الإساءة لحكم القانون دوليا   
الأحد 1435/3/12 هـ - الموافق 12/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:11 (مكة المكرمة)، 13:11 (غرينتش)
براهما تشيلاني



من الواضح أن إعلان الصين مؤخرا إقامةَ منطقة تحديد الهوية لأغراض الدفاع الجوي (مجال جوي مؤمن) تمتد إلى مناطق لا تسيطر عليها، لا يشترك في شيء مع اعتقال أميركا لدبلوماسية هندية مقيمة في نيويورك وتفتيشها ذاتيا بدعوى أنها لا تدفع الأجر الكافي لمدبرة منزل أحضرتها معها من الهند.

والواقع أن هذين الحدثين يلخصان النهج الأحادي الذي تتعامل به كل من هاتين القوتين مع القانون الدولي.

ظلت الدول القوية تروج لفترة طويلة لنظام عالمي قائم على القواعد باعتباره ضرورة أساسية للسلام والأمن الدوليين، ورغم ذلك فهناك تاريخ طويل من استهزاء القوى الكبرى بالقانون الدولي واستخدامه ضد دول أخرى.

الدول القوية ظلت تروج لنظام عالمي قائم على القواعد باعتباره ضرورة أساسية للسلام العالمي، ورغم ذلك فهناك تاريخ طويل من استهزاء القوى الكبرى بالقانون الدولي واستخدامه ضد دول أخرى
وقد فشلت عصبة الأمم لأنها لم تكن قادرة على معاقبة أو ردع مثل هذا السلوك. واليوم، تشكل الولايات المتحدة والصين مثالين رئيسيين لهذا النهج الأحادي في التعامل مع العلاقات الدولية، حتى وهما تشددان على دعمهما لتعزيز القواعد والمؤسسات العالمية.

ولنتأمل هنا حالة الولايات المتحدة التي رفضت الانضمام إلى معاهدات دولية رئيسية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار لعام 1982، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للممرات المائية الدولية عام 1997 (والتي لم تدخل بعد حيز التنفيذ)، وقانون المحكمة الجنائية الدولية عام 1998.

والواقع أن هذه النزعة الأحادية تظل هي الفكرة المهيمنة على السياسة الخارجية الأميركية، وينعكس هذا أيضا في تدخلاتها الدولية، سواء في الحرب الإلكترونية والمراقبة أو الهجمات بطائرات بلا طيار أو الجهود الرامية إلى تغيير الأنظمة.

ومن ناحية أخرى، أدى الثقل الجيوسياسي المتزايد الذي اكتسبته الصين إلى استعراض العضلات والمطالبات السيادية في آسيا والتي تتجاهل المعايير الدولية.

وترفض الصين بعضا من نفس هذه المعاهدات والاتفاقيات التي رفضت الولايات المتحدة الانضمام إليها، بما في ذلك قانون المحكمة الجنائية الدولية واتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للممرات المائية الدولية (أول قانون يؤسس القواعد الحاكمة للموارد المشتركة للأنهار والبحيرات ومخازن المياه الجوفية العابرة للحدود الوطنية).

والواقع أنه رغم تنافرهما الجيوسياسي فإن الديمقراطية الأكثر قوة في العالم وبيرقراطيته الأكثر قوة تشتركان في الكثير عندما يتعلق الأمر بالكيفية التي تتناول بها كلتاهما القانون الدولي.

على سبيل المثال، لا تزال أصداء السابقة التي أقرتها الولايات المتحدة في دعوى أقامتها نيكاراغوا أمام محكمة العدل الدولية عام 1984 تتردد في الصين، والتي تؤكد أن القوة لا تزال هي الحق في العلاقات الدولية.

فقد قررت محكمة العدل الدولية أن أميركا انتهكت القانون الدولي عبر دعم متمردي الكونترا في تمردهم ضد حكومة نيكاراغوا وزرع الألغام في موانئ البلاد.

ولكن الولايات المتحدة منعت نيكاراغوا من الحصول على أي تعويض باستخدام حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد القرارات التي دعت إلى إنفاذ حكم محكمة العدل الدولية.

ولا تزال الصين متمسكة باعتقاد ماو تسي تونغ بأن "القوة تنبع من فوهة البندقية". ورغم تصديق الصين على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار، فإنها ذهبت إلى تفسير أحكامه لتبرير التعدي على الخرائط في بحر جنوب الصين وبحر شرق الصين.

رغم أن المجال الجوي الجديد الذي أقامته الصين يستهدف ترسيخ مطالباتها السيادية بمناطق تسيطر عليها اليابان وكوريا الجنوبية، فإنه استفزازي على نحو مماثل لأنه يمتد إلى مناطق لا تسيطر عليها الصين
والأسوأ من هذا أن الصين رفضت قبول آلية تسوية المنازعات التابعة لاتفاقية قانون البحار، وبالتالي تظل غير مقيدة في تبديل الحقائق على الأرض.

وقد تقدمت الفلبين بشكوى ضد الصين لدى المحكمة الدولية لقانون البحار، ولكن الصين رفضت ببساطة المشاركة في الإجراءات، كما لو كانت فوق القانون الدولي.

وأيا كان قرار المحكمة فإن الصين ستتجاهله ببساطة، ولا يستطيع غير مجلس الأمن فرض حكم صادر عن محكمة دولية ضد دولة غير ممتثلة للقانون، ولكن الصين تملك حق النقض في مجلس الأمن وستمنع فرض أي حكم سلبي صادر ضدها، كما فعلت الولايات المتحدة في حالة نيكاراغوا.

والواقع أن المجال الجوي المؤمن الجديد الذي أقامته الصين، ورغم أنه يستهدف ترسيخ مطالباتها السيادية بمناطق تسيطر عليها اليابان وكوريا الجنوبية، فإنه استفزازي على نحو مماثل لأنه يمتد إلى مناطق لا تسيطر عليها الصين، وهو ما يشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.

وقد طلبت اليابان من خطوطها الجوية تجاهل طلب الصين تقديم إخطارات مسبقة برحلات الطيران، حتى لو كانت عابرة للمنطقة الجديدة ولا تتجه نحو المجال الجوي الإقليمي الصيني.

وعلى النقيض من ذلك، نصحت الولايات المتحدة شركات الطيران الأميركية بالامتثال لطلب الصين بالإخطار المسبق.

وهناك سبب وجيه وراء هذا، فرغم أن قاعدة الإخطار المسبق في السياسة الأميركية لا تنطبق إلا على الطائرات المتوجهة إلى المجال الجوي الوطني للولايات المتحدة، فإن واشنطن في الممارسة العملية تطالب كل الطائرات العابرة لمجالها الجوي المؤمن بالإخطار المسبق بصرف النظر عن وجهتها المقصودة.

وإذا قررت بلدان أخرى الاقتداء بهذا المثال الذي وضعته الصين والولايات المتحدة عبر إنشاء مزاعم من جانب واحد بالسيادة على مجالات جوية، فإن هذا من شأنه أن يفضي إلى وضع خطير.

وبالتالي فإن القواعد الدولية الملزمة تشكل ضرورة حتمية من أجل ضمان سلامة النقل الجوي التجاري السريع النمو، ولكن من الذي يفترض أن يأخذ زمام المبادرة في ظل هذا الإصرار الصيني والأميركي على ملاحقة نهج أحادي في التعامل مع هذه القضية؟

والآن فلنتأمل قضية الدبلوماسية الهندية ديفياني خوبراجيد التي اعتبر مستشار الأمن القومي الهندي التعامل معها "دنيئا ووحشيا".

صحيح أن خوبراجيد بوصفها دبلوماسية تعمل في القنصلية تتمتع بحصانة دبلوماسية محدودة فقط بموجب اتفاقية فيينا بشأن العلاقات القنصلية لعام 1963. ولكن هذه الاتفاقية تكفل الحرية من الاحتجاز حتى المحاكمة والإدانة، باستثناء "الجرائم الخطيرة".

هل يجوز لنا أن نصف نزاعا على الأجر باعتباره "جريمة خطيرة" تستدعي الاعتقال والإذلال؟ وهل تتسامح الولايات المتحدة مع معاملة مماثلة لأي من مسؤوليها القنصليين؟

الحقيقة القاسية هي أن الولايات المتحدة تفسر اتفاقية فيينا تفسيرا مقيدا في الداخل ولكن بمنتهى الحرية في الخارج، من أجل حماية حتى المتعاقدين العسكريين والاستخباريين الذين ترسلهم إلى الخارج
الحقيقة القاسية أن الولايات المتحدة تفسر اتفاقية فيينا تفسيرا مقيدا في الداخل ولكن بمنتهى الحرية في الخارج، من أجل حماية حتى المتعاقدين العسكريين والاستخباريين الذين ترسلهم إلى الخارج.

وتشمل إحدى الحالات الكلاسيكية عميل وكالة المخابرات المركزية الأميركية ريموند ديفيز الذي أطلق النار على رجلين فقتلهما عام 2011 في لاهور بباكستان.

وبزعم أن ديفيز كان دبلوماسيا حسن النية يعمل في قنصليتها بلاهور، وبالتالي يتمتع بالحصانة من الملاحقة القضائية، اتهمت الولايات المتحدة باكستان باحتجازه بشكل غير قانوني، ودافع عنه الرئيس باراك أوباما بوصفه "الدبلوماسي الأميركي في باكستان".

ورغم الاعتقاد السائد على نطاق واسع بأن النظام الدولي الحالي يقوم على قواعد واضحة، فإن الحقيقة هي أن القوى الكبرى هي من يصنع القواعد وهي من يفرضها، وهي تميل إلى انتهاك القانون الدولي أو التلاعب به عندما يكون في مصلحتها أن تفعل ذلك.

وإذا كان التوافق العالمي على نظام دولي قائم على قواعد ثابتة لا يزال حلما بعيد المنال، فإن أهم سبب لذلك هو أن الدول التي ينبغي لها أن تقود هذه المهمة لا تزال تتصرف مثل الدول المارقة غالبا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة