معالم انهيار الجيش الأميركي في العراق   
السبت 1426/10/10 هـ - الموافق 12/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:10 (مكة المكرمة)، 9:10 (غرينتش)

علي حسين باكير

- انهيار إستراتيجية التجنيد

- انتشار الأمراض الصحيّة والنفسية

- انتشار الدعارة في صفوف الجيش

- الانسحاب من العراق

لقد بدأت دائرة تأثيرات المقاومة العراقية على الأميركيين تتسع, وقد وصلت تردداتها هذه المرة إلى الداخل الأميركي, فلم تكتف بإثارة موضوع ضرورة انسحاب قوات الاحتلال الأميركية من العراق, وإنما سلطت الضوء على المشاكل التي يعاني منها الجيش الأميركي ومنها عدم قدرة أقوى بلد في العالم على تعبئة جنوده لدفعهم إلى قلب المعركة، بالإضافة إلى الانهيار النفسي الذي يعانون منه.

"
30% من المجندين الجدد يتركون الخدمة خلال ستة أشهر، وبعض هؤلاء يتركون الخدمة على الأقل بسبب الهوة الواسعة بين الخبرات اليومية للشباب قبل الانخراط وحياة المجند أثناء التدريب
"
انهيار إستراتيجية التجنيد
من المعروف أن الجيش الأميركي يعتمد أساسا على نظام التطوع منذ العام 1973، ويبدو أن هذا النظام لم يعد مجديا منذ الحرب على أفغانستان والعراق, إذ تفيد التقارير بأن الجيش يعاني قصوراً بنسبة 40% عن تحقيق هدفه من التجنيد.

لقد أخفق الجيش في تلبية أهدافه الشهرية للتجنيد في كل من الشهور الأربعة الماضية، وفي منتصف يوليو/ تموز الماضي أذاعت القوات الأميركية أن الحرس القومي الأميركي "الذي يشكل أكثر من ثلث الجنود الأميركيين في العراق" أخفق في تحقيق هدف التجنيد للشهر التاسع على التوالي.

وقد كان هذا تقليلاً من شأن اتجاه أضخم، إذ يظهر أن الحرس القومي التابع للجيش قد أخفق في بلوغ أهداف التجنيد في 17 شهراً من الأشهر الثمانية عشرة الماضية.

إن الهبوط في أعداد المجندين يبلغ أقصى قوته في مجتمع الأميركيين الأفارقة "الذين يشكلون نسبة 12% من السكان" وبين النساء أيضاً، وقد شكل الأميركيون الأفارقة قرابة ربع مجندي الجيش عام 2000، والآن هبطت أعدادهم إلى أقل من نسبة 14%. أما عدد النساء اللاتي جندهن الجيش فقد انخفض من نسبة 22% عام 2000 إلى نحو 17%، وتشكل النساء نحو 15% من مجموع القوات.

ويبدو أن عدة عوامل كانت وراء عدم القدرة على هذه التعبئة, نستنتج منها ما يلي:

1- حجم الخسائر المادية والبشرية الكبيرة في الجيش الأميركي في العراق (يمكنكم مراجعة موقع Iraq Coalition Casualties على الرابط التالي: http://icasualties.org/oif

وهو يعتمد في إحصائياته على مصادر أميركية رسمية وغير رسمية)، إضافة إلى الانقسام الحاصل في الولايات المتحدة سواء في صفوف القادة أو الرأي العام حول جدوى الحرب في العراق ومدى قوة المقاومة العراقية.

2- الهزيمة النفسية التي تنتشر بين المجندين الأميركيين بعد أن كانوا يظنون أن جيشهم يقوم بنزهة في بلدان العالم الثالث, وأن الأمر لا يعدو كونه تمرينا طالما تمرسوا عليه, وأن التكنولوجيا والقوة البرية والبحرية والجوية إلى جانبهم, وإذ بهم يتفاجؤون بأن إنسانا عاديا لا يرتدي سوى ثوب ممزق (دشداشة) ويحمل كلاشنكوف لا يتعدى ثمنه عشرات الدولارات قادر على قتل عدد من الجنود الأميركيين يكلف كل واحد منهم نحو 30 ألف دولار ما بين تجهيز وتسليح وتدريب وحماية, ما أدى إلى انتشار نوع من الصدمة فيهم وبالتالي تفشي الهزيمة النفسية بينهم.

3- عدم الإيمان بعدالة القضية, فهناك الكثير من الجنود لا يرون فيها حربا عادلة وقد خبروها في الفترة الأولى من خدمتهم، لذلك ما إن انتهى عقدهم حتى رفضوا العودة إلى الخدمة من جديد.

ويقول أحد الجنود في هذا الصدد ويدعى جوشوا كاي, من مواليد العام 1978 في ناحية غوتري بأوكلاهوما "أزور الطبيب وأعاني من اضطراب نفسي وأعاني من قلة النوم ليلا ومن كوابيس عديدة، وأحيانا من هلوسات تعيدني فورا إلى العراق، هذا لا يختفي أبدا. يحتاج الأمر مع الأسف إلى سنوات عديدة حتى تخرج أميركا من تنويمها المغناطيسي وحتى تظهر الحقيقة حول الأعمال الوحشية التي تحدث في العراق، أنا لست ضد الحرب بالمطلق.. أعتقد أن هناك حروبا عادلة لكن ليست هذه الحرب".

ليس التجنيد وحده المشكلة، إن القوات المسلحة تواجه مشكلات في الاحتفاظ بجنودها، إذ إن نحو 30% من المجندين الجدد يتركون الخدمة خلال ستة أشهر، وبعض هؤلاء يتركون الخدمة على الأقل بسبب الهوة الواسعة بين الخبرات اليومية للشباب قبل الانخراط وحياة المجند أثناء التدريب.

وتشير بعض التقارير إلى أن الجيش بدأ يخفض معاييره لأداء الجندي ويخفض بالمثل خسائره، وقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أمر مذكرة عسكرية توجه القادة إلى عدم تسريح جنود بسبب ضعف لياقتهم البدنية أو أدائهم غير المرضي، أو بسبب الحمل أو الإدمان الكحولي أو تعاطي المخدرات.

وثمة مشكلات مع الهروب من الخدمة فقد اعترف البنتاغون بأن أكثر من 5500 جندي فروا من الخدمة منذ بداية حرب العراق، وعلى سبيل المقارنة فإن 1509 جنود فروا من الخدمة عام 1995، وقد أعلنت الحالات التي أصبحت علنية أنهم فعلوا ذلك لأنهم يعارضون الحرب.

وقد نقل عن خط هاتفي أقيم لمساعدة الجنود الذين يريدون ترك القوات المسلحة أن عدد المكالمات التي يتلقاها الآن هي ضعف عددها عام 2001، وقد رد هذا الخط الهاتفي الساخن على 33 ألف مكالمة في العام الماضي.

"
البنتاغون بات يساوره القلق من الحالة النفسية للجنود العائدين من العراق بسبب ما لحقهم من إصابات غير مرئية خاصة تلك المتعلقة بما يسمى مرض اضطرابات ما بعد صدمة الضغوط
"
انتشار الأمراض
الصحية والنفسية
تعد الأمراض النفسية والصحية التي تصيب الجنود إحدى أهم المشاكل التي يعاني منها الجيش الأميركي، وقد انتشرت بشكل كبير جدا خاصة منذ حرب الخليج الثانية حيث أصبح الجيش يخوض العديد من المعارك على الجبهات الأرضية, بعد أن كان يخوض حربه إما بالوكالة وإما جويا حيث يقوم بتدمير كل ما لدى العدو من قوة ثم يدخل بعدها جنوده بأقل الخسائر.

وهذا الأمر أثر كثيرا على الجنود الأميركيين الذين كانوا يعتقدون دوما أن حروبهم ستكون أشبه بنزهة, وما إن اصطدموا بجدار الواقع حتى بدأ الانهزام النفسي ينتشر في صفوفهم.

وقد أكد تقرير صدر مؤخرا أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بات يساورها القلق من الحالة النفسية للجنود العائدين من العراق، بسبب ما لحقهم من إصابات غير مرئية خاصة تلك المتعلقة بما يسمى مرض "اضطرابات ما بعد صدمة الضغوط" ويدعى (Post-Traumatic Stress).

وتتمثل عوارض هذا المرض باسترجاعات مفزعة من الذاكرة، والمراوحة بين التنميل (الخدر) العاطفي واندلاعات الغضب والشعور بالذنب والاكتئاب.

وقد يعاني بعضهم من فقد الذاكرة والقدرة على الانتباه ومن الأرق والقلق، وغالبا ما يقعون فريسة الإدمان على المخدرات والكحول في مرحلة لاحقة من حياتهم، بيد أن المعروف بشكل أقل هو أن اضطرابات ما بعد الصدمة تؤدي إلى صحة بائسة جسديا كما هي بائسة نفسيا.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن أكثر من 10 آلاف جندي أميركي عادوا من العراق طلبوا المساعدة الطبية حتى يتمكنوا من الاندماج من جديد في المجتمع بسبب شعورهم بصعوبة مخالطة الناس دون خوف، وإحساسهم بأنهم سيتعرضون لتهديد.

وقال المفتش الطبي العام بالجيش الأميركي إن شريحة تبلغ نسبتها 39% من قوات أميركية خضعت لفحص بعد أربعة أشهر من عودتها من العراق، أضحت فريسة للأمراض النفسية المرتبطة بالضغوط، في حين قال اللواء كيفين كيلي وعدد من الأطباء العسكريين بالجيش الأميركي إن المسح الذي أجري على قرابة ألف جندي، كشف أنهم فريسة أمراض نفسية تتفاوت من القلق والاكتئاب والكوابيس ونوبات الغضب إلى فقد القدرة على التركيز.

وتعاني فئة صغيرة تتراوح بين 3 و5% من أمراض نفسية خطيرة وذلك بعد مغادرتها ساحة الحرب مباشرة، وفق الطبيب النفسي بالجيش الأميركي العقيد أليسبيث ريتشي.

ويشير معهد دراسات السياسة الأميركي في تقرير له نشر يوم 31/8/2005 عن تكاليف الحرب الأميركية على العراق وعن موضوع انسحاب القوات الأميركية, إلى تدني الحالة النفسية للجيش وانخفاض الروح المعنوية للقوات خاصة بعد قرارات منع مغادرة الجنود من العراق.

فمنذ مايو/ أيار 2005 تسببت قرارات منع المغادرة بالتأثير على أكثر من 14 ألف جندي (نحو 10% من مجموع الجنود الذين يخدمون في العراق بدون تاريخ محدد لانتهاء خدمتهم) وهم يستعدون لتعبئة طلبات بهذا الخصوص لمغادرة العراق.

فالانتشار الطويل الأمد وازدياد الضغط النفسي والمستويات العالية من الإجهاد النفسي تمتد لتطال الحياة العائلية للجنود, ففي عام 2004 انتهى زواج 3325 ضابطا من الجيش الأميركي بالطلاق, بنسبة ارتفاع تبلغ 75% عن العام 2003 الذي تم فيه اجتياح العراق, وأكثر من ثلاثة أضعاف ونصف الرقم لعام 2000.

"
البنتاغون أعلن مؤخرا أن الجيش الأميركي تلقى في العام الأخير تقارير بوقوع 88 حادث اعتداء جنسي في منطقة القيادة المركزية الأميركية التي تشمل العراق والكويت فضلا عن القرن الأفريقي ومنطقة الخليج وآسيا الوسطى
"
انتشار الدعارة في صفوف الجيش

عادت فضائح الجيش الأميركي إلى الظهور على السطح مجددا، فبعد فضائح انتشار الشواذ في جيش الحرية الأميركي ومن ثم فضائح أبو غريب وغوانتانامو وسجون أفغانستان, تفشت هذه المرة ظاهرة "الدعارة في صفوف الجيش"، وليس هذا بمستغرب قياسا إلى سلم القيم الحضارية والأخلاقية والإنسانية التي ينحدر منها منتسبو هذا الجيش وأفراده وقادته.

اهتز الجيش الأميركي بفضائح الاعتداء الجنسي في السنوات الأخيرة، منها فضيحة تيلهوك عام 1991 وحالات أحدث في أكاديمية السلاح الجوي الأميركي بكولورادو.

أما حديثا فقد ذكر البنتاغون أن أكثر من 300 حالة تحرش جنسي ضد نساء بينها 64 حالة اغتصاب و34 حالة لواط سجلت في ثلاث أكاديميات عسكرية أميركية العام الماضي.

وقال تقرير للبنتاغون كشف عنه مؤخرا أن هناك أعدادا كبيرة من حالات التحرش الجنسي لم يعلن عنها ضد النساء اللاتي يمثلن بين 15 و17% من التلاميذ الضباط في الأكاديميات.

كما كشفت وثائق في الأكاديمية العسكرية الأميركية الواقعة في ويست بوينت والأكاديمية البحرية في أنابولس أنه خلال السنوات العشر الماضية لم تتم إحالة أشخاص متهمين بالاعتداء الجنسي إلى المحاكم الجنائية.

وكان البنتاغون قد أعلن مؤخرا أن الجيش الأميركي تلقى في العام الأخير تقارير بوقوع 88 حادث اعتداء جنسي في منطقة القيادة المركزية الأميركية التي تشمل العراق والكويت فضلا عن القرن الأفريقي ومنطقة الخليج وآسيا الوسطى بما في ذلك أفغانستان.

وأوضحت أن الاعتداءات الجنسية تشمل الاغتصاب أو محاولة الاغتصاب أو اللواط، علما بأن النساء يمثلن نحو 10% من بين نحو 110 آلاف جندي أميركي موجودين الآن في العراق.

ولم يقتصر الأمر على الدعارة مع المجندات, فقد أعادت وزارة الدفاع الاستعانة فيما بعد "بالشاذين" نتيجة للنقص العددي الذي تعاني منه في التجنيد, وقد كانت الوزارة قد أصدرت قانوناً عام 1993 يحظر على هؤلاء إعلان ميولهم الجنسية داخل المؤسسة.

وطرد البنتاغون بموجب هذا القرار نحو عشرة آلاف عنصر كانوا في مراكز حساسة شملت الترجمة العربية والتحليل الاستخباري, ولكن تمت الاستعانة بهم من جديد في العراق.

"
انسحاب القوات الأميركية من العراق أصبح يحظى باهتمام متزايد في الداخل لأن الوجود الأميركي في العراق بدأ يحد من قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات مهمة في مواضيع عديدة, ولأن المقاومة العراقية تبدو غير قابلة للتطويق والمعالجة
"
الانسحاب من العراق

ولا شك أن هذه الأسباب المذكورة أعلاه قد أثرت في الجيش الأميركي وزاد عليها ضغط المقاومة العراقية التي أدخلت هذا الجيش في دوامة كبيرة لا خلاص منها، فتصاعدت منذ فترة طويلة الدعوات والاقتراحات لتسريع انسحاب القوات الأميركية من البلاد حيث أصبحت تحظى باهتمام متزايد داخل الولايات المتحدة نظرا لعدد من الأسباب الإضافية ومن بينها:

أولا- ارتفاع التكلفة المادية والبشرية للوجود الأميركي في العراق, دون ظهور أي معالم واضحة لنهايته.

ثانيا- أن الوجود الأميركي في العراق بدأ يحد من قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات مهمة في مواضيع عديدة, وبالتالي فهو وجود سلبي التأثير عليها.

ثالثا- المقاومة العراقية التي يقول التقرير إنها تبدو غير قابلة للتطويق والمعالجة.

رابعا- تزايد الشكوك بين الأميركيين من أن نشاط القوات المسلحة الأميركية في العراق أصبح غير مجد على الإطلاق.

كل هذه التطورات تذكرنا بمشهد القوات السوفياتية الحمراء إبان غزوها لأفغانستان والذي كان إيذانا ببداية انهيارها.

فهل يدرك الأميركيون حجم المشاكل التي يعانون منها وأين زجوا بأنفسهم هذه المرة, أم أن غطرستهم قد أعمت بصيرتهم فلم يتعلموا شيئا من دروس التاريخ والجغرافيا؟
________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة