السعودية بعد 74 عاما.. أحاديث الأبواب المغلقة   
الخميس 1427/8/28 هـ - الموافق 21/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:53 (مكة المكرمة)، 12:53 (غرينتش)


منصور النقيدان

استئناس الخصوم
سباق مع الزمن
الإصلاح بين الماضي والحاضر
تقليد عريق يتصدع
حاضر وماضي الطائفة الشيعية
السعودية والتطرف
هيئة الأمر بالمعروف، نفوذ متعاظم

حين أعلن الملك عبدالعزيز قيام المملكة العربية السعودية عام 1932 كانت مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها قد شهدت خلال السنوات الأربع الأخيرة ثلاث حروب إثر عدد من الاضطرابات الداخلية، بدءا بتمرد (الإخوان) في وسط نجد، فثورة حامد ابن رفادة في الشمال الغربي ثم ثورة الإدريسي في جازان أقصى الجنوب.

وباستثناء تمرد الإخوان ونهايتهم الأليمة في معركة السبلة وسط نجد، كانت الثورتان الأخريان مدعومتين من المعارضة الحجازية (حزب أحرار الحجاز)، برعاية مباشرة من إمارة شرق الأردن ومن الأمير عبدالله بن الحسين نفسه.

تمكن الملك المؤسس في النهاية من استئناس كبار قادة المعارضة، بعد أن أصدر عفوا عاما لكل من رغب العودة إلى البلاد والمساهمة في البناء بعد توحيد المملكة تحت اسم واحد قطعا لكل دعاوى الفروق والتمايز بين مملكتي الحجاز ونجد، الحجاز بثقله الديني حيث الحرمان الشريفان، بعلمائه وبعمقه الحضاري وثرائه وتنوعه الثقافي، ونجد الفقيرة مقارنة بمكة والمدينة، نجد ببساطة أهلها وحذرهم ونفورهم من الغريب والأجنبي، وتشددهم في الدين وشعورهم المفعم بنقاء إيمانهم.

تلك المخاوف والصورة المشوهة التي أورثتها معركة الطائف والمجازر التي اقترفها جيش الإخوان والتي زرعت الرعب والكراهية لأولئك النجديين (الشروق) القادمين من الشرق.

استئناس الخصوم
بدا الملك منتصف 1936 أكثر غبطة وهو يستمع إلى حديث أحد أبناء الحجاز ممن أسبغ عليهم عفوه، فتهللت أساريره وعبدالحميد الخطيب يسرد على مسامعه أسباب إنشاء (حزب أحرار الحجاز) وأنهم خشوا أن يسير فيهم سيرة الشريف حسين الذي حرم عليهم الجلوس على الكراسي ولبس ساعة اليد وركوب السيارت.

ومن المفارقات أنه في العام الذي أعقب القضاء على تمرد الإخوان كان يشق صحراء وسط الجزيرة ويمخر سهولها أكثر من 284 سيارة، يملكها مواطنون من عامة الناس من التجار والوجهاء، والمقتدرين من الطبقة الوسطى العاملين في نقل البضائع بين الكويت والمنطقة الوسطى.

(لقد تقرر حل الحزب وسافر رئيسه السيد طاهرالدباغ بعلم الجميع للسلام على الملك عبدالعزيز، لأن ابن سعود عرف كيف يستميل خصومه، بينما أنكم لم تستطيعوا الاحتفاظ بأصدقائكم)، بهذه العبارة ختم فرع حزب أحرار الحجاز في مصر رسالته إلى الأمير عبدالله بن الحسين.

سباق مع الزمن
"
يمتاز الملك عبدالله من بين من سبقه من الملوك بقربه من مواطنيه، وببساطته وبشعور يلمسه معظم من يستمعون إليه بأنه صادق ونقي، وعلى خلاف سلفه الراحل يبدو أحيانا وكأنه يطلب من الآخرين أن يشاركوه الحلول
"
في حديث الملك عبدالله بن عبدالعزيز لجريدة السياسة الكويتية قبل أيام، لم يكتم رضاه بما أنجز وتفاؤله رغم المنغصات التي أشار إليها في حديثه، فالعاهل الذي لم يمض على توليه مقاليد الحكم أكثر من عام و50 يوما، قطع في هذه الفترة القصيرة من الخطوات ما بدا وكأنه في سباق مع الزمن، ابتداء برفع رواتب الموظفين الحكوميين بعد أكثر من عقدين ونصف إلى 15%، إثر الارتفاع المتصاعد في أسعار النفط، في وقت يعاني فيه الناس من ارتفاع باهظ للسلع.

إلا أن انهيار سوق الأسهم حيث مثل قاصمة الظهر لمدخرات شرائح واسعة من المجتمع السعودي لم يكمل الفرحة، كما يقال، وجاء ظهوره على شاشة التلفزيون عقب ذلك مطمئنا المستثمرين بقوة الاقتصاد كالفخ الذي أوقع البقية الباقية من صغار المستثمرين الحذرين في المصيدة مرة أخرى، وهي أزمة ستستمر آثارها الاجتماعية والاقتصادية المدمرة وانعكاساتها السلبية لسنوات قادمة. يمتاز الملك عبدالله بين من سبقه من الملوك بقربه من مواطنيه، وببساطته وبشعور يلمسه معظم من يستمعون إليه بأنه صادق ونقي، وعلى خلاف سلفه الراحل يبدو أحيانا وكأنه يطلب من الآخرين أن يشاركوه الحلول والتفكير بصوت مسموع.

وفي زيارته للصين في يناير/ كانون الثاني من العام الجاري دارت أحاديث جانبية بينه وبين رجال الأعمال السعوديين الذين رافقوه في جولته، أبدى فيها ألمه من استئثار المؤسسين بالنصيب الأكبر من أسهم الشركات المطروحة للاكتتاب بينما يحصل المواطنون على الفتات.

الإصلاح بين الماضي والحاضر
في عقود مضت يلحظ المتابع لأحاديث ومراسيم ملوك وشيوخ الخليج ووزرائهم أن (الإصلاح) لا يعني أكثر من التنمية والتطوير وإنشاء المدارس والمرافق، وهذا جلي في أحاديث الملك عبدالعزيز للصحافيين والملك سعود والأمير فيصل (الملك لاحقا) وسلطان عمان الأب سعيد بن تيمور، وأمير من كبار الأحفاد مثل الأمير عبدالله الفيصل، وبعض مستشاري الملك عبدالعزيز، فالإصلاح في بيئة فقيرة معدمة، ومجتمع ناشئ خارج للتو من سطوة شيخ القبيلة وقطاع الطرق ومآسي المجاعات لا يعني سوى البناء مقابل الفراغ والزراعة مقابل الموات والوجود مقابل العدم والسلب.

ولكن الإصلاح اليوم يعني أكثر من ذلك، فالسعوديون الآن يتحدثون عن حفظ المال العام، وحقوق الإنسان، والمشاركة في صنع القرار، وحقوق المرأة، وإصلاح القضاء، إلى حزمة من المطالب، كانت قبل سنوات قليلة مجرمة قد يتعرض المطالبون بها للإيقاف أو المساءلة، لمجرد ذكرها، وإن كانت مجموعة أسهمت في صياغة وإعداد مطالب إصلاحية في السنوات الثلاث الماضية، قد تعرضت للإيقاف أو التعهد بإيقاف نشاطها.

ومع أن الملك عبدالله أمر بالإفراج عمن حوكموا في تلك القضايا فور توليه الملك لاذت الغالبية منهم بالصمت حتى الساعة هذه، في الوقت الذي نشط فيه مئات من أساتذة الجامعات والخطباء وأئمة المساجد والدعاة، برفع الاحتجاجات وكتابة البيانات اعتراضا على خطوات اتخذتها الحكومة، أو مطالبة بالتضييق في مجالات اعتبروها ذريعة إلى انحلال المرأة، أو نافذة للفساد والطعن في الدين، والتشكيك في علمائه.

تقليد عريق يتصدع
"
قرارات العفو الملكي وإلغاء بعض الأحكام القضائية الجائرة التي صدرت بحق كتاب ومثقفين كانت تعبر عن أزمة قضائية وفراغ قانوني أكثر منها تعبيرا عن تسامح وانفتاح وإيمان بحرية الكلمة من لدن العرش
"
وكما أن الملك المؤسس أوكل كثيرا من مهام الحكم إلى نخبة من أبناء الحجاز، وغيرهم ممن فضل العمل معه من أهل الفكر والسياسة ممن دانوا له بالولاء من أهل الشام ومصر والعراق وغيرها، دون التدقيق في عقائدهم أو نقائهم المذهبي أو ميولهم الدينية، ودون أن تحدث تلك العريضة عن (الحزب الدستوري بمكة) التي ألصقت على باب الندوة في المسجد الحرام عام 1938، أي شكوك في الأشخاص الذين منحهم الملك ثقته، فإن عبدالله سادس ملوك آل سعود حذر في حفل استقبال أهالي منطقة القصيم في يونيو/ حزيران الماضي وهي إحدى كبرى المناطق أهمية في السعودية، من تصنيف المجتمع وفرزهم إلى علمانيين وإسلاميين، معلنا استياءه ومطالبته لهم بالكف عن إثارة تلك المسائل التي تفرق ولا تجمع.

ولكن الكلمة التي حضرها آلاف تتراوح أعمارهم  بين الـ15 والـ30، كانت صادمة لمعظم أهالي المنطقة الذين شعروا بخيبة الأمل من أن توجه إليهم مسؤولية نشر تلك الأفكار، بدلا من أن تتلقى مسامعهم أحسن الحديث: تفاؤل الحاضر، وأمل المستقبل، وتجديد الولاء، بعدها بيوم واحد كان أحد علماء المنطقة، وأحد وجهائها يسر إلي حديثا: لماذا لم يحتفظ بالتقريع لأولئك المعنيين في مجالس مغلقة يكاشفهم فيها بما أراده، وهم ليسوا مجهولين ولا أشباحا بل أشخاص يظهرون على شاشات التلفزيون، ومنهم من يستقبلهم في مجلسه بالرياض وفي جدة وفي غيرها، ومنهم من يتسنمون مناصب عليا، ويطلقون الفتاوى ويتقاضون عليها مرتبات ضخمة.

كانت القصيم قبلها بأكثر من شهر قد استقبلت ولي العهد الأمير سلطان بحفاوة بالغة، وكان خطابه المؤثر والمثير للمشاعر والحماسة والاعتزاز في الآن نفسه، على النقيض تماما مما صك مسامعهم بعدها مساء الـ15 من مايو/ أيار، كلمة العاهل الجديد كانت موحية بأن ثمة تقليدا عريقا في خطابات الملوك اعتاد عليه الأهالي منذ عشرات السنين على وشك التصدع والذبول.

جاء ذلك في سياق سلسلة من قرارات العفو الملكي وإلغاء حزمة من الأحكام القضائية الجائرة صدرت بحق كتاب ومثقفين، كانت تلك القرارات الرحيمة تعبر عن أزمة قضائية وفراغ قانوني، أكثر منها تعبيرا عن تسامح وانفتاح وإيمان بحرية الكلمة من لدن العرش، في حديث للملك نقله التلفزيون السعودي لوفد من الأهالي طالبهم بأن يخبروه شخصيا عن تجاوزات الكتاب وانحرافاتهم وهو كفيل بإجراء اللازم.

حاضر وماضي الطائفة الشيعية
مع الاعتداء الإسرائيلي على لبنان كان لموقف الحكومة السعودية من الحرب انعكاسه على الداخل الشيعي في المنطقة الشرقية، وفي القطيف تحديدا، حيث رفعت أعلام حزب الله وصور السيد حسن نصرالله مرارا.

وخرجت جموع الشيعة مرات في مسيرات دعم وتأييد لحزب الله، كظمت السلطات غيظها لأسابيع، وكم بدا مدهشا أن تتغاضى القيادة السعودية عن تلك المسيرات الأربع لشيعة القطيف، بينما استدعي عدد من الناشطين السعوديين السنة تقدموا بالتماس إذن لهم بمسيرة دعم للشعب اللبناني في جدة والرياض، بحيث أخذت التعهدات على بعضهم واكتفي بتوبيخ آخرين، ولم ينته الاعتداء الإسرائيلي حتى كانت أجهزة الأمن قد استدعت عشرات ممن شاركوا في تلك المسيرات الشيعية أو شاركوا في تنظيمها.

في يونيو/ حزيران الماضي قام الملك عبدالله باستقبال مجموعة من وجهاء منطقة القطيف في ديوانه بالعاصمة الرياض، جاؤوا لتقديم ظلامتهم بخصوص مخططات سكنية جرى الاستيلاء عليها من قبل أحد المتنفذين الكبار وضاعت معها أموال مئات من المستثمرين من أهل المنطقة، أصغى إليهم الملك بكامل حواسه، وكان أكثر سعادة وهم يصارحونه بمشكلتهم وأن ما يواجهونه أكبر من أن يرفع غشاوته سواه.

عام 1969 قدم عدد من وجهاء الأحساء والقطيف الشيعة للقاء الملك فيصل بخصوص هدم حسينية في الدمام وإقامة مسجد مكانها، فكان الاستقبال البارد من الملك وسوء الفهم الناتج عن عبارة صدرت من أحدهم سببا بإيقافه ستة أشهر.

هاتان القصتان توضحان بجلاء مدى التحول الكبير الذي طرأ على تعامل القيادة السعودية مع المشكلة الشيعية، وكان مقال كتبه مفكر لبناني في الأسبوع الأول من الاعتداء الإسرائيلي مهيجا لزعيم شيعي سعودي بارز قام بالاتصال به وأبدى امتعاضه وتساؤله (لماذا تحولون بيننا وبين قيام دولة شيعية في العراق)؟

تبدو الطائفة الشيعية اليوم وعلى الأخص في المناطق الساخنة بالسعودية أحوج ماتكون إلى قيادة وزعامة جديدة قادرة على احتواء السخط المتنامي من الداخل الشيعي نفسه.

"
تبدو الطائفة الشيعية اليوم وعلى الأخص في المناطق الساخنة في السعودية أحوج ما تكون إلى قيادة وزعامة جديدة قادرة على احتواء السخط المتنامي من الداخل الشيعي نفسه
"
فتواجد السلاح بكثرة، وتضاعف أعداد العاطلين عن العمل، والشعور باليأس والغضب عند عشرات من الشباب الذين أمضوا زهرة أعمارهم ضمن برامج حزبية تقاسمتها الحركة الإصلاحية، وحزب الله الحجاز، وهم يشاهدون اليوم شخصيات قيادية تتحول إلى الضفة الأخرى، في ظل اتهامات بالتخلي عن القضية والرضا بالفتات، واستئثار بالكعكة، والتنافس على المناصب، إلى اتهامات في مسائل أخرى حول الخمس، ومشاريع استثمارية ضاعت أدراج الرياح، وإثراء للبعض على حساب آخرين تم التخلي عنهم ليواجهوا الفقر والعوز والمنع من السفر والحرمان من الوظائف.

قبيل الاعتداء الإسرائيلي الأخير على لبنان كانت قيادات أمنية سعودية تفكر بالنظر في إصلاح أوضاع بعض الموقوفين السابقين وتعويضهم ومساعدتهم على إيجاد وظائف تمكنهم من العيش الكريم، أسوة بغيرهم ممن أوقفوا في السنوات الأخيرة عقب الأحداث الأمنية التي شهدتها السعودية في السنوات الأخيرة.

السعودية والتطرف
مع الإعلان قبل أشهر عن تشكيل محكمة أمن دولة -هناك تكهنات بتجميدها- تختص بالنظر في قضايا عشرات من الموقوفين على ذمة التفجيرات والأحداث الأمنية المؤلمة التي شهدتها البلاد، شفع ذلك بعفو ملكي للمرة الثانية لكل من يسلم نفسه من المطلوبين الذين تتضاعف أعدادهم كل فترة، جاء ذلك متساوقا مع النجاحات الأمنية المتتابعة والكشف عن عدد من مخططات التفجير قبل وقوعها بساعات أحيانا.

وقبل شهر ونصف تقريبا جرى تعيين أحد أكبر القيادات الأمنية كفاءة على رأس جهاز المباحث العامة، وكان شيئا مثيرا أن يكون هو نفسه قد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة قبل ثلاث سنوات، على أيدي مسلحين لقوا حتفهم في مواجهة أمنية في يونيو/ حزيران 2004.

وهذه هي المرة الأولى التي يتولى فيها شخص من منطقة القصيم، كان طيلة السنوات الخمس الماضية على صلة وثيقة بالكتاب وأهل الفكر والصحافيين، وبعد عقود كان فيها هذا المنصب حكرا على أبناء الحجاز، كانت سمعة الجهاز فيها سيئة للغاية، في ظل تحسن يشير إليه عدد من الموقوفين في التعامل مع السجناء وإجراءات الإيقاف وطرق التحقيق.

هيئة الأمر بالمعروف، نفوذ متعاظم
في أبريل/ نيسان 1920 كتب المقيم البريطاني في البحرين أن أحد (الإخوان البدو) اعترض صبية كانت حديثة عهد بعرس لبست ثوبا حريريا زاهي الألوان، كانت زوجة أخ أميرالأحساء عبدالله بن جلوي، فقام بضربها بعصاه حتى أفقدها الوعي، فما كان من الأمير إلا أن طوق الإخوان الموجودين في الهفوف، وكل من له علاقة قريبة أو بعيدة بالشخص المعتدي وصادر جميع جمالهم وقام بجلد المعتدي.

عام 1991، كان الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز في غاية الاستياء من كثرة تجاوزات أعضاء هيئة الأمر بالمعروف في العاصمة الرياض، بعد قيام عدد من موظفي الهيئة بالاعتداء على عشرات من الدوبلوماسيين الأجانب في حفل خاص.

"
قبل تولي الملك عبدالله مقاليد الحكم بسنتين عكفت لجنة مكونة من علماء شريعة وقانونيين ومفكرين، على إعداد نظام جديد يحدد صلاحية رجال الحسبة، ولكن المشروع تعرض للتوقف لفترة، وبعد رحيل الملك فهد استؤنف العمل فيه وتم إنجازه ولم ير النور بعد
"
إلا أن مقارنة بين هاتين الحادثتين، وما تنشره الصحف ووسائل الإعلام مؤخرا وما تناولته وسائل الإعلام، من انتهاكات واعتداءات متكررة على المواطنين، رغم ما تشي به من نفوذ متعاظم لرجال الحسبة، ورغم ما يدور من أحاديث من أن تلك التجاوزات نتاج الدلال والتغاضي الذي أسبغته شخصيات ورعاة جدد، أحدثت نوعا من الاختلال ومساحة أكبر للتجاوزات وتنازع الإرادات أعطت إشارات متناقضة بخصوص الدور الحقيقي لرجال الحسبة، إلا أنها لا تعطي سوى نصف الحقيقة.

فالهيئة ليست مطلقة اليد تماما، وثمة حزمة من الدعاوى الشجاعة التي رفعت ضد أعضاء الهيئة في السنوات الأربع الماضية، جاءت الأحكام في بعضها لصالح المتضررين، رغم محاباة غالبية القضاة والضغوط والابتزاز الذي يمارس من قبلهم في وقائع لا تحصر.

قبل تولي الملك عبدالله مقاليد الحكم بسنتين عكفت لجنة مكونة من علماء شريعة وقانونيين ومفكرين، على إعداد نظام جديد يحدد صلاحية رجال الحسبة، ويحصر عملهم في مجاله التقليدي، ويعيد تحديد طبيعة علاقتهم بالمجتمع والأفراد ومؤسسات الحكومة، ولكن المشروع تعرض للتوقف لفترة، وبعد رحيل الملك فهد استؤنف العمل فيه وتم إنجازه ولم ير النور بعد.

غير أن ما يبعث على التفاؤل أن هذا المشروع يلقى دعما واسعا من الملك نفسه، ومن عدد من الأمراء الكبار، وكانت المفاجأة أن يكون أكثر المتشجعين لتطبيقه جهات كانت دائما تمثل لموظفي الهيئة اليد الحانية والوسيط والراعي والسند.



ــــــــــــــ
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة