بعد الربيع.. أقصير طريقنا أم يطول؟   
الجمعة 9/4/1433 هـ - الموافق 2/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)
عارف حجاوي

عاش في مصر على مدى القرن العشرين مائتا مليون إنسان، ثلاثة أجيال. وفي هذه الملايين الكثيرة منح الله الصوت الكامل عشرة آلاف إنسان. تسعة آلاف منهم لم يغنوا أبداً، بل تكلموا كلاماً، وماتوا لم يعرف أي منهم أن له صوتاً غنائياً جميلاً. بقي ألف. تسعمائة كانوا يغنون في الحمام، أو للزملاء في الورشة. 

بقي مائة عرفوا طريقهم إلى الغناء الجماهيري. خمسون منهم لم يمتلكوا الثقافة الكافية، ولا الفرصة المناسبة للحصول على الألحان الجميلة. فغنوا في الإذاعة وفي الأفراح، وربما فاز أحدهم بأغنية طائرة الصيت. بقي خمسون آخرون. وهؤلاء كان لهم طريق على ملحنين كبار مثل عبد الوهاب وزكريا وبليغ، ولكن أربعين منهم لم يمتلكوا الروح الخصبة والخيال المحلق والشخصية المتفردة، فغنوا أغنيات كثيرة ردد الناس بعضها، ثم درجوا فيمن درج.

بقي عشرة. ثمانية منهم لديهم الخيال والروح وعرفوا الطريق إلى الملحنين الكبار، ولكنهم لم يكونوا مجتهدين، ولم يكرسوا روحهم للغناء، بل اتخذوا الغناء "سبوبة"، وانشغلوا بالأسرة وبهموم الحياة. بقي لدينا اثنان. واحد منهم يملك الثقافة المعقولة، وله طريق على ملحن عظيم هو عبد الوهاب، وهو قد كرس نفسه للغناء تماماً، حتى عندما خذله صوته بعض الخذلان، فقد حماه من السقوط اجتهاده العظيم وتكريسه المطلق لنفسه، وظل شامخاً. وهذا ليس سوى عبد الوهاب نفسه. بقي عندنا واحد.

لو أن مصر القرن العشرين كانت بلداً متقدماً في التعليم والثقافة، وفي منح الفرص للعموم، لكانت كمية "الفاقد" من الأصوات الغنائية المكتملة أقل بكثير، ولنبغ عدد أكبر من المطربين الكبار

هذا الواحد امتلك الثقافة الكافية، والثقافة المطلوبة من المطرب أو الموسيقار ليست ثقافة الكتب بل هي المعرفة العامة وامتلاك ناصية اللغة، والاستمتاع بالفكرة. وهذا الواحد –الأخير- امتلك التكريس المطلق، والاجتهاد المطلق، وكان له طريق على كل الملحنين، وامتلك الذكاء النادر، فكان يصطاد الملحن القوي اصطياداً ويكتشفه حتى قبل أن يكتشف الملحن نفسه. هذا الواحد استدعى ملحناً شاباً في التاسعة والعشرين من العمر لكي يلحن له، والملحن كان يرتجف من "هول" الفرصة، ولكن مطربنا الذكي آمن بموهبة الملحن الشاب أكثر مما آمن بها الملحن نفسه (واسم الملحن بليغ حمدي). وهذا المطرب الأخير، امتلك الخيال والروح المحلقة. نحن نتحدث، بالطبع، عن أم كلثوم.
لقد كانت أم كلثوم الزبدة التي تمخض عنها الغناء المصري في القرن العشرين.
سوف ننفق بضع فقرات في الكلام على التنمية، ثم نختم بكلام على الموسيقى. فمن كان يكره كلام التنمية، فعليه أن يقفز بعينيه نازلاً.

لو أن مصر القرن العشرين كانت بلداً متقدماً في التعليم والثقافة، وفي منح الفرص للعموم، لكانت كمية "الفاقد" من الأصوات المكتملة أقل بكثير، ولنبغ عدد أكبر من المطربين الكبار. وقس على ذلك الشعراء، والعلماء، والاقتصاديين. هناك مواهب كبيرة تهدر.

المجتمع النشط يرمي الفرص بين يدي أبنائه بسخاء، ولا يضطرهم إلى إحراق ثلاثة أرباع طاقتهم في اللهاث قبل حدوث التجلي.

في بلدة بيزلي الإسكتلندية الصغيرة، حيث أقضي شطراً من الصيف كل عام، فرق موسيقية عدة، وأحسب أن كل فرد في هذه القرية قد جرب صوته يوماً ما، ومن هؤلاء صديقي ديفيد الذي نال صوته قدراً من الاستحسان، وفاز ذات يوم بجائزة. المجتمع هناك نشط جداً، ومتطور، والفرص متاحة بشكل جيد. ولن أمضي في التحدث عن الإنجازات العلمية المهمة التي قدمتها إسكتلندة للعالم. لكنني أقرر أن مجتمعها النشط (بجامعاته، وجمعياته، وفرقه الموسيقية، وكنائسه –وبالمناسبة ففرقة صديقي ديفيد ليس لها مقر، وهي تمارس تدريباتها في قاعة توفرها لها كنيسة الحي-، وبمجالسه المحلية، وأحزابه، وبجرائده وإذاعاته) هذا المجتمع النشط دائب في اصطياد المواهب. ودائب في التفاعل مع قضاياه. عندهم الآن قضية سياسية مهمة: هل ينفصلون عن بريطانيا، أم يبقون ضمن الدولة الكبيرة. الجميع منغمس في مناقشة القضية وإجراء حسابات الربح والخسارة، والأحزاب الإسكتلندية تتفاعل وتتصارع. وعندما ستختار إسكتلندة –ربما في غضون سنتين– ففي الغالب ستختار الأفضل لأغلبية أبنائها.

مما يلفت نظري في ذلك المجتمع: الحرية. هم أحرار في عقولهم وفي سلوكهم. لهم دين وخلق، ولكنهم لا ينظرون إلى الدين بوصفه الزاجر الناهي، ولا يضعون حدوداً غامضة للخلق الحسن، والقانون سلس، ومتغير بحسب المجتمع وليس مفروضاً على المجتمع. قليلة هي الثوابت الفكرية: قد تجادل أحدهم في مسألة حساسة من قبيل "قتل الرحمة": أيباح للطبيب الاستجابة لمريضه بحقنه بسم قاتل في مرحلة متقدمة من مرض عضال؟ هذه مسألة تناقش كثيراً هناك. لكن النقاش لا ينطلق من منطلقات الاتهام الشخصي بالكفر، ولا بالقسوة ولا باللاإنسانية، ولا بالتعصب والجمود. هو نقاش وكفى، بلا تكفير، وبلا تشنج.

ناقشت صديقي الإسكتلندي في تعدد الزوجات، بعدما رأيت استغرابه الأمر (هو استهجنه فيما أظن، ولكنه، تأدباً، أبدى استغرابه فقط). قلت له: عندكم علاقات عشق غير موثقة بالقانون، وهي تنتج أطفالاً. نحن ننظم هذه العلاقات ونضع لها الضوابط من الدين ومن القانون. وتعدد الزوجات ضار بدون ضوابط، وفيه باب لحل بعض المشكلات مع وجود الضوابط. هز رأسه مع ابتسامة موافقة. وقبل حجتي قبولاً صادقاً. ولن يتغير المجتمع الإسكتلندي باتجاه تعدد الزوجات، ولكنه وضع ضوابط معينة للنفقة في حالات النساء المعيلات بلا شريك.

خلاصة فكرتي التنموية أن حرية الفكر، ونشاط المجتمع المدني مفتاحان مهمان من مفاتيح التنمية. ولعلي أثخنت الفكرة بالأمثلة، على أن الطريقة التي ننظر بها –نحن العرب– إلى الترقي والنهوض تتسم بتوق إلى فرض الحلول من أعلى. وعندما يقدم لنا الأوروبيون بعض المال لتنشيط المجتمع المدني تتجه أفكارنا في عدة مسارات: أولاً أن هذا المال مسيس، وهذا صحيح، والمثل يقول: لا شيء ببلاش إلا العمى والطراش.

عندما يقدم لنا الأوروبيون بعض المال لتنشيط المجتمع المدني تتجه أفكارنا في عدة مسارات: أولاً أن هذا المال مسيس، ثانيا أننا نخترع الشباك المختلفة لاصطياده, وثالثا الحكومات تتلهف على السيطرة عليه 

من المؤكد أنه مسيس، وبالطبع هم يعطوننا الفتات، وبالطبع هم ينظرون إلى مصلحتهم: يعطوننا مليون دولار ويستردون نصفها بإرسال "خبراء" لتدريبنا. ولهم غرض آخر ثقافي: يريدون أن يصكوا مجتمعنا على صورتهم. يريدوننا أن نشبههم لكي يتغلغلوا فينا، ولكي يستفيدوا من منطقتنا. ونحن نقاوم تغيير جلدنا والتبرؤ من ثقافتنا وعاداتنا، وهذ صراع طبيعي. لا بأس بأن يتغلغلوا فينا شرط أن نتغلغل فيهم أيضاً، هذا تفاعل اقتصادي وحضاري.

المسار الآخر: أننا نخترع الشباك المختلفة لاصطياد هذا المال، فهو لحم طري، كاش، والسرقة منه حلال. أليس مالاً مسيساً؟ وندور في دوامة كتابة التقارير لهم عن مجتمعاتنا، ونخدمهم برموش أعيننا حتى نستقطر هذا المال. ونفرض لأنفسنا مرتبات كبيرة، ونوظف أقاربنا في جمعياتنا المنتفعة بالتمويل الأوروبي، ولكن، لا يصل الفساد في هذه الجمعيات إلى ربع الفساد الموجود في حكوماتنا.

وهناك مسار ثالث: الحكومات تتلهف على السيطرة على هذه الأموال المرصودة للمجتمع المدني، وترهق العاملين في هذه الجمعيات بالمضايقات. وقد تنشئ جمعيات نصف حكومية لاصطياد بعض هذه الأموال، لكن الحكومات في البلدان العربية رديئة في تفعيل المجتمع المدني، وجمعياتها نصف الحكومية تفشل بسرعة.

بشكل عام فإن ثمار هذه الجهود الأوروبية قليلة. ولكنها أحسن من المعونات العسكرية والاقتصادية التي تقدمها الحكومات الغربية لدولنا. فهذه المعونات مشروطة سياسياً بشكل أكبر، وبشكل ينتقص من السيادة، وهي تساعد على الكسل. وهي مال طري أيضاً، لكنه محقون بسموم مركزة، ويدخل فوراً في دوامة الفساد. 

تنمية بلداننا العربية تكون في قلوب وعقول الناس، وفي تفاعلهم الحر ضمن مجتمع نشط. ولست أرى الربيع العربي سوى شكة دبوس في خاصرة حكوماتنا ومجتمعاتنا. هذا الربيع كله ليس تنمية ولا تطوراً ولا بناء ولا مستقبلاً. هو تنبيه لهذه المجتمعات الغافية أن ابدئي السير في طريق الحرية وتفريخ الفرص، وتوزيعها على أكبر عدد من الناس. وبعد أن تذبل أزهار الربيع العربي سنفتح أعيننا على الواقع الأليم: لا يوجد بنزين، ولا حطب، ولا يوجد حتى شجر في مدننا، وليس عندنا مصانع، وزراعتنا متخلفة. وسنكتشف أن شجاعة الشباب في تظاهرات وحروب الربيع العربي كانت شجاعة اليائس الذي تساوى لديه الموت والحياة. هذه الشجاعة قرعت الناقوس. فأين حرية الفكر، وأين سعة الأفق، وأين العلم، وأين الثقافة؟

هذا العالم العربي قابع في قاع العالم من حيث نسبة الأمية، ولئن كانت أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى أسوأ منه، فالفارق بينهما خمسة بالمائة فقط بحسب اليونسكو. وحالة المثقفين في العالم العربي محزنة، فهم مشحونون بالأيديولوجيا، وحججهم تنطلق من أفواههم بهستيرية. مثقفون! لكن، ما نوع الكتب التي يقرؤون، وكيف يفكرون، وكيف يسوقون حججهم، وهل يلجؤون إلى الشتائم أو اللكمات لتدعيم حججهم؟ الشتم والركل موجودان في المقالات أيضاً، وليس فقط في الندوات واستديوهات التلفزيون. تقرأ مقالات المثقفين العرب، فتشتهي أن يهدؤوا بعض الشيء، وأن يخاطبوا عقلك، وأن يكفوا عن المغالاة، وأن يتواضعوا قليلاً. وأن يكونوا مستعدين لتغيير آرائهم إذا توفرت معلومات وحجج جديدة. هذا عن المثقفين، فأما أنصاف المثقفين، فهم موجودون في المدارس والجامعات وينتجون نصف ثقافة عند الطلبة. ولعلهم أقل إثارة للاشمئزاز من المثقفين. نعم، إذا كانت الثقافة ثقافة الإرهاب الفكري فخير منها نصف الثقافة. وببساطة: الأمية خير منهما كليهما. فعندما لا تكون الحرية هي العنوان تكون كل ثقافة رديئة.

الربيع العربي صرخة، وهو رائع لكنه، ليس نهضة, فشجاعة هؤلاء الشباب وصبرهم وعنادهم الأسطوري وتضحياتهم هي كلها تسديد لفاتورة الخيبة الضخمة السابقة، أما بناء صرح جديد فيحتاج إلى تضحيات من نوع آخر

نعود إلى الموسيقى. الجميل في الموسيقى أنها كخمرة أبي نواس: روح بلا جسم. يقول لك المغني "يا ليل يا عين" مدة من الزمن مديدة، لا يقول كلاماً غيرها، ولكنه يجعلك تميل طرباً، أو تمتلئ بنشوة فرح أو حزن، أو حماسة. وتسمع عود فريد الأطرش فيهزك هزة انتشاء، وتسمع موسيقى الآلة في المغرب فتقضي سويعة من الاسترخاء والتأمل: يخرجون من توشية إلى تسليم، فكأنهم يتنقلون بك في غرفات الجنة.

وتسمع –مثلما سمعت أنا ذات يوم في طنجة– عيطة جبلية فتعجب لهذا التنسيق اللحني الخطير، وهذا الانتقال بين أنماط الإيقاع. قد ظننت نفسي أول من يشبه هذا الغناء بالسيمفونية، ثم رأيت باحثاً موسيقياً سبقني إلى التشبيه. قد سمعتهم في طنجة يؤدون موشحة دينية لم أفهم منها سوى قولتهم "صلوا على محمدي"، ويمدون الياء مداً. ولكنني سمعت عجباً، وترتبت رقائق روحي بذلك الغناء. وكان من سوابق الأقضية أن صنعت برنامجاً إذاعياً عن موسيقى المغرب، وأدتني الشقاوة إلى أن دسست أغنية عراقية في وسط البرنامج، وسرعان ما اعترفت للمستمع الكريم بفعلتي. وقلت له: أرأيت إلى هذا الشبه الجميل؟ لقد انساحت الأغنية العراقية انسياحاً بين أغنيات المغرب. وإنني لأزعم أن الثقافة الموسيقية العربية تنشد كلها بخيوط خفية إلى نقطة زمنية موغلة في القدم، وأن ثمة روحاً مشتركاً تشكَّل من صهير فارسي بربري عربي مع مؤثرات هندية أعتق. هذا أمر يحتاج إلى دارسين موسيقيين لا أملك من عدتهم سوى القليل، فأنا أصمت عن هذا.

الموسيقى عنصر ثقافي مهم. ولولا كراهيتي للكليشيهات لقلت لك إنها غذاء الروح. حسناً، ها قد قلتها، فاشمت بي.

مكونات النهضة أو التنمية -وهما في سياقي الحالي سيان- هي حرية الفكر، وهي الثقافة (أي نعم، ثقافة الكتب والمعلومات والرياضيات والكيمياء، لكنها أيضاً ثقافة الروح، والقابلية للاسترخاء الذهني، والقدرة على استيعاب الآخر). وبعد كل ذلك يأتي التصنيع، والزراعة المتطورة.

الربيع العربي صرخة، وهو رائع. لكنه، ليس نهضة. إن شجاعة هؤلاء الشباب وصبرهم وعنادهم الأسطوري وتضحياتهم هي كلها تسديد لفاتورة الخيبة الضخمة السابقة، وهدم لصرح الطغيان، فأما بناء صرح جديد فيحتاج إلى تضحيات من نوع آخر. ولست أجزم أن البناء أصعب من الهدم، لكنه يستغرق وقتاً أطول.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة