لماذا رفض البرلمان التركي نشر القوات الأميركية؟   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: نوزات صواش*

-المخاوف التركية من الحرب.. الدواعي والأسباب
-محاور المفاوضات الأميركية - التركية
-
أسباب رفض المذكرة الحكومية
-تداعيات رفض المذكرة
-علاقات أنقرة وواشنطن في ضوء رفض المذكرة


كان يوما تاريخيا، يوم السبت الماضي، أول يوم من شهر مارس/ آذار الجاري، حينما رفض البرلمان التركي مشروع قرار يسمح بنشر قوات أميركية في الداخل وإرسال قوات تركية إلى الخارج. وبينما كان الجميع ينتظر الموافقة دون أن يخطر ببال أحد عكس ذلك، إذا بالمفاجأة تقع.. فقد حصلت المذكرة الحكومية على تأييد 264 نائبا ومعارضة 250 آخرين فيما أحجم 19 عن التصويت. وكان يفترض الحصول على 267 صوتا لاعتماد المذكرة.

وكانت المذكرة ستتيح نشر 62 ألف جندي أميركي في تركيا تحسبا لاحتمال اجتياح العراق، وكذلك نشر آلاف الجنود الأتراك في شمال العراق إذا وقعت الحرب.. سادت الحيرة والمفاجأة جميع الأوساط الداخلية والخارجية. لقد وقف البرلمان التركي ومن ضمنه قرابة 100 عضو ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم في مواجهة رئيس الوزراء عبد الله غل وزعيم حزب العدالة والتنمية الكاريزمي رجب طيب أردوغان والحكومة الأميركية ليقول "لا للحرب".. إنه قرار سوف يؤثر في المدى القريب والبعيد على مستقبل تركيا ومستقبل المنطقة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإستراتيجيا.

المخاوف التركية من الحرب.. الدواعي والأسباب


قرار البرلمان التركي سوف يؤثر في المدى القريب والبعيد على مستقبل تركيا ومستقبل المنطقة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإستراتيجيا
عندما لاحت في الأفق احتمالات حرب عراقية أخرى عزمت أنقرة على أن تتأهب هذه المرة جيدا حتى لا تكون الخاسر الأكبر كما كانت في حرب الخليج الأولى عام 1991.. فقد بلغت خسارة تركيا 100 مليار دولار حتى اليوم على حسب تقدير المسؤولين الأتراك بسبب الحصار المفروض على العراق وتعطل تجارة الحدود وإغلاق أنابيب يومورتاليق التي تضخ البترول من العراق إلى تركيا وأسباب أخرى كثيرة.. كما شاهدت أنقرة أن انتشار حزب العمال الكردستاني في شرقي الأناضول وقيامه بعمليات إرهابية قد تكاثرت بعد حرب الخليج الأولى بسبب تسلل بعض عناصر الحزب إلى الأراضي التركية متخفين بين خمسمائة ألف من اللاجئين العراقيين الأكراد.

وعانت تركيا من ويلات الحرب الأولى كثيرا.. وهو ما اضطرها الآن لتتصرف في يقظة وحذر خشية الوقوع في نفس المأزق الذي لا يمكن أن تتحمله البلاد حاليا، ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تقاسي منها منذ سنتين والتي أجبرتها على دق باب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ليساعداها على خروجها من أزمتها المستعصية.

حينما حددت الولايات المتحدة النظام العراقي هدفا ثانيا لها في حربها ضد ما أسمته إرهابا، وأخذت تحشد قواتها لحرب محتملة كانت تركيا من أشد المعترضين لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية. فعملية كهذه شديدة الخطورة بالنسبة لتركيا. لأنها أولا تخاف من انهيار اقتصادها المحتضر، ثانيا تخشى أن تتمخض العملية العسكرية عن انقسام الأراضي العراقية وظهور دولة كردية في شمال العراق. وهو ما يشكل قضية أمنية خطيرة بالنسبة لأنقرة، حيث تخشى من سريان النزعة العرقية إلى أكراد شرقي الأناضول فتنشب صدامات عسكرية بين القوات التركية والأكراد مجددا، فيؤدي ذلك إلى انفصال المنطقة الشرقية عن البلد.

في البداية حاولت تركيا مواكبة الرأي العام العالمي في نشاطاته لمنع هذه الحرب، إلا أن الولايات المتحدة كانت مصممة على القيام بهذه العملية مهما كان الثمن تحت مبررات مثل وجود أسلحة دمار شامل في يد النظام العراقي وعلاقاته مع القاعدة وكونه تهديدا للمنطقة والعالم، غير أن العالم لم يقتنع حتى اليوم بحسن نوايا حكومة الرئيس الأميركي جورج بوش، بل يدرك أن الحرب العراقية ما هي إلا عملية للسيطرة على مناطق النفط والطاقة في الشرق الأوسط وتوسيع نطاق الهيمنة الأمريكية إلى أبعد حدود.

لقد صرح المسؤولون الأتراك مرارا أنهم ضد الحرب، وأن الحرب قد فرضت نفسها على تركيا رضيت أم أبت. فلا يمكن أن تغمض عينيها عن الأحداث الخطيرة التي تجري على أراضي جارتها. وأدركت الحكومة التركية أنه يجب عليها أن تكون داخل هذه العملية بصورة ما حتى لا تبقى خارج لعبة ستنتهي حتما بنتائج لا ترضاها إذا بقيت في الخارج. ومن ثم قررت أن تجلس على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة وتلعب دورا فعالا في العملية العسكرية ومستقبل العراق. وقد أكد المسؤولون الأتراك أنهم لن يشاركوا في الحرب بالفعل رغم تواجد القوات التركية في شمال العراق.
وينبغي هنا أن ننبه إلى أن أسباب دخول تركيا إلى شمال العراق تختلف عن الأسباب الأميركية. فالقوات الأميركية تريد نزع أسلحة العراق وقلب النظام والقضاء على العناصر الإرهابية على حد تعبيرها. أما الأسباب التركية فتتمركز في نقطتين: إنسانية وأمنية.

  • فتركيا تتوقع أن تنهمر أفواج من اللاجئين العراقيين على حدودها، الأمر الذي قد يؤدي إلى المأساة التي عاشتها سنة 1991. لذا قررت أن تتوغل قواتها المسلحة 20-30 كم في شمال العراق لكي تستقبل أفواج اللاجئين هناك، فتحول دون دخولهم إلى الأراضي التركية، وتقوم بعملية الرعاية والإغاثة داخل الحدود العراقية في مخيمات إغاثة أعدتها لهم منذ شهور. كما تحول بهذه الطريقة دون تسلل عناصر حزب العمال الكردستاني إلى تركيا.
  • أما السبب الأمني فهو منع تأسيس دولة كردية في شمال العراق، لأن وجود دولة كهذه قد يؤدي في المستقبل إلى تحركات انفصالية في شرقي الأناضول بين المواطنين الأكراد. وذلك يعيد المواجهات المسلحة بين القوات التركية والأكراد وزعزعة استقرار البلاد.

محاور المفاوضات الأميركية - التركية

استمرت المفاوضات بين الحكومة التركية والمسؤولين الأميركيين ما يقارب من ثلاثة أشهر. حرص الجانب التركي أن يكون شريكا في جميع السيناريوهات المتعلقة بمستقبل العراق. وقد وصلت المحادثات في بعض الأحيان حد الانقطاع بالكامل، إلا أنها وفي ظل التنازلات المتقابلة عادت لتبدأ من جديد، إلى أن اتفق الجانبان على أمور تركزت حول ثلاثة محاور رئيسية: سياسية، عسكرية، اقتصادية.. المسؤولون الأتراك طالبوا الجانب الأميركي بضمانات وتعهدات حول هذه النقاط. وصرحوا بأنهم لن يرضوا بأي تعهد أميركي قولي ما لم يكتب على الورق.


كانت المخاوف من نقض العهود الأميركية إحدى أسباب رفض نشر القوات الأميركية، فماذا لو نقضت حكومة واشنطن العهود التي قطعتها لتركيا؟ فالوعود التي نكثتها في حرب الخليج الأولى ليست ببعيدة
وقد حقق الأميركيون رغبة الأتراك بالفعل:

  • فقد أخذ المسؤولون الأتراك عهدا من الجانب الأمريكي بشأن الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية
  • وعدم السماح بتأسيس دولة كردية مستقلة في الشمال. وقد أكدت أنقرة أن تشكيل دولة كهذه يعتبر سببا لحرب جديدة.
  • واتفق المسؤولون على تشكيل حكومة انتقالية بعد الإطاحة بالنظام الحالي يتم فيها تمثيل جميع الفصائل والفئات العراقية من العرب والأكراد والتركمان بشكل عادل، وذلك لتأسيس النظام الديمقراطي في العراق.
  • وبخصوص الثروات الطبيعية مثل النفط وموارد الطاقة الأخرى فقد أكدت أنقرة أن هذه الموارد ملك للشعب العراقي، ولا يحق لأحد الاستبداد بها، لا الولايات المتحدة ولا الأكراد ولا أي فئة أخرى.
  • أما قضية تسليح الفصائل الكردية والفصائل الأخرى بالأسلحة الثقيلة لاستخدامها في الحرب القادمة فقد أكد الجانب التركي أنه من الضروري أن تقوم القوات الأميركية بمهمة التوزيع والتسجيل وتحت إشراف القوات التركية، كما يجب نزع هذه الأسلحة بعد انتهاء الحرب مباشرة، وتشكيل جيش عراقي موحد.
  • كذلك اتفق الجانبان على دخول القوات التركية إلى العراق عقب توغل الوحدات الأمريكية إلى المنطقة بتنسيق بين الجيشين. كما توصلا إلى تفاهم بشأن كيفية انتقال القوات الأمريكية إلى المنطقة.
  • أما عدد الجنود الأميركين الذين سينتشرون داخل الحدود التركية ويعبرون إلى شمال العراق عبر الأراضي التركية فقدر بـ62 ألف جندي.. وتم الاتفاق على أن تفتح تركيا بعض الموانئ والقواعد العسكرية والجوية للقوات الأميركية، والسماح للمسؤولين الأميركيين بالقيام بعمليات توسيع وتحديث في القواعد الجوية لتصبح صالحة للانطلاق منها إلى ضرب الأهداف العراقية أثناء الحرب.
  • أما الجانب الاقتصادي فقد نجحت تركيا في الحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات حتى لا تتأثر من سلبيات الحرب المرتقبة. فقد وعد الجانب الأميركي الحكومة التركية بضخ ما يقارب من 8-9 مليار دولار مع أول رصاصة إلى جانب هبات وقروض تقدر بـ 25-30 مليار دولار. هذا ما عدا القروض التي كان من المقرر أن تأخذها تركيا من صندوق النقد الدولي والبالغة 16 مليار دولار. وتمكنت تركيا بعد مناقشات مكثفة وحادة من أخذ الضمانات اللازمة لإدارة الأسواق المالية والحفاظ على برنامج الإصلاح الاقتصادي أثناء الحرب.

ولكن الولايات المتحدة علقت تحقيق هذه الاتفاقيات على مصادقة البرلمان التركي لمشروع القرار الذي يسمح بانتشار 62 ألف جندي أميركي في الأراضي التركية، غير أنه وقع ما لم يكن في الحسبان، حيث لم تحصل المذكرة الحكومية على التأييد الكافي من أعضاء البرلمان.

أسباب رفض المذكرة الحكومية

بالتأكيد هناك أسباب عديدة خلف قرار البرلمان الرافض، ويمكن تلخيص أهم النقاط فيما يلي:

  1. انعكاس ردود الفعل والمظاهرات المناهضة للحرب في الشارع التركي والعالمي على البرلمان.. فلأول مرة في تاريخ تركيا انعكس رأي الشارع التركي على أعضاء البرلمان في قضية شديدة الحساسية كهذه. فقد كان بإمكان حزب العدالة والتنمية الحاكم والحاصل على أغلبية ساحقة في البرلمان أن يمرر المذكرة دون نقاش وباتخاذ قرار جماعي إلزامي داخل الكتلة البرلمانية للحزب. إلا أنه لم يقم بهذا، بل ترك لأعضائه حرية الرأي، فكانت النتيجة طبقا لرغبة الشعب التركي والرأي العام العالمي. فقد أبرزت الإحصائيات أن 95 بالمائة من المواطنين الأتراك يرفضون العملية العسكرية على العراق.
  2. حدوث انقسامات داخل الحكومة ذاتها. فقد تأخر قرار مصادقة مجلس الوزراء على المذكرة مرات عدة ورفض بعض الوزارء التوقيع عليها. وقد استمر اجتماع مجلس الوزراء لمناقشة المذكرة سبع ساعات كاملة. وصرح وزير الدولة والناطق الرسمي باسم الحكومة عبد اللطيف شنير بعد الاجتماع أن مشروع القرار لم يطمئن قلوب معظم الوزراء. كما أبرز نائب رئيس الوزراء أرطغرل يالجين بايير أنه وإن كان قد وقع على المذكرة داخل مجلس الوزراء إلا أنه سوف يرفضها في التصويت البرلماني. هذا الانقسام واللهجة الهشة وعدم وضوح موقف حكومة العدالة والتنمية انعكس سلبا على أعضاء في البرلمان وخصوصا أعضاء حزب العدالة والتنمية. وقد بدا للجميع أن الحكومة لم تكن راضية بمضمون المذكرة في الحقيقة، ولم ترسلها إلى البرلمان إلا تحت ضغوط أميركية.
  3. عندما نقرأ المراحل التي مرت منها المذكرة لا نجد إلا تساؤلات وشبهات وانقسامات لدى المسؤولين الأتراك. وأبرز مثال على ذلك موقف مجلس الأمن القومي في اجتماعه قبل يوم من التصويت في البرلمان. فقد عهدنا أن يتخذ المجلس الذي يرأسه رئيس الجمهورية ويشارك فيه قادة القوات المسلحة وأهم وزراء الحكومة.. أن يتخذ موقفا حاسما إزاء مثل هذه القضايا الحساسة، إلا أنه ألقى الكرة إلى مجلس الشعب هذه المرة ولم يشأ أن يتحمل أية مسؤولية.. وهو ما أثر على أعضاء البرلمان وأدى إلى تزايد عدد النواب الرافضين من حزب العدالة والتنمية.
  4. ولا شك أن موقف رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر ورئيس البرلمان بولنت آرنج كان مؤثرا أيضا. لأنهما صرحا مرارا بضرورة الشرعية الدولية من الأمم المتحدة، وذلك لم يحصل حتى الآن.
  5. وقد كان لتصريحات بعض المسؤولين الأميركيين وما كتب وأذيع في وسائل الإعلام الأميركية حول تركيا أثناء المفاوضات تأثيرات سلبية على كل من الشارع التركي والبرلمان. وأبرز مثال على ذلك كاريكاتير نشر في إحدى الجرائد الأميركية يصور تركيا كعاهرة تطلب مزيدا من الدولارات. وقد تصرفت واشنطن مع تركيا كإحدى ولاياتها التي يجب أن تلبي جميع مطالبها فورا ودون نقاش أو اعتراض.. فأدى ذلك إلى ثورة عارمة في نفوس المواطنين الأتراك والبرلمان فردوا على الولايات المتحدة بلطمة رفض عنيفة.
  6. عدم وضوح الموقف الأميركي من بعض القضايا الحساسة بالنسبة لتركيا. فلم يقتنع لا الشارع التركي ولا البرلمان بالوعود الأميركية حول تشكيل دولة كردية في شمال العراق. وحصل انطباع لدى الجميع أن حكومة واشنطن تلعب دورا مزدوجا، فتقول للأتراك إنها تحرص على وحدة الأراضي العراقية، ثم تذهب إلى الأكراد لتحرضهم ضد تركيا وتمنيهم بدولة كردية مستقلة، وتؤكد لهم أن العائق الوحيد لتحقيق هذا الحلم هو أنقرة. كما أن موضوع تسليح الأكراد بالأسلحة الثقيلة ونزعها بعد الحرب لم يتم حسمه بالكامل من قبل الولايات المتحدة. إذن هذه التساؤلات والشبهات العديدة أدت إلى فقدان الثقة بالحكومة الأميركية.
  7. المخاوف من نقض العهود الأميركية فماذا لو نقضت حكومة واشنطن العهود التي قطعتها لتركيا؟ فالوعود التي نكثتها في حرب الخليج الأولى ليست ببعيدة. ولا داعي للذهاب إلى بعيد، فلدينا المثال الباكستاني في حرب أفغانستان. فهو يشبه موقف تركيا تماما.


تداعيات رفض المذكرة

بينما اعتبرت بعض الأوساط قرار الرفض نصرا باهرا للنظام الديمقراطي في تركيا، فقد رأى آخرون ذلك فشلا ذريعا لحكومة حزب العدالة والتنمية. إذ لم تتمكن من إخراج مشروع قرارها رغم حصولها على الأغلبية الساحقة في البرلمان، ورغم تأكيد رئيس الوزراء عبد الله غل على ضرورة تحرير المذكرة، ورغم تصريحات رجب طيب أردوغان زعيم الحزب الكاريزمي الداعية إلى ضرورة قبول القرار. واعتبر ذلك مؤشرا إلى انقسامات وخلافات داخل الحزب سوف تظهر في المستقبل. فقد رسبت الحكومة في أول اختبار جاد لها، الأمر الذي جعل مدى سيطرتها على زمام الحكم موضع نقاش. إذ كيف يمكن لحكومة منقسمة أن تحقق الاستقرار في البلاد إذا ما اتحدت حينا وانقسمت أحيانا أخرى. فسوف نرى في المستقبل ما إذا كان هذا القرار نصرا ديمقراطيا أم هزيمة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية.


هل يعني رفض المذكرة إنهاء مفهوم "الحليف الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة وتركيا؟ بالطبع لا، فالشراكة بين البلدين تقوم على المصالح، وما دامت المصالح المتبادلة قائمة فالشراكة قائمة
يرى بعض المراقبين أنه إذا كان لقرار الرفض هذا أثر فعال في إيقاف الحرب وجلب السلام فهو يعد نجاحا كبيرا، مهما كانت أضرار تركيا الاقتصادية. ولكن يبدو من التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الأميركيون أن العملية العسكرية ستتم مهما كان الثمن وإن لم تشارك تركيا. إذن فالصورة المستقبلية لتركيا لا تدعو إلى التفاؤل، وعليها أن تستعد لأفدح النتائج الممكنة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا. لأنها إذا أصرت على موقفها الرافض فهذا يعني انفلات زمام الأمور كلها من يدها.

فسياسيا:

  • لن تتمكن من منع تأسيس دولة كردية في شمال العراق، وهو ما تريده الولايات المتحدة للهيمنة على نفط كركوك والموصل.

وأمنيا:

  • ستقوم الحكومة الأميركية بتسليح الفصائل الكردية بأسلحة ثقيلة دون أن تتمكن تركيا من مراقبة ذلك أو منعه أو نزع هذه الأسلحة بعد الحرب.. وهناك تحريض أميركي واضح كما يقول المراقبون. والمظاهرات التي شهدتها بعض المناطق الكردية في شمال العراق قبل أيام ضد التدخل التركي لها دلالات بالغة. وإذا تخلت أنقرة عن الولايات المتحدة في هذه العملية فسوف تستعين واشنطن بالفصائل الكردية وتسلحهم بالأسلحة الثقيلة وتدفع لهم ثمنا -لا شك في ذلك- ألا وهو مساندتهم في تحقيق حلمهم. وهذا يعني الحرب بالنسبة لتركيا. كما أن الجميع يعلم أن خمسة آلاف عنصر تابع لحزب العمال الكردستاني لا يزال مخيما في شمال العراق. وفي حال حصول هذا الحزب على أسلحة ثقيلة فهذا يعني اندلاع عمليات إرهابية جديدة في شرقي تركيا مرة أخرى.
    ويجب ألا ننسى أنه لا يمكن لتركيا أن تدخل قواتها إلى شمال العراق بدون إذن أميريكي، فذلك ينطوي على مخاطر جسيمة. فاندلاع الحرب بين تركيا والأكراد أمر سهل للغاية. يكفي أن ترمى رصاصة عمياء يقتل بسببها بعض الجنود الأتراك.
    ومن ثم يؤكد الخبراء على ضرورة تعاون تركي - أميركي في شمال العراق للحيلولة دون وقوع حرب قد تشمل جميع المنطقة. ولكي لا تنفلت الأمور من زمام تركيا من الضرورة بمكان أن تكون قواتها في شمال العراق، وإلا فلن تنجح في إيقاف أفواج اللاجئيين الأكراد داخل الحدود العراقية ومنع عناصر حزب العمال الكردستاني من التسلل إلى الأراضي التركية. كما يجب على أنقرة آنذاك أن تتخلى من دورها الفعال في الحكومة العراقية المزمع تشكيلها بعد الحرب.

أما اقتصاديا:

  • فقد استقبلت الأسواق المالية القرار بشكل سلبي منذ يوم الإثنين، فارتفع سعر الدولار أمام العملة المحلية
  • وانخفضت مؤشرات البورصة
  • وارتفعت نسبة الفوائد بشكل سريع.
  • وكان من المقرر لتركيا أن تحصل على 8-9 مليارات دولار مع أول رصاصة
  • إضافة إلى قروض بمقدار 25-30 مليار دولار، وهو ما يتيح لها التخلص من أزمة الحرب بأقل أضرار ممكنة. أما الآن فعليها أن تواجه كل هذه النتائج الوخيمة لوحدها.

علاقات أنقرة وواشنطن في ضوء رفض المذكرة


من الواضح جدا أن الحكومة التركية لن تفضل البقاء خارج الحسابات في الحرب المرتقبة، ولن تترك البلاد لأزمة سياسية واقتصادية وأمنية تعاني من آثارها السلبية لعشرات السنين
هل يعني رفض المذكرة إنهاء مفهوم "الحليف الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة وتركيا؟ بالطبع لا، فالشراكة بين البلدين تقوم على المصالح، وما دامت المصالح المتبادلة قائمة فالشراكة قائمة.. ولكن من المؤكد أنها أصيبت بضربة في الصميم وأصبحت محل نقاش.. فقد يضعف التأييد الأميركي للحكومة التركية في المحافل الدبلوماسية العالمية، أي قد تضيع الحساسية الأميركية إزاء المصالح التركية في كثير من القضايا، وعلى رأسها تأييدها لتركيا في انضمامها لعضوية الاتحاد الأوروبي وحل المشكلة القبرصية.. ومما لا شك فيه أن اليونانيين قد فرحوا أكثر من غيرهم لقرار تركيا الرافض، إذ أن ذلك سيعزز موقفهم في مساوماتهم في القضية القبرصية.

مضى على رفض المذكرة خمسة أيام.. الجانبان التركي والأميركي يحرصان بشدة على عدم التصريح بأي بيان عنيف قد ينهي موضوع التعاون المشترك بالكامل.. وزير الخارجية الأميركي كولن باول قال لرئيس الوزراء التركي عبد الله غل في مكالمة هاتفية أجراها بعد القرار مباشرة بأنه يحترم قرار البرلمان، ولكنه يأمل أن تتم إعادة المذكرة للتصويت مرة أخرى في أيام قادمة، كما أكد أن العلاقات الإستراتيجية الموجودة بين البلدين لن تتأثر من هذا القرار. وقال بعض المسؤولين الأميركيين بأنهم فوجئوا بالقرار، وستكون تركيا الخاسرة إذا لم تساعد الولايات المتحدة في العملية العسكرية، علما بأنهم يتوقعون إعادة التصويت من جديد.

وقد أعلن قائد القوات الأميركية في أوروبا الجنرال جيمس جونز أن رفض البرلمان التركي لا يعرقل الخطط العسكرية الأميركية في العراق، وأن هناك خيارات بديلة للخطط الأميركية مشيرا إلى أن الأميركيين يسعون إلى محاربة العراقيين على جبهات عدة. ويقول محللون إن من بين الخيارات القوية إرسال آلاف من الجنود في شمال العراق على متن طائرات شحن تابعة لسلاح الجو تهبط في المطارات البدائية الموجودة بالفعل أو على الطرق السريعة. كما تستطيع الولايات المتحدة استخدام قاعدة إنجيرلك الجوية كمنصة انطلاق لطائراتها الحربية لضرب الأهداف العراقية وحمل الجنود إلى شمال العراق. ومما لا شك فيه أنه في حال إغلاق الجبهة الشمالية واختيار الجبهة الجنوبية فسوف تكون تكلفة الحرب عالية بالنسبة للحكومة الأميركية، وقد تتأخر الحرب ريثما تتم إرسال قواتها في مكان آخر.

أما الحكومة التركية فلا تزال تناقش الموضوع وتبحث عن طريق بديل لعرض مذكرة جديدة على البرلمان مرة أخرى. متى يكون ذلك؟ ربما بعد انتخابات تكميلية أي في حال نجاح رجب طيب أردوغان في الدخول إلى البرلمان كنائب، ثم تسلمه منصب رئيس الوزراء وتشكيله حكومة جديدة. فهل تصبر أميركا كل هذا الوقت؟ سنرى جميعا.

من الواضح جدا أن الحكومة التركية لن تفضل البقاء خارج الحسابات في الحرب المرتقبة، ولن تترك البلاد لأزمة سياسية واقتصادية وأمنية تعاني من آثارها السلبية لعشرات السنين.

_______________
*صحفي وكاتب تركي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة