الإسلاميون بعد 11 سبتمبر.. تقدم أم أفول؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم محمد جميل بن منصور*

هل يتقدم الإسلاميون أم أن أمرهم إلى أفول؟ من المهم تناول هذا الموضوع بشيء من التأني والتأمل الهادئ بعيدا عن الحوارات الحية ذات المناقشات القائمة على ضرورات الإفهام والانتصار كما حدث في برنامج الاتجاه المعاكس في إحدى حلقاته الماضية قريبا. ولعله من المهم التذكير بالصورة التي أرادت الولايات المتحدة الأميركية تركيزها في الأذهان بعد 11 سبتمبر. فقبل أن تظهر دلائل تشير إلى مسؤولية تنظيم القاعدة عن تلك الأحداث بالتصريح أو بالقرينة أعلنت الولايات المتحدة أن المارد "الإسلامي" هو الفاعل وأنه انفلت من عقاله وأنه لابد من عقابه واستطاعت آلتها الإعلامية القوية أن تشيع هذا الاتهام بل أن تؤكده عند الكثيرين، وعلى ضوء ذلك بدأت في تحديد معالم الرؤية الأميركية الجديدة تجاه منابع التطرف ومصادر دعم الإرهاب من وجهة نظرها.


بعض الأنظمة ذات الخصومة التقليدية مع الإسلاميين وجدت في أحداث 11 سبتمبر فرصة لمزيد من الضغط والمضايقة بل حاولت أن تؤكد أن ما حصل هو ما كانت تحذر منه زاعمة تعرضها لعقابيله من قبل
وعن قصد على الراجح لم تفرق الولايات المتحدة في حملتها بين معتدل أو متشدد ولا بين سياسي وغيره فتضاعفت المضايقات الأمنية والمساعي لتغيير البرامج التعليمية والشروع في محاصرة ومصادرة المصادر المالية. وموازاة مع ذلك انطلقت حرب أفغانستان والتي مازالت مستمرة وبذلت محاولات مستميتة مازالت مستمرة لتعدية تلك الحرب نحو العراق بداية لمشوار يشمل دولا أخرى.

بعض الأنظمة ذات الخصومة التقليدية مع الإسلاميين وجدت فرصة لمزيد من الضغط والمضايقة بل حاولت أن تؤكد أن ما حصل هو ما كانت تحذر منه زاعمة تعرضها لعقابيله من قبل.

وقد نددت أغلبية التيارات الإسلامية الوسطية بما حدث في 11 سبتمبر وأعلنت -دون أن توصل صوتها بما يكفي- أن الإسلاميين والمسلمين هم مثل غيرهم من أتباع الديانات والمذاهب منهم المعتدلون والمتسامحون وبعضهم متطرفون ودعاة عنف، وأن التعميم هنا غير سليم وغير مفيد. ومع تنديدها هذا وتوضيحها ذاك حرصت على رفض السياسة الأميركية وعابت عليها عدوانها في أفغانستان ومضاعفتها الدعم للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

وبفعل الضغط العالمي والتخويف الإعلامي الذي أخذ طابع الإرهاب الفكري في أحيان كثيرة، وبفعل توظيف بعض الأنظمة أجواء ما يسمى الحرب ضد الإرهاب انتظر الكثيرون أن يشهد التيار الإسلامي انحسارا جماهيريا وإعلاميا.

انتصارات الإسلاميين السياسيين
ولكن كانت المفاجأة في انقلاب الصورة إذ عكست الانتخابات الأخيرة التي أجريت في أكثر من بلد عربي أو مسلم تقدما كبيرا للإسلاميين.

  • فقد حصل إسلاميو البحرين على ما يقرب النصف في البرلمان الفتي (19 مقعدا من أصل 40) موزعة بين سنتهم وشيعتهم (12 و7 على التوالي) يضاف إلى أولئك مجموعة من المستقلين الذين وصلت مقاعدهم إلى 18 في حين لم يحصد الليبراليون إلا ثلاثة مقاعد.
  • أما في باكستان والتي ظلت الساحة السياسية فيها حكرا على الحزبين التقليديين حزب الشعب بقيادة بينظير بوتو وحزب الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف فقد حقق تحالف الأحزاب الإسلامية تقدما ملحوظا أهله للسيطرة على بعض الولايات خصوصا تلك الملاصقة لأفغانستان حيث يتنامى بغض الأميركان والتعاطف مع طالبان وحب القاعدة وبن لادن.
  • وفي المغرب الأقصى أعطى الإسلاميون في حزب العدالة والتنمية درسا بليغا في التقدم المحسوب فقد ترشحوا في 56 دائرة من أصل 91 ومع ذلك أوصلوا 38 نائبا لقبة البرلمان مضافا إليهم أربع نساء من اللائحة الوطنية ليصبح الإجمال 42 مقابل 14 نائبا في المجلس السابق وهو ما يعني حسابيا زيادة 28 نائبا أي (200%) وذلك مقابل تراجع أكبر منافسيهم الاتحاد الاشتراكي من 57 إلى 50 نائبا وانحسار بعض أحزاب الإدارة، ويتحدث بعض أنصار الحزب الإسلامي في الرباط بأن النتيجة تم التصرف فيها وأن المفاجأة كانت أشد وبالتالي كان لابد من شيء من التشذيب والتعديل.
  • وكان الانتصار الأبرز ضمن تشريعيات 2002 هو انتصار رجب طيب أردوغان وصحبه في حزب العدالة والتنمية التركي حيث هيمنوا على ثلثي مقاعد البرلمان في حين لم تدخل البرلمان أحزاب عريقة مثل الطريق القويم والوطن الأم والسعادة واليسار الديمقراطي. ولم يمنع الحكم الصادر ضد أردوغان -والذي منعه من الترشح وبالتالي من عضوية البرلمان ورئاسة الحكومة- الحزب من تحقيق هذا الانتصار الباهر.

ما يحدث من تقدم للإسلاميين قد يكون مرده فشل الآخرين وليس نجاحهم هم بالضرورة

تفسيرات متباينة
الإسلاميون سواء كانوا في البحرين أو في باكستان أو في المغرب أو في تركيا أو غيرها من البلدان بادروا في أجواء نشوة الانتصار والغلبة إلى
تأكيد:

  • أنهم خيار الأمة والشعب.
  • وأن ما حصل دليل على إفلاس العلمانية وأتباعها.
  • وأن كل محاولات التجفيف والمحاربة باءت بالفشل.

والعلمانيون في عمومهم قللوا من قيمة الانتصار واعتبروا:

  • ماحدث في البحرين محدودا وناتجا عن انفراد الإسلاميين وجمعياتهم ومساجدهم بالساحة طيلة الفترة الماضية.
  • وما حدث في باكستان لا يرقى لدرجة الانتصار لأن تحالف كل الأحزاب الإسلامية جاء ثالثا بعد حزب الجنرال مشرف وحزب الشعب الباكستاني.
  • وهو نفس حال إسلاميي المغرب الذين جاؤوا في الترتيب بعد الاشتراكيين والاستقلالين.
  • أما العدالة والتنمية في تركيا فقد تخلى عن إسلاميته وأعلن علمانيته، فنسبة انتصاره للتيار الإسلامي غير مسلمة.

وهكذا احتدم الجدل في الأوساط السياسية والصحفية بين منتصر رأى في اختيار الجماهير له رسالة واضحة للحكام وللغرب على السواء ومهزوم أو متراجع لا يرى في الأمر سوى تقدم محدود قابل للاستدراك بوحدة اليسار أو ائتلاف اليمين.

والحقيقة أنه غابت عن الإسلاميين أمور كما غابت أخرى عن العلمانيين.

  • صحيح أن هذه النجاحات كانت ردا سياسيا واضحا على حملات ما بعد 11 سبتمبر.
  • وصحيح أنها تعبر عن مستوى من التعلق بالبديل الإسلامي عند أغلب هذه الشعوب.

ولكن صحيح كذلك أن عوامل تضافرت ليحدث ما حدث والتفسير بعامل واحد خطأ واستمراء التبسيط خلط إستراتيجي يضر أهله قبل غيرهم.

  • فالشعور بالظلم الذي يعانيه الإسلاميون أكثر من غيرهم.
  • والأزمات التي عاشتها حكومات اليسار في تركيا والمغرب.
  • والتعاطف الواسع مع الموقف الرافض للتطبيع.
  • وسياسات الولايات المتحدة الأميركية عوامل زادت من شعبية الإسلاميين، وليس اقتناع الناس ببرامجهم وخياراتهم السبب الوحيد في هذا التأييد الكبير.
  • وباستثناء فترة محدودة ضويقوا فيها أشد المضايقة (حكومة أربكان) لم تجرب قيادة الإسلاميين في هذه البلدان فأصبحوا بذلك أملا يتشبث به الناس.

أما العلمانيون فغاب عنهم أن الأمور تقاس بنسبها وعلاقة الأمس واليوم فيها ومؤشرات تلك العلاقة.

  • فإسلاميو المغرب جاؤوا في المرتبة الثالثة فعلا ولكنهم ضاعفوا عضويتهم في البرلمان مرتين في حين تراجع غيرهم أو راوح مكانه.
  • أما في تركيا فلو كانت علمانية أردوغان سببا في فوزه, لفاز من تيقنت نسبته العلمانية ظاهرا وباطنا. إنه من البساطة وربما السذاجة الظن أن علمانية العدالة والتنمية هي التي قدمته على علمانية أجاويد وتشلر وبايكال ويلماز. صحيح أن عقلانيته واعتداله وحنكته واستفادته من أخطاء الماضي كلها عوامل دفعت به إلى المقدمة ولكن مرجعيته الإسلامية واستمراريته التجديدية لخطه الفكري إضافة إلى تجربة زعيمه في بلدية إسطنبول كانت أهم عوامل النجاح.
  • ولا يمكن بحال من الأحوال تجاهل التقدم الكبير لإسلامي باكستان، الذين كانوا نموذجا في الرخاوة والضعف السياسي.
  • أما إسلاميو البحرين فقد جاء فوزهم المكرر مرتين في البلديات والنيابيات ليكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها.

هل يتراجع الإسلام الجهادي؟
هذا عن الإسلاميين السياسيين بعد 11 سبتمبر أما التيار المعروف بالجهادي فالحرب عليه أشد ومضايقته أقوى وقد سجلت انتصارات أمنية في الفترة الماضية (عدد المعتقلين, نوعية بعضهم (قيادات), محاصرة التحركات واكتشاف بعض الشبكات.) ومع ذلك يعتبر مراقبون كثر أن المعركة ضده لم تحسم بعد بل إنها شهدت أخيرا تطورات لا تشجع على القول بقرب ذلك الحسم.

  • ففي أفغانستان ازداد الوضع الأمني تدهورا وسجلت حالات من اختراق القادة وطالبان للطوق الأميركي وقيامهم بين الآونة والأخرى بهجومات مربكة.
  • واتسعت دائرة عمليات القاعدة -إن ثبتت نسبتها– في (الكويت، اليمن، إندونيسيا.) ويحظى أسامة بن لادن والقاعدة بقدر من التعاطف في أوساط العامة خصوصا مع استمرار السياسات العدوانية للولايات المتحدة ونيتها للحرب ضد العراق ومع استمرار الاعتداءات الصهيونية على فلسطين وشعبها.

وهكذا فإن القول بأن الإسلاميين تقدموا وازدادت شعبيتهم بعد 11 سبتمبر قول تسنده القرائن والأدلة سواء في الشارع أو في المناسبات الانتخابية أو في حجم الحضور في أحداث وتطورات العالم ... والقول بأن الإسلاميين تراجعوا قول مفهوم بالنظر لحجم المضايقات عليهم واتساع التحالف ضدهم أو ضد بعض تياراتهم.


يبقى مصير هذه المعركة التي سببها عدوان أميركا والكيان الصهيوني وحلفائهما منذ فترة وأذكتها المبادرات الهجومية للتيار الجهادي –دون عقل سياسي موجه– محددا هاما لا لمستقبل الإسلاميين فحسب بل لمستقبل أمة المسلمين عامة بل والعالم قاطبة
والقول بأن تقدم الإسلاميين –وهو بالمناسبة سابق لأحداث 11 سبتمبر– ليس على إطلاقه وأنه قد شانه ارتباك تجربتهم في السودان ومراوحتها مكانها في بلدان أخرى قول فيه من الصحة نسبة كبيرة وأنهم من أجل المحافظة على هذا التقدم تلزمهم مراجعة جدية تحدد خيارهم السلمي بلا لبس وتطور خطابهم من عموميات إلى تفاصيل ومن كليات إلى برامج. فبتلك المراجعة يستطيع الإسلاميون تحويل الالتفاف العاطفي حولهم إلى تأييد عقلي – في قطاع مهم منه على الأقل– وعليهم أن يتذكروا مضمون مقولة مشهورة للدكتور عبد الله فهد النفيسي أن ما يحدث من تقدم للإسلاميين قد يكون مرده فشل الآخرين وليس نجاحهم هم بالضرورة.

ويبقى مصير هذه المعركة التي سببها عدوان أميركا والكيان الصهيوني وحلفائهما منذ فترة وأذكتها المبادرات الهجومية للتيار الجهادي –دون عقل سياسي موجه– محددا هاما لا لمستقبل الإسلاميين فحسب بل لمستقبل أمة المسلمين عامة بل والعالم قاطبة.

_______________
*كاتب ومحلل موريتاني، الأمين العام للرباط الوطني لمقاومة التطبيع وحماية القدس في موريتانيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة