محاكمة مبارك.. بلاغة الدرس   
الأربعاء 12/9/1432 هـ - الموافق 10/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)
زهير إسماعيل

 
يُعتبر مثولُ الرئيس المخلوع حسني مبارك يوم 3 أغسطس/آب 2011 أمام القضاء المصري عنوانًا لمرحلة جديدة على صعيد الثورة في مصر وفي المنطقة العربيّة.
 
وكان ظهوره مُسجّى على سرير طبّي متنقّل صورةً بليغةً لِمَا آل إليه نظامُه تحت رغبةٍ شعبيّة جامحة في تصفية إرثِ فسادٍ واستبدادٍ، وعزمٍ شبابيّ على تأسيس الحريّة في أرض الكنانة وما حولها لا يَلِين.

سُنّة ماضِية
قبل اندلاع الثورة في المجال العربي، سادت ثقافة بين العامّة والخاصّة، مدارها على اليأس من تغيّر الحال السياسي واتجاه النظام العربي إلى توريث الاستبداد.
وقد كانت الخطوة الأولى في سوريا إثر وفاة حافظ الأسد. وكان منتظرا أن تتلوها خطوات أخرى في بقيّة الأقطار مثل مصر واليمن وتونس.

كان النظام العربي يُقيم توازن ضعف مع المجتمع ونخبه المختلفة ولم يكن يملك من عناصر القوّة إلاّ عنوانَها الأمني البوليسي، وتبعيّته للقوى الدوليّة ذات المصالح والنّفوذ.
 
وإذا كان ممّا استقرّت عليه السياسة في الاجتماع المعاصر قيام علاقات القوّة والتوازن بين الدولة وما اصطلح عليه بالمجتمع المدني، فإنّ بنية السياسة في المجال العربي شذّت بأنْ انفصل هرمُ السلطة قوّة ثالثة تُخضِع الدولة والمجتمع لنفوذها ولخدمة العائلة ومشتقاتها من المافيات المتعدّدة الاختصاص والمواهب.
 
وكان هذا التوجّه معزّزا بخطاب سياسي اجتماعي تكفّلت بصياغته نُخبةٌ طيّعة خَبِرت ما يحتاجه الفساد والاستبداد من لغة واصفة تَمْتَحُ من معجم معولم مداره على الشفافيّة ودولة القانون والمؤسّسات والحريّة وحقوق الإنسان... فانفرطت العلاقة بين الدّال والمدلول حين لم تَعْنِ الشفافيّة إلاّ ستارا حديديّا ودسائس، ولم تكن الديمقراطيّة إلاّ استبدادا بالرّأي مرضيّا، وصارت دولة القانون والمؤسّسات مزرعة خاصّة، ولم يتورّع كثير من خبراء القانون عن تيسير استيلاء السلطان وحاشيته على المال العامّ. وكان العُطْلُ شاملا والانسداد مُحْكما.. فكان الانفجار.
"
كان يمكن لمبارك أن يكون واقفا في القفص متحمّلا تبعات ما اقترفت يداه, ولكنّه كان مستبدّا رخوا ضعيفا. ممّا ينبئ عن أنّ القوّة التي كان يُظهِرها ما هي إلا سطوة مستعارة
"
إنّ حسني مبارك المُمدّد على سريره الطبّي في قفص الاتّهام وولداه إلى جانبه يدرك كلّ هذا. ولقد أنبأت هيئته هذه، عند كثير من المختصّين في تحليل الصورة، عن ضعف لا عنوان له إلاّ استدرار العطف ربّما لطول الأمل الذي يسكنه ويسكن كثيرًا ممّن هم في سنّه من بني آدم.
 
كان يمكن أن يكون واقفا متحمّلا تبعات ما اقترفت يداه. ولكنّه كان مستبدّا رخوا ضعيفا. ممّا ينبئ عن أنّ القوّة التي كان يُظهِرُها لَمْ تكن صورةً عن سجايا وخِلاَلٍ بقدر ما هي  سطوة مستعارة من قوّة السلطة والأجهزة.
 
ولعلّ من حسن حظّ الشعب في تونس ومصر أنّه ابتُلِي بحاكِمَيْن يُظهران قوّة مصطنعة ومزايا منتحلة ومروءة مستعارة.. إنّهما صورة من القويّ المستطيع بغيره.
 
ولا يقف المتأمّل في ظاهر جبروتهما إلاّ على باطن من قبله الخواء والذلّة والمسكنة. معانٍ رأيناها في خطاب بن علي الثالث وفي هيئة مبارك في قفص الاتّهام.
إنّ مصير مبارك، وقبله بن علي وغيرهما ممّن ظلموا، ليس بالحادث العرضي، إنّه سنّة ماضية وحقيقة مستمرّة وقانون مطّرد. وهو من ناحية أخرى عبرة لكلّ عاقل. وتثبيت لكلّ من اهتزّ يقينه بعدل الخالق وحكمته ولطفه.
 
وليس في اطّراد القانون غَناءٌ عن الجهد البشري من قول كلمة الحق في وجه السلطان وإنْ جار والعمل على تأسيس قيم الحريّة في حياة النّاس.

محاكمتان وصورتان
تستدعي صورةُ حسني مبارك الممدّد في قفص الاتّهام صورَ عديدٍ من الطّغاة الذين كانت نهايتهم المحاكمة العلنيّة. ولكنّ صورة صدّام حسين الواقف، في قفص الاتّهام، كنخيل العراق وجدناها الأقرب إلى الذاكرة ونحن ننظر إلى مبارك. ولسنا هنا بصدد المفاضلة بين استبداد واستبداد وإنّما للتنبيه على ما تشترك فيه الصورتان وما تختلفان فيه.
 
إنّ محاكمة صدّام حسين لم تكن من قبل شعبه الذي تمنّى، قسم منه على الأقلّ، أن يحاكمه. ولكن لم يتسنّ له ذلك. ولئن كان احتلال بغداد من قبل الولايات المتّحدة وحلفائها تحت دعاوى نزع أسلحة الدمار الشاملة المتهافتة، فإنّ هذا الحدث منظورًا إليه من زاوية سوسيولوجيّة يعتبر تطبيقا لمقولة الاستبداد الشرقي ذات الجذور الاستشراقيّة. ذلك أنّ هذا الاستبداد، وهو استبداد مغلق، لا يتوفّر على شروط الانتقال الذاتي نحو الديمقراطيّة إلاّ بعامل خارجي ليس سوى الاحتلال.
 
فالشعب العربي الذي هبّ في وجه المستعمر لم تكن له تقاليد في مقاومة الاستبداد الداخلي. فلا مناص من حضور المخلّص وكاسر حلقة الانغلاق، وهو في هذه الحال المستعمر الذي جاء حاملا معه الحريّة والعدل ادّعاءً.

ولم يكن تعاطف النّاس مع صدّام حسين لأنّه ابن البلد أو لأنّ من يحاكمه مستعمِرٌ والغٌ عبر تاريخه في دماء شعوب عديدة ولا أقلّ من ذكر الشعوب والقبائل من السكّان الأصليين في القارّة الأميركيّة الذين أبيدوا أو جريمة النّووي في هيروشيما، وإنّما لأنّه أبان عن شجاعة نادرة ومعدن رفيع ومروءة متأصّلة لا يمكن للفطرة السليمة إلاّ أن تميل إليها وتستحسنها.
 
واجه الرّجل قدَرَه ببسالة وكاد مشهد رباطة جأشه ونطقه بكلمة التوحيد وحبل المشنقة يلتفّ حول رقبته، يجبُّ ما قبله من مظالم نسبت إليه... ولقد حمل صدّام حسين، في كلّ جلسات محاكمته السياسيّة بالوكالة، مُصحفا، وحمل أحد أبناء مبارك مُصحفا ولكن شتّان بين الحامِليْن، حتّى لكأنّ المصحف المحمول في السياقين ليس واحدا: يواجه صدّام بالمصحف عدوّا ثقافيّا وقوّةً دوليةً جائرةً معربدةً قادمةً من وراء البحار.
ويواجه ابن مبارك بمصحفه قومَه وقد نهَبَ خيرهم وظلم حُرّهم وأهان كريمَهم.. يواجه به قاضيا افتتح جلسة هذه المحاكمة التاريخيّة باسم الحق والعدل.
"
واجه صدّام بالمصحف عدوّا ثقافيّا وقوّةً دوليةً جائرةً معربدةً قادمةً من وراء البحار, وواجه ابن مبارك بمصحفه قومَه وقد نهَبَ خيرهم وظلم حُرّهم وأهان كريمَهم 
"
إنّ محاكمة حسني مبارك تفسّر ما قبلها من تاريخ مصر المعاصر فهي تضيء جوانب من المرحلة الساداتيّة ومن المرحلة الناصريّة ومن السياق الذي انبتت فيه الدولة الوطنيّة، كما تفسّر جانبا مهمّا من تاريخ المجال العربي وتاريخ التدخّل الأجنبي... كأنّها محاكمة للتاريخ واستعادة لحقوق بقيت معلّقة لأجيال.
 
كما أنّ في هذه المحاكمة علاماتٍ قويّةَ الدلالة تتمثّل في اتجاه المجال العربي نحو الاجتماع والتوحّد التدريجي وما يتّصل بهذا من انحسار لقوى إقليميّة ودوليّة مثّل المجال العربي المُجزّأ مجالا مهمّا في سياستها وإستراتيجيتها.
 
وكذلك فيما بدأ يجتمع من مؤشّرات ضُعْفٍ ليست جليّة تماما في بناء الكيان الصهيوني الذي لا يملك، بكلّ الحسابات، عوامل الاستمرار.

إنّ محاكمة حسني مبارك مؤشّر على تحوّل في النظام العربي الذي قام على أنقاض الظاهرة الاستعماريّة ونقلة جذرية في حركة التحرّر العربي التي اتّخذت، مع الثورة، من تحقيق العدالة والتنمية أفقا ومن النموذج الديمقراطي وسيلة ومن تأسيس الحريّة غاية.
 
نحن أمام بداية لم يعرفها التاريخ العربي المعاصر, تمكّن الضحيّة من جلاّدها عبر ثورة الحريّة والكرامة. وكما كان إسقاط مبارك مقدّمة إلى إسقاط نظامه فإنّ محاكمته ينتظر أن تكون مقدّمة إلى محاكمة رموز الفساد وتفكيك بناه.
محاكمة عادلة
إنّ للقضاء المصريّ تقاليد في النزاهة والاستقلاليّة لا نكاد نجد لها نظيرا في البلاد العربيّة، رغم ما لحق به في العشريّة الأخيرة من أذى بسبب تأثير المافيا وتدخلاتها باستخدام السلطة التنفيذيّة والأمنيّة منها خاصّة للتأثير على سير القضاء.
 
وأمكن استدراج كثير من القضاة أو الضغط عليهم لتقنين نهب المال العام أو الاستيلاء على ممتلكات الآخرين. ولكن الجسم القضائي قادر على التعافي في وقت قياسي في أجواء الثورة وإعادة البناء. والمطلوب هو أن يُحاكَم حسني مبارك ومن معه محاكمة عادلة وشفّافة ونزيهة في كُلّ مراحلها. وأن يُحترم في شخصه، رغم إدانته، وتُوفَّر له كلّ معاني المعاملة الإنسانيّة الراقية. وإنّ إنزال النّاس منازلهم قيمة تسري حتّى على من أجرموا في حق الشعب. ومنها التلطّف في العبارة، وحسن المعاملة، والأخذ باللّين. وإنّ الوقوف في قفص الاتّهام في أرذل العمر إلى جانب الأبناء لمن أشدّ أنواع العقاب لمن بقيت فيه ذرّة من مروءة.

أن يحاكم حسني مبارك محاكمة عادلة شفّافة هو أفضل ردّ، ليس فحسب على تاريخ المحاكمات الصوريّة الظالمة في عهده، وإنّما على كلّ المحاكمات الظالمة في تاريخ النظام المصري والدولة المصريّة والنظام العربي أيضا.
 
تاريخ المحاكم الخاصّة التي هُدرت فيها كرامة المواطن وأُذلّت فيها قوى سياسيّة وطنيّة كان يمكن أن تكون إضافة في البناء الوطني لو لم تُقْصَ عن الفعل الإيجابي ظلما وعدوانا.
لا أقول إنّها محاكمة فرعون لأنّ الرّجل بدا، إلى هذا الطور من المحاكمة بِتَمارُضه، دون فرعون. كنّا سنحترمه لو كان أقوى. ويبدو أنّ حالات الضعف الإنساني والوهن لا يريدُها، مَنْ سَلِمت سَجيّتُه، حتّى لجلاّده.
 
لقد نجّاه الله ببدنه ليكون في قفص الاتّهام آية لمن خلفه من الحكّام، بل المحتلّين، العرب في ليبيا واليمن وسوريا وغيرهم من الظَلَمَة.

"
حوكم بن علي غيابيّا، ولكن لم يكن لمحاكمته وقعُ محاكمة حسني مبارك, ولئن كانت المحكمة التي مَثُل أمامها المتّهم عاديّة فإنّها لا يمكن أن تكون في جانبها الرمزي إلاّ محكمة شعبيّة
"
حوكم بن علي غيابيّا، ولكن لم يكن لمحاكمته وقعُ محاكمة حسني مبارك. ولئن كانت المحكمة التي مَثُل أمامها المتّهم عاديّة فإنّها لا يمكن أن تكون في جانبها الرمزي إلاّ محكمة شعبيّة.
 
إنّ حسني مبارك يَمْثُلُ أمام محكمة الشعب المصري أيّا كان الحكم. غير أنّ محاكمة رأس النّظام قد تُخفي النّظام الذي ما زال يقاوم ويسعى بوسائل مختلفة إلى إعادة إنتاج نفسه في الظروف المعلومة التي تمرّ بها الثورة رؤًى وقياداتٍ.
 
ولا نستبعد أن يكون جانبا من النّظام يشارك اليوم في محاكمة مبارك أملا في إبعاد ما من شأنه أن يقرّبه من دائرة الاتّهام، أو ما يُعطّل استعادة الشروط التي تيسّر تواصل المصالح والمغانم القديمة.
 
 ليست محاكمة رموز الفساد وأدواته إلاّ الوجه السالب للثورة، والمقدّمة لوجهها الموجب المتمثّل في الشروع في البناء الذي ينتظره الكثيرون.

وإنّه لممّا يثير الانتباه، تناغُمُ إيقاع الثورتين في تونس ومصر إلى حدّ التطابق أحيانا. ولقد شدّنا في الثورتين أمران نعتبرُهما أهمّ ما يميّزهما: يتمثّل الأمر الأول في قوّة دفع ذاتي فيهما، وهي قوّة يصعب تحديدها ولكنّها من علاماتها تحرّكات حاسمة وفي أوقات مفصليّة تقع خارج دائرة الأحزاب التقليديّة.
 
ويتمثّل الأمر الثاني في أنّنا إزاء نموذج للثورة جديد يحمل رسالة سياسيّة جديدة نراها في التبشير بهويّة انتظام أرقى من الدولة (ليست الفوضى) ولكنّ هذا النموذج الجديد يُقاَرَبُ بمناويل قديمة وثقافة سياسيّة نلخّصها في ثقافة الدولة (الانتخابات والأحزاب والبرلمان...) التي لا تملك الأحزاب سواها.
 
وهذا ما يفسّر استعادة مربّعات استقطاب إيديولوجي قديمة لا معنى لها اليوم في هذا الأفق الذي ترسمه ثورة الكرامة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة