تساؤلات على هامش الانقلاب السادس في موريتانيا   
الاثنين 1429/9/23 هـ - الموافق 22/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 18:51 (مكة المكرمة)، 15:51 (غرينتش)


الخليل النحوي

 

عرفت موريتانيا في تاريخها المعاصر ستة انقلابات ناجحة أحدثت كلها تغييرا في قمة هرم السلطة، وقد دأبت هذه الانقلابات على الإفصاح في بيانها الأول عن مسوغات الانقلاب، وعن مشروع سياسي ما يفهم من تسميتها كالإنقاذ أو الخلاص الوطني.. وكلها تصرح بصفتها العسكرية إلا الانقلاب السادس، فإنه خرج على المألوف، فلم يفصح عن هويته العسكرية ولم يعلن عن مشروع سياسي ما في تسميته، ولم يقدم أي مبرر للانقلاب، وإنما اكتفى بإلغاء إجراءات كان قد أصدرها رئيس البلد المدني في بيانه الأول.

يناقش المقال التالي أسباب هذا الانقلاب ويطرح أسئلة كثيرة حوله يمكن الاطلاع عليها من الروابط التالية:

- انقلاب ليس كغيره
- حلم لا يخلو من كوابيس
- تهم بلا بينات

واليوم، وقد حصل ما حصل، ولم يعد باستطاعتنا، وإلى أجل غير مسمى، أن نباهي بالطبعة الموريتانية المتميزة من الديمقراطية، يطرح المشهد السياسي الراهن أسئلة ملحة لا مناص من البحث لها عن إجابات مقنعة، ليس ضرورة من أجل "تقصي الحقائق" ولكن من أجل تأمين مستقبل موريتانيا، وحتى لا يلدغ المؤمن من جحر مرارا، أو حتى لا نعيد المرة تلو المرة حمل صخرة سيزيف.

حلم لا يخلو من كوابيس
"
موريتانيا تحتاج إلى رؤساء يحكمون ويقودون وهم يعلمون أن الشعب هو وحده الذي يمنحهم الثقة ويسحبها منهم ويحاسبهم على ما عاقدهم عليه
"
يطرح المشهد السياسي الموريتاني الراهن أسئلة كبرى حول قضايا كثيرة منها العلاقة بين السياسة والأخلاق، وبين العسكر والسياسة، وبين الديمقراطية والبنى الاجتماعية القائمة، وبينها وبين الأوضاع الاقتصادية والتربوية للناس، وبينها وبين التنمية، وبين التنمية وأشكال الحكم السياسي..

لكنني سأضرب صفحا الآن عن هذه الأسئلة على أهميتها البالغة، وسأكتفي بمناقشة عجلى لأحكام تقريرية تقرع مسامع الناس بعنف وقسوة منذ السادس من أغسطس، خاصة في ظل ثقافة كنا نحلم بأن يكون نجمها إلى أفول... ثقافة تقوم على تبخيس كل عمل صالح ونفي كل خير وتضخيم كل خطأ، ثقافة تثبت صدق الشاعر أبي الفتح البستي في عجز بيته:
الناس أعوان من والته دولته *** وهم عليه إذا عادته أعوان

لا أستبعد أن يحمل تلك الثقافة بعض من يحملونها عن حسن نية، ولكنني أعتقد أن مناقشة "مسلماتها" ضرورية لتحقيق حد أدنى من التوازن في الرؤية والقصد في الحكم، أملا بأن يمهد ذلك لمراجعة تتهيأ بها النفوس لطرح أسئلة كبرى والبحث لها عن إجابات..

سوف تبدو التساؤلات التي نطرحها في هذه المناقشة دفاعا عن الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله، وذلك أمر مشروع لا أتنصل منه البتة، وإن كنت لا أدعي للرئيس ولا لغيره العصمة، لكن الهدف الأعمق هو الدفاع عن موريتانيا المستقبل، موريتانيا التي تحتاج في حياتها القادمة إلى من يقودها، بأصوات أبنائها، طليقا غير مكتوف اليدين، عادلا غير مستبد، قويا من غير عنف، لينا من دون ضعف، رحيما غير فظ ولا غليظ القلب.. موريتانيا التي تحتاج إلى رؤساء يحكمون ويقودون وهم يعلمون أن الشعب هو وحده الذي يمنحهم الثقة ويسحبها منهم ويحاسبهم على ما عاقدهم عليه.

أحسب أن الدفاع عن موريتانيا المستقبل والمنافحة عن حق رؤسائها القادمين أيا كانوا في العمل للوفاء بالتزاماتهم يتطلب استخلاص الدروس والعبر مما يجري في البلد، واستكشاف ما تنطوي عليه الحملة الشعواء المشنونة اليوم على الرئيس "سيدي" من مخاطر الارتكاس بالمجتمع والإيغال بأهل الرأي وحملة الفكر من بنيه في ثقافة الانتجاع السياسي والظعن الدائب بين عدوتي الولاء والبراء، تتبعا لمساقط الغيث السياسي ومواقع الكلأ الإداري.

ومع التسليم بأن بعض من يشاركون في تغذية تلك الثقافة قد يصدرون في سعيهم عن اجتهاد لهم فيه تكأة من مبادئ أو مواقف سابقة، فإن استشراء هذه الثقافة، عُرْيًا من بوصلة قيم هادية، يشكل خطرا ماحقا سيكون من يحكمون أول ضحاياه، وقد لا يسلم نافخ الكير من شرارة تقع عليه، من حيث لا يدري ولا يريد.. ومعظم النار من مستصغر الشرر!

تتناغم أصوات إعلامنا الرسمي وأصوات بعض الفاعلين السياسيين لتمدنا بإجابات كثيرة لعل من أبرزها: تفادي ما هو أسوأ لأن رئيس الجمهورية كاد بقرار اتخذه أن يدفع بالبلاد نحو حرب أهلية!

"
هل انهار رصيدنا من بناء الدولة الحديثة إلى الحد الذي يجعلنا نخشى من الدخول في حرب أهلية لمجرد أن ضباطا سامين أقيلوا من مناصبهم؟
"
لسائل هنا أن يسأل: هل تراجع الشعب الموريتاني عقودا طويلة إلى الوراء؟ هل انحسرت منظومة القيم الدينية والاجتماعية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية؟ هل انهار رصيدنا من بناء الدولة الحديثة إلى الحد الذي يجعلنا نخشى من الدخول في حرب أهلية لمجرد أن ضباطا سامين -كانوا موضع ثقة عالية ومحل احترام وتقدير كبيرين- أقيلوا من مناصبهم؟

لا أريد أن أهون من شأن القرار، ولكنني أريد أن أسترعي الانتباه إلى خطورة الربط بين إجراء من هذا القبيل وبين احتمال وقوع حرب أهلية؟ ألا يطعن الذين يتحدثون عن هذا الخطر في شرف الضباط السامين أنفسهم؟ ألا يفترض أن يكون هؤلاء الضباط أحرص على وطنهم منهم على مناصب بإمكانهم أن ينالوا مثلها أو خيرا منها؟

أتكون تلك سنة متبعة، بحيث تكون إقالة أي مسؤول سام إرهاصا إما بانقلاب أو بحرب أهلية لا قدر الله؟ أم أن إقالة قائد عسكري قد تؤدي من ذلك إلى ما لا تؤدي إليه إقالة واعتقال رئيس دولة منتخب أو وزير أول معين من لدن هذا الرئيس؟ ما الفرق بين ضباطنا السامين الحاليين وأولئك الذين سبقوهم ممن شغلوا المراتب العالية وغادروها دون أن يتحدث أحد عن احتمال الدخول في حرب أهلية أو عن ضرورة انقلاب أو تصحيح؟

ما أحسب إلا أن لضباطنا اليوم مسكة من وطنية وحلم ونهى وبقية مما ترك الأولون من أضرابهم الذين سبقوهم، فلو دامت لأولئك لما وصلت إلى هؤلاء.

أتمسك شخصيا، شأن جل أبناء موريتانيا، برصيد عال من الثقة في جيشنا وفي ضباطنا السامين، وأربأ بهم أن يفكروا في التضحية بوطنهم لمجرد فقدان وظيفة قد تسترجع أو تعوض بمثلها أو أحسن منها.. وأعلم -ويعلم الناس- أن وزراء ورؤساء وزارات وقادة عسكريين أقيلوا أو نقلوا من مناصبهم على امتداد تاريخ الدولة الموريتانية، شأنها في ذلك شأن غيرها من دول العالم، ولم يحدث -قبل اليوم- أن قيل إن ذلك كان يمكن أن يجر إلى حرب أهلية.. بل إن رؤساء جمهورية أقيلوا أو انقلب عليهم من قبل، ولم يعتبر ذلك مدعاة إلى حرب أهلية..

أعلم أن الانقلاب لم "يبرر" بمجرد إقالة القادة العسكريين، وإنما برر بتهم أخرى بينها أن رئيس الجمهورية اتخذ قراره ليلا، وأنه عطل عمل المؤسسات، وأن حكمه اتسم بالاستبداد والفساد والرشوة وتدهور الظروف المعيشية للسكان وتبذير المال العمومي وغيرها من التهم التي توزن اليوم في الإعلام الرسمي الموريتاني بميزان الحسنات عند الله: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة..

لن أتوقف كثيرا عند اتهام رئيس الجمهورية بإعداد المرسوم المستفز ليلا.. فقد يكون المرسوم أعد ليلا كما يقال، وقد يكون أعد نهارا وأجلت إذاعته إلى الغد أو إلى يوم لاحق.. وعلى فرض أنه أُعد ليلا، فما الذي يحملنا على اعتبار رئيس الجمهورية رئيسا بالنهار فقط لا سلطة له في الليل؟ هل بايعه الناس على أن يحكم بالنهار، وقالوا له: كلام الليل يمحوه النهار؟

لما ذا لم نسجل عليه عمله شبه الدائب شطرا من الليل واتخاذه لقرارات عديدة في أوقات متأخرة نسبيا من الليل؟ أذكر جيدا أنني حضرت معه اجتماعا من هذه الاجتماعات امتد إلى نحو انتصاف الليل، واتخذ في نهايته قرارا بالخطة الاستعجالية الأولى وأعلن القرار يوم عطلة، ولم يطعن أحد فيه بسبب توقيته.

أما اتهام رئيس الجمهورية بأنه عطل عمل المؤسسات فهو من المضحكات المبكيات لمصادمته الواقع المشهود، في غالب الشأن على الأقل، ولعدم قيام الحجة فيه على ضرورة الانقلاب.

ألم يمارس البرلمان سلطاته كاملة في التشريع والاستجواب والرقابة على العمل الحكومي في دورات استغرقت ثمانية أشهر من أصل خمسة عشر شهرا من ربيع الديمقراطية والحريات العمومية في موريتانيا؟

ألم ينه السادة البرلمانيون دورتهم الاستثنائية في شهر يوليو/تموز دون أن يتمكنوا من تناول قضايا مهمة لأسباب تتعلق بهم لا بالحكومة؟ ألم يكونوا يرغبون أصلا في تأجيل الدورة الاستثنائية التي يزمع رئيس الجمهورية استدعاءها إلى شهر سبتمبر؟

كيف أصبحت الأيام المعدودات أمدا طويلا، حين بدا لبعضهم من بعد ذلك بداء، ورغبوا في استدعاء دورة طارئة عاجلة؟

"
الدستور يمنح رئيس الجمهورية ما هو أكثر مما اتهم به، ألا وهو حل البرلمان، وإن كان ليس بالضرورة أفضل الحلول. فهل أخطأ الموريتانيون عندما صوتوا على دستور يمنح رئيسهم هذا الحق؟
"
أعلم أن الزمن النفسي حاكم مهيمن على الزمن الرياضي، وبدون ذلك يصعب على المرء أن يفهم كيف طالت الأيام عندما طلب جمهور من النواب دورة استثنائية، وكيف قصرت الأسابيع والشهور عندما كانت الحكومة هي الراغبة في عقد دورة استثنائية؟

لكن هل يكفي تأجيل أسابيع فضلا عن أيام -مهما كانت وطأة الزمن النفسي- للحكم بأن رئيس الجمهورية عطل عمل المؤسسات؟ وهل كان التأجيل أصلا بنية التعطيل أم كان دفعا بالشكل تذرعت الحكومة فيه بالحرص على تطبيق النصوص؟

أما كان بإمكان السادة البرلمانيين أن يصبروا أياما معدودات ويحاولوا الوصول إلى هدفهم باحترام نصوصهم، بدل اتهام رئيس الجمهورية بتعطيل عمل مؤسستهم؟ أليس هو نفسه ذلك الرئيس الذي واجه من قبل انتقادات عديدة ممن اتهموه بأنه لم يمارس "دوره" في التأثير على الغرفتين عند انتخاب لجانهما واختيار رؤساء تلك اللجان؟

ألم يقل منتقدوه آنذاك إنه أفرط في الإيمان بالمؤسسات في دولة لم تصبح بعد دولة مؤسسات؟ ومع ذلك، ألم يفضل الرئيس أن يواجه ذلك النقد على أن يتدخل في سير البرلمان؟

وعلى فرض أن الرئيس مسؤول عن تأجيل الدورة الاستثنائية، وحتى عن رفضها -وهو ما لا دليل عليه- ألا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان ذلك كافيا لاعتبار طرق الحل الديمقراطي كلها مسدودة، والحال أن في الوقت سعة لمزيد من السعي وإقامة الحجة.

بل إن الدستور يمنح رئيس الجمهورية ما هو أكثر مما اتهم به، ألا وهو حل البرلمان، وإن كان ليس بالضرورة أفضل الحلول. هل أخطأ الموريتانيون عندما صوتوا على دستور يمنح رئيسهم هذا الحق؟

هل كان على العربات المصفحة أن تتحرك للإطاحة برأس الدولة حتى تفض النزاع بين الحكومة والبرلمان، أو بين الفرقاء السياسيين المتنازعين في الكويت ولبنان وكينيا وزيمبابوي وتايلند وأوكرانيا وبوليفيا وغيرها من الدول التي عاشت أزمات سياسية في الشهور الماضية ولم تشهد انقلابات عسكرية، أم أنه اختصاص موريتاني محض؟

هل كانت الأزمة السياسية عندنا معقدة ومعضلة ومزمنة ومعمرة أكثر من أي أزمة أخرى في أي بلد آخر، وإلى حد لا ينفع معه إلا الدواء بالكي؟

هل كانت آليات الديمقراطية -حتى وإن اعترفنا بأنها فصلت أصلا على مقاس غير مقاسنا- عاجزة عن حل الإشكالات القائمة، أم أن قدرتها على حل هذه المشاكل أضعف من قدرة السيف، حتى نناجز المتنبي ونرد عليه قوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعان *** هو أول وهي المحل الثاني

هل كنا بصدد فتح عمورية حتى ننشد مع أبي تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتب *** في حده الحد بين الجد واللعب

أم أننا وضعنا بلدنا في مأزق كان بإمكان من وضعوه فيه أن يخرجوه منه باللين والرفق على حد قول شاعرنا ابن الشيخ سيديا:
ينال بالرفق ما بالعنف لم ينل..

هل كانت موريتانيا البلد الوحيد الذي لا تجدي فيه الآليات الدستورية نفعا؟ وفيم التبشير إذن بالانتخابات وبالديمقراطية من جديد؟ وما الحاجة إذن إلى البرلمان، خاصة إذا كان هذا البرلمان لا يستطيع أن يُسَير سجاله مع الحكومة إلا بسلطان من سيف مصلت ومدفع منصوب؟

هل كان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله ذلك الرجل الذي عرفناه مُوَطّأ الأكناف، دمث الخلق، حريصا -ربما لحد الإسراف- على التفويض الواسع للسلطات والتشاور المنتظم مع كل الفرقاء؟ أم كان ذلك الرجل الذي يوصف بالاستبداد والسلطوية والتعطيل الممنهج لعمل المؤسسات؟

كم عدد الرؤساء الذين يقاسمون زعماء المعارضة في بلادهم منصة الشرف في المناسبات الرسمية؟ ألم تكن تلك، بتلاوينها الأخرى، لوحة شرف رائعة ارتسمت في موريتانيا لأول مرة في عهد الرئيس الذي يوصف اليوم بأنه كان مستبدا؟

كم كان عدد سجناء الرأي في ظل حكم هذا الرئيس "المستبد"؟ كم عدد الأفواه التي كممها أو الصحف التي صادرها؟ ألم يقبل رئيس الجمهورية في تواضعه وإيمانه بالحرية أن يكون مادة للبرامج الكوميدية في التلفزة الموريتانية الرسمية؟

ألم يرفض ما درجت عليه وسائل الإعلام الرسمية من تمجيد الحاكم لحد التقديس؟ أكان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله مع ذلك كله فظا لا يصلح له إلا القرع بالعصا؟

أكان العمل الجاد من أجل الفصل بين السلطات، وتنظيم سلسلة من حلقات التشاور الموسعة حول قضايا الوطن وإطلاق المنتديات العامة للتربية وتأسيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي خطوات على طريق الاستبداد؟

"
هل نريد من الرئيس في سنة وبضعة أشهر أن يحقق في موريتانيا ما لم تحققه أميركا على مدى عصور للفقراء في حي هارلم في قلب نيويورك، ولم تحققه أوروبا لنحو 70 مليونا من فقرائها، ولم تحققه فرنسا لنحو 7 ملايين فقير؟
"
لنضرب عن ذلك صفحا، ولننظر في اتهام رئيس الجمهورية بالمسؤولية عن تدهور الظروف المعيشية للسكان..

ربما كان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله -وليس بدعا في ذلك من رؤساء هذا الزمان- رئيسا غير محظوظ لأنه انتخب في بلد تبلغ نسبة الفقر فيه نحو 46%، ولأن بلده هذا جزء من كوكب يعاني كله في هذا الزمان من أزمة طاقة وأزمة غذاء عالمية تشتد وطأتها على أولئك الذين لا ينتجون غذاءهم.

لكن هل يمنحنا ذلك الحق في اتهام الرئيس سيدي بالمسؤولية عن تدهور الظروف المعيشية للسكان؟ هل منحنا أنفسنا الوقت والوسائل اللازمة لمعرفة إن كان الموريتانيون قد أصبحوا حقا أشد فقرا منذ أن انتخبوا سيدي محمد بن الشيخ عبد الله رئيسا؟ وهل منحناه هو الوقت ليحارب الفقر كما ينبغي أو كما نريد منه أن يحاربه؟

هل نريد منه في سنة وبضعة أشهر أن يحقق في موريتانيا ما لم تحققه أميركا على مدى عصور للفقراء في حي هارلم في قلب نيويورك، ولم تحققه أوروبا لنحو 70 مليونا من فقرائها، ولم تحققه فرنسا لنحو 7 ملايين فقير نحو نصفهم يعيشون تحت خط الفقر النسبي!

بأي منطق يكون رئيس جمهورية تسلم مقاليد الأمور لتوه مسؤولا عن فقر الشعب الموريتاني، وكأن الفاقة ما مست هذا الشعب إلا منذ سنة أو تزيد، وكأن أي مجهود لم يبذل من أجل التخفيف من معاناة السكان والتحسين من ظروفهم المعيشية؟

ألم يكن الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله، على ضيق المهلة التي منحت له، صاحب المبادرة في الدعوة إلى النفير العام من أجل الزراعة وفي إطلاق برنامج التدخل الخاص الذي نظرت إليه الهيئات الدولية ذات الاختصاص بتقدير ملحوظ ووصفته بأنه نموذج يحسن بالدول الأخرى أن تستلهم منه؟

ألم تعلن بعض الدراسات المحايدة أن نسبة الهشاشة الغذائية قد انخفضت في موريتانيا بعد إطلاق هذا البرنامج؟ ألم تعلن الجهات الدولية المختصة أن موريتانيا حققت عام 2007 نسبة نمو تناهز 6%؟

وأين نحن من الورشات الكبرى التي نشطت في ولاية الرئيس، خاصة مشروع "آفطوط الساحلي" الذي تزحف أنابيبه بسرعة نحو نواكشوط، ومشروعات أخرى على وشك الانطلاق مثل تأهيل طريق "كيفه الطينطان"، وطريق "نواكشوط القوارب"، وتوسعة ميناء نواذيبو، فضلا عن تخفيف عبء المديونية على موريتانيا.

ألم تتمهد السبيل للدخول في مشروعات أخرى واعدة، مثل مشروع مطار نواكشوط الدولي الجديد، ومشروع بناء الحرم الجامعي، وصرح البرلمان الموريتاني، وسكة الحديد، وتوسعة ميناء نواكشوط، وإطلاق شركات طيران جديدة، ومشروع المدينة السياحية في نواذيبو؟

ألم يشرع المستثمرون الخواص في التنافس بقوة وحماسة على الاستثمار في ميادين الإعمار والزراعة والنقل والخدمات وغيرها من الميادين الحيوية في موريتانيا؟ ألم ينجح الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله في إقناع هيئات التمويل العربية بالتعاون مع موريتانيا في تصميم وتمويل خطة لتحقيق الاكتفاء الغذائي في أفق عام 2012؟

أيجوز لنا مع ذلك أن نعتبر أن رئيس الجمهورية لم ينجز شيئا ولم يحرك ساكنا؟

وأبناء موريتانيا الذين عملوا تحت إمرته خلال الشهور الماضية، أيا كانت مواقعهم، ألا يجدون في اتهام رئيس الجمهورية اتهاما مباشرا لهم، وهم الذين وقفوا معه بجد وكد لتهيئة الظروف لانتعاشة اقتصادية مميزة؟
_______________________
مستشار الرئيس الموريتاني السابق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة