيجيريا بالاضافة إلى تحريم التعليم الغربي
"
وترمي جماعة بوكو حرام إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بصورة صحيحة وإقامة مجتمع إسلامي خالص في شمال نيجيريا، بالاضافة إلى تحريم التعليم الغربي. وطبقاً لرواية أحد قادة الحركة عام 2005 السيد أمينو تاشين ليني، فإنهم يسعون إلى إقامة حكومة إسلامية على نمط الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وذلك من خلال استخدام أدوات العصيان المسلح وتطهير المجتمع من مظاهر الكفر والفجور.

ويرى أفراد الجماعة أن المجتمع النيجيري غارق في الفساد الأخلاقي والسياسي، وعليه فإن أفضل شيء للمسلم المتدين هو الهجرة من مجتمع الخطايا والفساد إلى مكان يمكن أن تتحقق فيه العدالة الإسلامية، والحصول على الرزق الحلال. ولذلك أطلق البعض عليهم اسم جماعة الهجرة.

ويبدو أن هذه الأهداف النبيلة لم تثر للوهلة الأولى أي إنذار أو مخاوف عندما هاجر أعضاء الجماعة من مايدوجوري Maiduguri إلى المنطقة المحيطة بمدينة كاناما Kanamma في ولاية يوبى من أجل"العيش في سلام والانشغال في الدراسة وأعمال الزراعة"، وهو ما يعني تحرير أنفسهم من عبء التعامل مع المجتمع النيجيري المذنب.

ومن اللافت للنظر أن الجماعة بعد هجرتها إلى كاناما أسست قاعدة لها قرب الحدود مع النيجر، وأطلقت عليها اسم أفغانستان.

ولعل أحد مكامن الخطورة في هذا التطور الذي شهدته الساحة النيجيرية هو وجود جماعات راديكالية أخرى تؤمن بإقامة الدولة الاسلامية عن طريق الثورة والعنف المسلح. ونعنى بذلك حركة إخوان نيجيريا بزعامة الدكتور إبراهيم الزكزاكي.

الأسباب غير المباشرة
يمكن القول بأن وضع حركة العصيان المسلح لجماعة بوكو حرام في إطارها النيجيري العام يطرح جملة من القضايا والعوامل التي من خلالها يمكن تقديم رؤية أكثر شمولية وعمقاً للتفسير والتنبؤ. ومن ذلك:

1- إشكالية الديني والسياسي: إذ يمكن النظر إلى نيجيريا باعتبارها نموذجاً مصغراً للواقع الأفريقي العام، وما ينطوي عليه من تعدد في الأديان والأعراق والثقافات. وطبقاً لبعض التقديرات الحديثة، يبلغ تعداد البلاد نحو 140 مليوناً نصفهم من المسلمين ونحو 40% من المسيحيين، في حين لا يزال نحو 10% يؤمنون بالديانات التقليدية.

وقد أضحى الخطاب الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي بعد الاستقلال أحد أدوات التعبئة والتنافس على السلطة، وهو ما أضفى على علاقة الدين بالسياسة طابع التعقيد والتشابك الشديد في ظل الانقسام الحاد الذي تطرحه الخبرة النيجيرية.

"
الموروث الفكري والحركي للتقاليد السلفية في الشمال النيجيري وبعض دول الجوار في الغرب الأفريقي كان له ولا شك تأثير بالغ علي خطاب بعض حركات الاحتجاج الإسلامي الراهنة في نيجيريا
"
ومن الملاحظ أن ثلث الولايات النيجيرية الـ36 قد أقرت وطبقت الشريعة الإسلامية في العقد الماضي، وعليه فإن مطالبة بوكو حرام بتوسيع نطاق تطبيق الشريعة ما هو إلا صرخة احتجاج ضد منظومة القيم السائدة والتي تعكس واقعا إثنيا منقسما.

2- تأثير الخطاب السلفي المعاصر: يمكن أن نجد بعض التأثيرات الفكرية والحركية لما تشهده الساحة النيجيرية اليوم في تقاليد خطاب الشيخ أبو بكر جومى الذي شغل منصب كبير القضاة في الشمال النيجيري، وحركته الدينية التي أسسها في السبعينيات وهي جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة.

ومن اللافت للنظر أن هذه الجماعات دخلت في صدام ومواجهات فكرية مع الطرق الصوفية التي تعد أبرز مكونات النسيج الديني للمجتمع المسلم في نيجيريا. وعليه فإن هذا الموروث الفكري والحركي للتقاليد السلفية في الشمال النيجيري وبعض دول الجوار في الغرب الأفريقي كان له ولا شك تأثير بالغ علي خطاب بعض حركات الاحتجاج الإسلامي الراهنة في نيجيريا. وربما يفسر ذلك لجوء البعض إلى إطلاق اسم أهل السنة والجماعة على حركة بوكو حرام.

3- فساد مؤسسات الدولة النيجيرية. لقد أضحت الدولة النيجيرية التي عانت من تدخلات العسكر في السياسة واستغلال الوظيفة العامة لتحقيق التراكم الرأسمالي، أقرب إلى نموذج الدولة الفاشلة. فالدولة رغم ثروتها النفطية الهائلة تعاني من انتشار الفقر والبطالة وسوء توزيع الثروة. وقد دفع ذلك بالبعض إلى حمل السلاح والدخول في مواجهة عنيفة مع السلطة الحاكمة. ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى جماعات المعارضة المسلحة في دلتا النيجر الغنية بالنفط.

ويلاحظ المشاهد لأي مدينة نيجيرية من تلك المدن التي وقعت فيها أعمال العنف أعداد خريجي المدارس الثانوية والجامعات العاطلين عن العمل والذين يتسكعون في الطرقات. وفي المقابل فإن ثمة أقلية متميزة تتباهى بمظاهر الثراء الفاحش حيث تمتلك السيارات الفارهة والبيوت المنيفة. وباختصار فإن المجتمع المحلي في نيجيريا يفتقد القيادة الوطنية الصالحة والتي تمتلك رؤية للمستقبل.

4- المؤثرات الخارجية: لا شك أن بروز بعض نماذج الإسلام السياسي المعادية للغرب ولمؤسسات الدولة المدنية الحديثة والمطالبة بتأسيس دولة الإمارة الإسلامية وفقاً لرؤية إسلامية معينة مثل نموذج طالبان والشباب المجاهدين، قد ألهم عدداً كبيراً من الشباب النيجيريين الذين عبروا عن استيائهم من واقعهم المعاش بالانخراط في حركات العصيان الديني.

لم يكن بمستغرب إذن أن يجد خطاب تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن أو خطاب طالبان آذاناً صاغية من قبل شباب كثر في الشمال النيجيري.

وصفوة القول أن جذور حركة العصيان المسلح التي قام بها شباب بوكو حرام في شمال نيجيريا، ترجع إلى الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده المجتمع النيجيري منذ الاستقلال.

احتمالات المستقبل
إذا كان الرئيس النيجيري عمر يار عودة قد أمر قواته بتعقب أفراد العصيان الديني والتخلص من تهديدهم، فإن ذلك الحل الأمني لن يفلح في القضاء على خطر هذه الجماعات الإسلامية الراديكالية.

فحركة بوكو حرام هي في جوهرها تعبير احتجاجي من قبل الشباب النيجيري على سوء وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها نيجيريا منذ الاستقلال. يعني ذلك أن عدم الاستقرار السياسي وسيادة نمط العنف المسلح في نيجيريا، مرتبطان بفشل الدولة الوطنية في تنفيذ برامجها التنموية والإصلاحية.

وربما يشير البعض إلى الفساد وسوء الإدارة كأحد عوامل انتشار الفقر في نيجيريا التي تعد ثامن أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم. ومنذ عشر سنوات خلت تنفس النيجيريون الصعداء بعد التخلص من حكم العسكر والانتقال إلى الحكم المدني، حيث اعتقدوا بأنهم إزاء مرحلة جديدة تتسم بالمساءلة والشفافية.

"
من الممكن أن تتحول نيجيريا إلى مسرح أفريقي آخر تنتشر فيه أعمال الفوضى والعنف المسلح وعندئذ يصبح الحديث عن الدراما النيجيرية الجديدة أمرا لا مفر منه
"
بيد أن كلا من الرئيس السابق أولسيغون أوباسنجو والحالي عمر يار عوده لهما ارتباطات قوية بالمؤسسة العسكرية، وهو ما أدى إلى تقويض الآمال الخاصة بالتخلص من ثقافة الاستبداد في المجتمع النيجيري.

يدفع ذلك كله إلى القول بإمكانية أن تتحول نيجيريا إلى مسرح أفريقي آخر تنتشر فيه أعمال الفوضى والعنف المسلح، عندئذ يصبح الحديث عن الدراما النيجيرية الجديدة أمرا لا مفر منه. لكن تبقى انعكاسات تردي الأوضاع في نيجيريا على جوارها الجغرافي في الغرب الأفريقي الذي يتميز بوجود أغلبية مسلمة، وبوجود بعض ملامح تشابه مع الفشل النيجيري.

فهل يمكن الحديث عن تأثير العدوى ومن ثم انتقال نموذج طالبان نيجيريا إلى دول أخرى مثل النيجر وتشاد. ربما يعزز من ذلك القول بوجود بعض المواطنين التشاديين ضمن صفوف حركة بوكو حرام.

وعلى أية حال فإن بعض التقارير والتحليلات تقف عند مظاهر الحدث، وتحصر نفسها في إطار التسميات والمشابهات مثل التحذير من مخاطر طالبان وتنظيم القاعدة أفريقياً.

بيد أن الرؤية الصحيحة -كما أسلفنا القول- تضع هذه الظاهرة الدينية في سياقها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العام في نيجيريا. إننا وبإيجاز شديد أمام أحد تجليات فشل مشروع الدولة الوطنية في نيجيريا وكثير من مناطق أفريقيا بعد الاستقلال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة