خريطة القوى في البرلمان العراقي   
الخميس 5/12/1426 هـ - الموافق 5/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


- الغالبية للائتلاف لكن الصدارة للصدر
- الأكراد.. حصة أكبر من حقهم
- العرب السنة.. المشاركة الواسعة يجهضها التزوير
- المواقف السياسية للقوى البرلمانية

ها هي معركة الانتخابات العراقية قد وضعت أوزارها، فاتحة الأفق على مرحلة تبدو للوهلة الأولى جديدة، لكن مزيدا من التدقيق سيكشف أن جديدها أقل من قديمها، وأن قديمها سيظل الأكثر أهمية في واقع الحال، على الأقل حتى يعود الغزاة إلى رشدهم ويرحلوا تاركين للعراقيين حرية بناء مستقبلهم بأيديهم بعيدا عن الهيمنة الأجنبية.

في هذه السطور سنتوقف عند نتائج الانتخابات من زاوية دلالاتها على حجم القوى السياسية والطائفية والعرقية في عراق اليوم، فضلا عن مؤشراتها المتوقعة بخصوص المواقف السياسية من الملفات الأساسية المطروحة على جدول أعمال الجدل العراقي.

فما الموقف من وحدة العراق وملف الفدرالية والموقف من المقاومة، وكذلك ما الموقف من وجود قوات الاحتلال على أرض العراق، سواء كان وجودا مباشرا أم من خلال قواعد عسكرية، مع أن الأرقام التي بين أيدينا ليست رسمية، وإن بدت أقرب إلى النتائج النهائية.

لا يعني ذلك أننا نؤكد ما قيل بشأن نزاهة الانتخابات، بل إننا نميل إلى العكس في واقع الحال، إذ شهدت تزويرا واسعا بالفعل، قبل التصويت وبعده، لكنه تزوير لا يغير كثيرا في الاستنتاجات التي يحملها هذا التحليل.

"
لائحة الائتلاف ثبتت أقدامها بقوة في الساحة، لا كممثل للشيعة فقط، ولكن بوصفها اللائحة التي تملك أعلى الأصوات، بل ربما الغالبية أيضا في حال استقطابها لآخرين من كتلة علاوي وسواها
"
الغالبية للائتلاف لكن
الصدارة للصدر
لم يكن غريبا أن يحصد الائتلاف الشيعي المسمى الائتلاف الموحد أعلى الأصوات وبالتالي المقاعد في الانتخابات، ليس لأن الشيعة يشكلون النسبة العليا بين طوائف المجتمع العراقي وحسب، إلى جانب ما مارسه أزلامه من تزوير متعدد الأشكال، بل أيضا بسبب نجاحه في تثبيت نفسه ممثلا للكتلة الشيعية، أو لنقل الممثل الأكبر لها بوجود لوائح يمكنها الحصول على بعض أصوات الشيعة.

فهناك لائحة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي المقرب من الأميركيين، فضلا عن لوائح صغيرة أخرى، منها لائحة "رساليون" القريبة من بعض دوائر التيار الصدري التي رأى البعض في تشكيلها نوعا من الاحتجاج على دخول التيار ضمن لائحة الائتلاف.

والحال أن دمج التيار الصدري في الائتلاف قد ضاعف من قدرة هذا الأخير على استقطاب أصوات الشيعة، حيث ثبت في مناسبات عديدة أن الزخم الشعبي للصدريين ما زال يتفوق على الأحزاب المنضوية في إطار الائتلاف، ربما ليست مجتمعة، ولكن إذا أخذ كل واحد منها على انفراد، مع أن البعض يرى أنه يساويها مجتمعة.

هذه المعادلة أدركها قادة الائتلاف فكان أن منحوا، ربما مكرهين، تيار الصدر مقاعد في اللائحة تساوي مقاعد المجلس الأعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم، فيما حصل حزب الدعوة على نصف مقاعد التيار والمجلس، والنتيجة كما قلنا هي تثبيت الائتلاف ممثلا للكتلة الشيعية أو غالبيتها الساحقة على أقل تقدير.

من المؤكد أن دعم السيد علي السيستاني للائحة لائتلاف كان مهماً إلى حد كبير، وليس صحيحا بالطبع أنه لم يدعمها، ذلك أن إشارات صريحة قد وردت منه تؤكد هذا الموقف، مثل قوله بضرورة دعم القوائم الدينية أولا، ثم حثه الناس على التصويت للقوائم الكبيرة من أجل تجنب تشتيت الأصوات.

هناك أيضاً الدعم الإيراني منقطع النظير، وهو دعم لم يتوقف عند حدود تمويل حملة انتخابية واسعة، بل تجاوزها نحو توفير بطاقات انتخابية مزورة عبر صهاريج جاءت من إيران، وإن تم إنكار هذه المعلومة من قبل المعنيين في الائتلاف والداخلية العراقية.

وقد قيل أيضا إن إقناع السيد مقتدى الصدر بالانضمام إلى الائتلاف قد تم أيضا من خلال الإيرانيين، وذلك عن طريق مرجعه الديني كاظم الحائري الذي يعيش في إيران، والذي كان والده السيد محمد صادق الصدر قد أوصى بتقليده في حال وفاته.

على أن ذلك كله لم يكن ليدفع المراقبين إلى توقع ما هو أكثر من نسبة 40% من المقاعد للائحة الائتلاف، وبالطبع على خلفية القناعة بأن الشيعة هم في حدود نصف السكان، وأن جزءا من أصواتهم سيذهب إلى لائحة علاوي واللوائح الشيعية الصغيرة الأخرى.

واللافت أن زلماي خليل زاده السفير الأميركي الأهم منذ مجيء الاحتلال قد رتب أوراقه على نتيجة تمنح لائحة العرب السنة ولائحة الأكراد، إلى جانب لائحة علاوي ما يزيد عن 50% من الأصوات، ما يوفر لهم فرصة تنصيب علاوي رئيسا للوزراء بدل ذهاب المنصب إلى الجعفري أو عادل عبد المهدي من الائتلاف، من دون أن يعني ذلك استبعادا تاما لهذا الأخير، وإنما بانضوائه تحت لواء علاوي.

والنتيجة في تلك الحالة تكون حكومة غير طائفية يمكنها أن تمنح العرب السنة شيئا من الأمان وصولا إلى دفعهم نحو الابتعاد عن المقاومة، وأقله تنظيم القاعدة بعد استيعاب قوى المقاومة الأخرى في العملية السياسية.

وهناك أمل أن يؤدي ذلك إلى تحقيق الاستقرار وصولا إلى تخصيص قواعد عسكرية للأميركيين تحافظ لهم على مصالحهم في العراق.

جاءت النتيجة شبه النهائية لتمنح الائتلاف 130 مقعدا، أي حوالي 47% من المقاعد، وهي نتيجة كبيرة دفعت القوى السنية وكتلة علاوي إلى الاحتجاج والمطالبة بإعادة الانتخابات.

والخلاصة أن اللائحة قد ثبتت أقدامها بقوة في الساحة، لا كممثل للشيعة فقط، ولكن بوصفها اللائحة التي تملك أعلى الأصوات، بل ربما الغالبية أيضا في حال استقطابها لآخرين من كتلة علاوي وسواها (بينها وبين الغالبية ثمانية مقاعد لا غير).

"
المحافظات الكردية منحت عددا من المقاعد أكبر من حصتها الطبيعية، ولا أدل على ذلك من اعتبار 90% من سكان مدينة دهوك ناخبين
"
الأكراد.. حصة
أكبر من حقهم
ربما كان الرقم الذي حصل عليه الأكراد، بكتلتهم الجامعة إلى جانب كتلة الاتحاد الإسلامي الكردستاني متوقعا إلى حد كبير.

لكن ذلك لم يكن نتيجة القناعة بحقهم في الحصول عليه، بقدر ما هي القناعة بما وقع من تزوير، سواء كان التزوير الأولي الذي حصل في آلية توزيع المقاعد على المحافظات، التي حابت الأكراد بوضوح، أو التزوير أثناء التصويت استنادا إلى قدرتهم وهم المستقلون عمليا بما يشبه دولة، على ترتيب عملية تزوير لا يجرؤ أحد على فضحها، لا سيما إذا حازت على رضا الأميركان، فيما لن يفضل الشيعة الاصطدام بالأكراد الأقرب إلى واشنطن منهم.

بالنسبة للتزوير الأولي الذي أشرنا إليه فقد منحت المحافظات الكردية عددا من المقاعد أكبر من حصتها الطبيعية، ولا أدل على ذلك من اعتبار 90% من سكان مدينة دهوك ناخبين، الأمر الذي ينافي كل القواعد المعروفة في هذا الإطار.

ويكفي أن تمنح المحافظات العربية السنية ما يتراوح بين نسبة النصف فقط لندرك حجم التزوير، مع أن وضع المحافظات الشيعية كان أفضل أيضا، ولا حاجة هنا لاستعادة أرقام وجداول السكان والناخبين لتوضيح الموقف.

هناك في المسألة الكردية ما يتعلق بحصة الاتحاد الإسلامي الكردستاني الذي كانت حصته من المقاعد مفاجئة من حيث هبوطها قياسا بما يحصل عليه عادة في انتخابات المؤسسات المدنية والسياسية الكردية.

وفي حين يعزو قادة الاتحاد ذلك إلى عمليات التزوير والبلطجة التي مورست بحقهم، وهي صحيحة إلى حد كبير، فإن الجانب الآخر يتمثل في الحشد العرقي الذي جعل التناقض مع الجانب العربي العراقي أهم من الفرز الداخلي في الساحة الكردية.

حصلت لائحة الائتلاف الكردي على 52 مقعدا ستشكل إلى جانب مقاعد الاتحاد الإسلامي (5 مقاعد)، وربما إلى جانب كردي أو أكثر من لائحة علاوي، ما يقرب من 21% من مقاعد الجمعية الوطنية.

العرب السنة.. المشاركة يجهضها التزوير
"
التزوير الواسع بحق العرب السنة كان في توزيع المقاعد وفي التصويت، ليؤكد صحة موقف هيئة علماء المسلمين برفض الاعتراف بالعملية السياسية والمشاركة فيها
"
ما من شك في أن الإقبال العربي السني على التصويت (بنسبة أقل من الأكراد والشيعة) كان مفاجئاً بالنسبة للكثيرين ممن لا يعرفون حجم الأضرار التي تعرضت لها هذه الفئة على يد الحكومة الطائفية الحالية.

وفي حين كان ذلك هو تفسير الإقبال الواسع، فإن موقف هيئة علماء المسلمين الداعم ضمناً للمشاركة، ومن ثم موقف قوى المقاومة المستند بدوره إلى موقف الهيئة كانا حاسمين في دعم التوجه نحو الصناديق، وبالطبع ضمن تقدير سياسي يقوم على العمل ضمن مسارين.

الأول: مقاوم لا يتوقف العرب السنة عن دعمه بوصفه الأكثر أهمية لمستقبلهم مستقبل العراق والأمة، أما الثاني فسياسي يسعى إلى تخفيف الأضرار التي تترتب على العرب السنة من جراء احتضانهم للمقاومة.

جاء التزوير الواسع بحق العرب السنة في توزيع المقاعد وفي التصويت ليؤكد صحة موقف هيئة علماء المسلمين برفض الاعتراف بالعملية أو المشاركة فيها، الأمر الذي يمثل ضمانة أخرى للعرب السنة ولعموم العراق، وحتى لا تتاح الفرصة للأميركيين كي يقولوا إنهم أنجزوا المهمة وأن المقاومة لم تعد مشروعة بإجماع العراقيين على العملية السياسية.

بالنسبة للمشاركين يمكن القول إننا كنا إزاء قوتين، الأولى مثلتها جبهة التوافق (الحزب الإسلامي، مؤتمر أهل العراق، مجلس الحوار الوطني)، والثانية مثلتها جبهة الحوار الوطني بزعامة صالح المطلق، وهو سياسي ذو خلفية بعثية لكن مواقفه العامة وطنية ومساندة للمقاومة.

من المؤكد أن موقف الحزب الإسلامي بتشكيل جبهة التوافق قد أخرجه من مأزق الموقف السلبي منه كرد على موقفه من مسودة الدستور، الأمر الذي جعل الجبهة بالنسبة للعرب السنة مرادفة للائتلاف في الحالة الشيعية، مع ذهاب أصوات باتجاه لائحة علاوي تبعاً لوجود بعض الرموز العرب السنة فيها.

وفي حين حصلت جبهة التوافق على 41 مقعدا فقد وفر موقف الحزب الإسلامي من الدستور لجبهة الحوار الوطني بزعامة صالح المطلق فرصة تحقيق إنجاز مهم رغم تفوق الجبهة من حيث عدد المقاعد، إذ حصلت لائحته على 10 مقاعد وهناك كتلة مشعان الجبوري (3 مقاعد).

ويبقى سؤال عدد العرب السنة على لائحة علاوي، لكن حصول هذا الأخير على 24 مقعدا قد يعني أن عددا منها سيكون للعرب السنة، ما يعني أن مقاعد اللوائح الثلاث ستشكل حوالي 20% فقط، أما ضم الآخرين فقد يحملهم إلى نتيجة لا تتجاوز 23%.

لقد ثبت في هذه الانتخابات كما ثبت في معطيات سابقة، أن العرب السنة يمثلون نسبة لا تقل عن 30% من السكان، بدليل حصولهم على أكثر من 20% رغم التزوير ضدهم في توزيع المقاعد على المحافظات، وبعد ذلك أثناء التصويت.

ورغم عزوف نسبة لا بأس بها منهم عن التصويت (نسبة الاقتراع في عموم العراق 70%)، فلا شك أن العرب السنة كانوا الأقل إقبالا قياسا بالآخرين.

"
ربما يتوفر غطاء سياسي للمقاومة في الجمعية الوطنية الحالية أفضل بكثير من الجمعية المنحلة، كما أنها أكثر تمثيلا للشارع العراقي، وإن كان ذلك على أسس طائفية وعرقية، باستثناء ما وقع من هضم لحصة العرب السنة
"
المواقف السياسية
للقوى البرلمانية
بعيدا عن تشكيل الحكومة والصفقة التي ستتم على أساسها، وهي حكومة ائتلافية في كل الأحوال، فإن أسئلة المواقف السياسية المتعلقة بالقضايا الأساسية المطروحة على أجندة الجدل في العراق وداخل الجمعية الوطنية تظل غاية في الأهمية خلال المرحلة المقبلة، رغم قناعتنا بأن قدرة البرلمانات على توجيه المواقف الحكومية تظل محدودة، مع فارق أن الحكومات الائتلافية المشكلة من عدد من الأحزاب لها مميزاتها الخاصة.

الموقف من مسودة الدستور خاصة ما يتعلق بالفدرالية هو الأول من حيث الأهمية إذا أخذناه من منظور عراقي داخلي لا يتجاهل هواجس دول الجوار.

وهنا يمكن القول إن الائتلاف لن يكون موحدا في هذا السياق، أقله إذا التزم كل طرف بالشعارات السياسية التي سبق أن تبناها ولم يخالفها أو ينكص عنها كما فعل ذات الائتلاف في المرة السابقة حيال مسألة إخراج قوات الاحتلال أو جدولة انسحابها من العراق.

هناك داخل الائتلاف موقف التيار الصدري الرافض لتوسيع الفدرالية لتشمل كل العراق، تماماً كما هو حال العرب السنة، وإذا تذكرنا مواقف العرب السنة من هذا الملف، وكذلك موقف إياد علاوي، فإن نسبة تقترب من 40% من أعضاء الجمعية الوطنية سيعارضون الفدرالية الموسعة.

وهذا يعني أن من سيحسم الموقف هم الأكراد الذين سيساومون الائتلاف على هذا الموقف بقضية كركوك، الأمر الذي سيجعل القرار معلقاً، مع العلم أن زلماي زاده وربما طالباني كانا قد وعدا جماعة الحزب الإسلامي بتعديل هذه الفقرة إذا وافقوا على تمرير المسودة خلال التصويت، وقد فعل الحزب ذلك موفرا فرصة تزوير التصويت لصالح تمريرها في محافظة نينوى.

هناك أيضا الموقف من المقاومة، ففي حين نعرف مواقف المجلس الأعلى وحزب الدعوة المبالغ في رفضها، فإن موقف التيار الصدري يبدو مختلفا إذا لم يجر تدجينه، وكذلك مواقف القوى العربية السنية التي يفترض أنها تساند المقاومة وحقها المشروع في التصدي للاحتلال.

وفي العموم فإن غطاءً سياسيا ربما يتوفر للمقاومة في الجمعية الوطنية الحالية أفضل بكثير من الجمعية المنحلة.

يبقى الموقف من جدولة انسحاب قوات الاحتلال، وهنا نتذكر أن جميع القوى التي حضرت مؤتمر القاهرة قد وافقت على مبدأ الجدولة، لكن الخلاف هو متى يتم ذلك، إذ ترى مجموعة الائتلاف عدا الصدر، أن ذلك لا ينبغي أن يتم قبل استتباب الأمن، في حين يرى ممثلو العرب السنة المعادلة معكوسة، أي أن خروج قوات الاحتلال هو الذي سيوفر الأمن.

وفي العموم فإن موقف الرافضين للجدولة سيكون حرجا، أعني من الطرف الشيعي، في حين لن يخجل الطالباني والبرزاني من تبني موقف كهذا إذا ما أراده الأميركيون.

ويبقى موقف علاوي المرتهن في الغالب للموقف الأميركي حتى لو أعلن انحيازه للمرجعية العربية.

والنتيجة هي أننا إزاء جمعية تبدو، إلى الآن على الأقل، أكثر تمثيلا للشارع العراقي، وإن كان ذلك على أسس طائفية وعرقية، باستثناء ما وقع من هضم لحصة العرب السنة الذين حاولوا الاحتجاج لكنهم لم يكملوا المشوار بقوة، فكان أن ثبتت الأرقام المزورة وتواصل حشرهم في دائرة 20%.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة