ممانعة السياسات الأميركية.. مقارنة بين مرحلتين   
الثلاثاء 1426/4/9 هـ - الموافق 17/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)

 

منير شفيق

 

ما كان للبرازيل أن تبادر إلى دعوة القادة العرب لعقد مؤتمر قمة أميركي لاتيني عربي، لولا أمر سبقه تحرك ناجح على مستوى القارة الأميركية الجنوبية من أجل تشكيل محور قوي لوقف الشعور الذي نجم عن العولمة وعن التكيف مع الضغوط الأميركية خلال التسعينيات من القرن العشرين.

 

فخلال السنوات الثلاث الماضية أخذت القارة الأميركية اللاتينية تتحرك لتحقيق وحدتها الاقتصادية مستعيدة تراث "بوليفار" رمز وحدة القارة.

 

وعلى الرغم من الضغوط الأميركية التي وصلت في فنزويلا إلى حد الانقلاب العسكري ضد الديمقراطية التي جاءت بالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، تم إنفاق مئات الملايين من الدولارات واستخدام أساليب الانتفاض الشعبي ضده إلا أنه بالصمود والتحدي واللجوء إلى الشعب لاسيما الفقراء الذين سحقتهم سياسات العولمة، استطاع شافيز الانتصار من خلال إعادة الاستفتاء الذي استهدف إسقاطه من رئاسة الجمهورية قبل نهاية ولايته.

 

المراد إثباته هنا أن نموا ملحوظا في مستوى التحدي للسياسات الأميركية حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، على الضد من معادلة ما حدث خلال تسعينيات القرن العشرين في بلدان أميركا اللاتينية أي في عقر دار الولايات المتحدة، ويبدو أن الحبل على الجرار في هذا الاتجاه.

 
"
من يدقق في علاقات الإدارة الأميركية خلال التسعينيات الآفلة بأوروبا مع نظيرتها في الثلاث سنوات الأخيرة، يلحظ تدهورا في تلك العلاقات بلغ مستوى غير مسبوق
"

ومن يدقق في علاقات الإدارة الأميركية خلال التسعينيات الآفلة بأوروبا مع نظيرتها في الثلاث سنوات الأخيرة، يلحظ  تدهورا في تلك العلاقات بلغ مستوى غير مسبوق من منتصف 2002 حتى 2005 تقريبا، وإن جرت محاولات لإنقاذها خلال الشهرين الماضيين فقط.

 

ففي السنوات الثلاث المذكورة خطت أوروبا خطوة كبيرة باتجاه وحدتها السياسية، واستقرت عملتها الموحدة، وأصبحت منافسا قويا لزعامة الدولار العالمية، الأمر الذي يسمح بالقول إن التحدي الأوروبي لاسيما الفرنسي الألماني للسياسات الأميركية تعاظم خلال هذه الفترة قياسا بفترة التسعينيات، وإن أخذ الوضع يختلف االآن نسبيا.

 

أما بالنسبة إلى الصين والهند وروسيا فيمكن القول إن فترة الثلاث سنوات الأخيرة شهدت مأزقا أميركيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع كل منها، أشد بكثير مما كان عليه الحال في فترة التسعينيات.

 

الأمر الذي يسمح بالقول، مع إضافة ما تقدم حول علاقتها بأوروبا وأميركا اللاتينية، إن أميركا أصبحت أضعف خلال الفترة الأخيرة المذكورة مقارنة بمرحلة التسعينيات من القرن العشرين.

 

وإذا لم يشأ البعض استخدام  أضعف، موضوعيا، في ميزان القوى، ليقل واجهت صعوبات أكبر وتعقيدات أشد خلال الثلاث سنوات الماضية.

 

ويعزز هذا التقدير ما حدث من تغير في موقف الرأي العام العالمي لاسيما الأوروبي ضدها، وضد الدولة العبرية، في ظل الانتفاضة الفلسطينية والارتباكات الوحشية لقوات الاحتلال الإسرائيلي، كما في إبان التحضير للحرب "العدوان" على العراق.
 
"
 شهدت علاقات الصين والهند وروسيا  مع أميركا خلال الثلاث سنوات الأخيرة مآزق  بصورة مباشرة أو غير مباشرة أشد بكثير مما كان عليه الحال في فترة التسعينيات
"

ويكفي الاستشهاد بالاستقصاء الذي أجراه الاتحاد الأوروبي للرأي العام الأوروبي، الذي اعتبر 59% منه دولة إسرائيل تليها أميركا الدولتين الأخطر على الأمن والسلام في العالم.

وهو أمر لا يترك مجالا للشك، عند احتساب قوة أميركا وضعفها في فترتي القياس، في أنها اتجهت إلى الضعف أكثر في الفترة الثانية: الثلاث سنوات الأخيرة.

 

وإلى هنا يمكن أن يضاف أيضا، تعزيزا لما أشير إليه، تورط أميركا في العراق بعد أن اندلعت في وجهها مقاومة مسلحة وممانعة سياسية واسعتين، وما حاق بها من استنزاف مالي وبشري ومن اهتزاز هيبة وسمعة، مع عدم وجود آفاق لتحقيق أهداف ما بعد الاحتلال غير الدمار والخراب والفتنة.

وقد يعتبر ذلك هدفا إسرائيليا أصبح يغطى بنظرية معادية للإنسان عنوانها "الفوضى البناءة" أي تبرير تدمير الدول، والغوص في وحول الفوضى والدماء والخراب لانتزاع المكاسب، بيد أن المهم إبرازه هنا هو تورطها الذي لا تحسد عليه بالتأكيد.

وإذا أضيف تورطها الفاشل مع شارون في ارتكاب المجازر ضد الشعب الفلسطيني من أجل القضاء على الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي، وهو ما لم يحصل، فإن الحال الأميركي خلال الثلاث سنوات الماضية أسوأ بكثير مما كان عليه في تسعينيات القرن العشرين.


لكن مقارنة سريعة بين المواقف العربية الرسمية عموما في الفترتين المذكورتين تطرح مفارقة تحتاج إلى تفسير ووقفة.


ففي الفترة مابين 1994-2001 تشكل ما يشبه المحور المصري السعودي السوري، وكان له امتداد بين فلسطين ولبنان، وتأييد عربي عام متفاوت مع بعض المعارضة في هذه القضية أو تلك هنا وهناك، وهذا التأييد العام انعكس في ما وقع من مؤتمرات قمم عربية وقمم إسلامية خلال هذه الفترة، خصوصا، في ما يتعلق برفض التسوية ضمن الشروط الإسرائيلية، والأهم تأييد الانتفاضة وحق الشعب الفلسطيني في المقاومة جنوبي لبنان.


"
اتجاهات الممانعة ضد السياسات الأميركية بالمنطقة العربية في فترة التسعينيات كانت متقدمة على ما سواها بالعالم، وهو أمر أدى إلى فشل فرض التسوية الإسرائيلية والشرق أوسطية
"
هنا يمكن القول إن اتجاهات الممانعة ضد السياسات الأميركية في المنطقة العربية في فترة التسعينيات كانت متقدمة على ما سواها في العالم.


وهو أمر أدى إلى فشل فرض التسوية الإسرائيلية والشرق أوسطية التي أطلق مشروعها وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق شمعون بيريز، وتبنته الإدارة الأميركية في عهد بيل كلنتون،
ووصل الأمر إلى إعلان فشل مفاوضات كامب ديفد، ومفاوضات القمة الثنائية الأميركية السورية في جنيف.


وتلا ذلك انتصار المقاومة الإسلامية بزعامة حزب الله جنوبي لبنان، وانطلاق الانتفاضة الفلسطينية، كل ذلك قبل نهاية العام 2000.

 

على أن الشيء الفارق حدث في الثلاث سنوات الأخيرة حيث أخذت السياسات المصرية على الخصوص بالضعف والتراجع، وبدأ المحور المصري السعودي السوري بالوهن واللافعالية، إلى حد وصل في البضعة الأشهر الماضية إلى أدنى مستوياته.


ويكفي أن نرصد نتائج ما اتبع من سياسات في مواجهة الهجمة الأميركية من خلال ما أدت إليه الأوضاع في العراق بعد احتلاله، وفي فلسطين حيث تم التجرؤ على اغتيال القادة ابتداء من الشهيدين الكبيرين الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وانتهاء باغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي كان تحت الحماية المصرية العربية.


ليتبع كل ذلك بما حدث من تهديد للقدس لتوسع في الاستيطان ومطاردة للمطلوبين، وبناء للجدار في ظل تفاهمات قمة شرم الشيخ.


وليس الأمر بمختلف حين ينظر إلى ما آل إليه الوضع في السودان وليبيا، وأخيرا وليس آخرا، في لبنان وسوريا.


"
من يتحدث عن الإصلاح العربي في الوقت الراهن يجب أن يبدأ بإصلاح السياسة باتجاه ممانعة أميركا  ومن ثم يجعل من الإصلاح الداخلي  دعما لرد الهجمة الأميركية الإسرائيلية
"
وبكلمة، فإن الحالة العربية اليوم لا يمكن تفسير ما آلت إليه بقوة الهجمة الأميركية وحدها، حيث إن أميركا كما لاحظنا زادت ضعفا خلال السنوات الثلاث الأخيرة بالقياس لمرحلة التسعينيات، كما نشأت ظروف عالمية أوروبية، روسية، صينية، هندية، أكثر مؤاتاة لاحتضان ممانعة عربية ناجحة في مواجهة الهجمة الأميركية الإسرائيلية.


وبدلا من أن تتعزز السياسات العربية وعلى الخصوص المحور الثلاثي المصري السعودي السوري بهذه الظروف، أخذت بالتراجع عما كانت عليه في الفترة 1994–2001، وهو تراجع لا مسوغ له موضوعيا في موازين القوى.


وإلى هنا يجب أن يضاف ما جرى من تهويل بالضعف العربي وإشاعة مقولتين مدمرتين لا تسمحان بقراءة موازين القوى والظروف قراء صحيحة وهما:


أولا: عدم القدرة على ممانعة الإدارة الأميركية بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 واحتلال العراق، ومن ثم ضرورة "التكيف" من خلال تلبية الأجندة المطلوبة إسرائيليا، واعتبار ذلك السياسة الحكيمة في اتقاء "الثور الهائج".


وثانيا: اتباع سياسة كل دولة عربية تقلع شوكها بيدها ولا علامة لها بغيرها أو بقضية فلسطين، وبديهي أن ابتلاع هاتين المقولتين يوصل إلى المآلات التي مر ذكرها وأكثر إذا بقي الحبل على الجرار، وهو ما يتهدد نهاية المطاف كل الدول العربية بلا استثناء.  


فالذي يسقط من الممانعة حتى في حدودها الدنيا المعقولة يتدحرج إلى هاوية لا قرار لها، ومن يحاول إنقاذ جلده متفردا بعيدا من أشقائه سيسلخ جلده بعد حين لا محالة.


ولهذا فإن من يتحدث عن الإصلاح العربي في الوقت الراهن يجب أن يبدأ بإصلاح السياسة باتجاه ممانعة أميركا، وبتعزيز التضامن العربي، ومن ثم يجعل من الإصلاح الداخلي ومن مقاومة الاستبداد والفساد أو التقدم في مجالات الحريات العامة والديمقراطية، دعما لرد الهجمة الأميركية الإسرائيلية.

 

أما التوهم بأن الإصلاح الداخلي يرد الهجمة تلقائيا وبلا سياسة يتبناها ضد تلك الهجمة، إنما يخطئ ببديهيتين: الأولي أن لكل إصلاح سياسة ولا إصلاح من دون سياسة، والثانية أن الهجمة لم تأتنا لأننا غير ديمقراطيين وإنما لأن بين ظهرانينا مشروعا إسرائيليا تهدف إلى فرض أجندته علينا، وهل من إصلاح مع تلك الأجندة؟
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة