تصريحات بنديكت وبيان نوسترا آيتاتي.. انحراف أم امتداد   
الأربعاء 1427/9/5 هـ - الموافق 27/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:07 (مكة المكرمة)، 13:07 (غرينتش)


سامي براهم

- مخاض نوسترا أيتاتي
- التنقيحات
- الكنيسة ومستقبل الحوار

تعتبر تصريحات الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية متنافية مع منطوق بيان المجمع الفاتيكاني الثاني بخصوص علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية وخاصة الإسلام.

ويعد المسيحيون الكاثوليك ذلك البيان نقلة نوعية في تاريخ الكنيسة الحافل بإقصاء المخالف الديني من داخل الفضاء المسيحي ومن خارجه وليس أدل على ذلك مما أعلنه مجمع فلورنسا 1438/1445 حين قال:

"إن المجمع يعتقد... أن لا أحد من الذين هم خارج الكنيسة الكاثوليكية -ليس فقط الوثنيين ولكن كذلك اليهود والهراطقة والمنشقين- بإمكانه أن يكونوا طرفا في الحياة الأبدية، ولكنهم سيخلدون في جهنم مسخرين للشيطان وأعوانه..".

بينما اعترف بيان المجمع الفاتيكاني الثاني ولأول مرة بمسيحية المؤمنين الذين لا ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية ومهد لتبرئة اليهود من دم المسيح واستنكر العداء للسامية واعتبر أن الهندوسية والبوذية تتوفران على قبس من حقيقة الإيمان...

أما في ما يخص الإسلام فقد ورد في البيان: "وتنظر الكنيسة أيضا بتقدير واحترام إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، الحي القيوم، الرحمان القدير الذي خلق السماوات والأرض، وكلم الناس.

إنهم يسعون بكل نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله وإن خفيت مقاصده، كما سلم لله إبراهيم الذي يفخر الدين الإسلامي بالانتساب إليه.

وإنهم على كونهم لا يعترفون بيسوع إلها يكرمونه نبيا ويكرمون أمه العذراء مريم مبتهلين إليها أحيانا بإيمان. ثم إنهم ينتظرون يوم الدين الذي يجازي الله فيه الناس جميعا بعد ما يبعثون أحياء. من أجل هذا يقدرون الحياة الأدبية ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم خصوصا.

"
تصريحات الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية متنافية مع منطوق بيان المجمع الفاتيكاني الثاني بخصوص علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية وخاصة الإسلام
"
ولئن كان وقع في غضون الزمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين فإن المجمع يحرضهم جميعا على نسيان الماضي والعمل باجتهاد صادق في سبيل التفاهم في ما بينهم وأن يحموا ويعزروا كلهم معا من أجل جميع الناس العدالةَ الاجتماعيةَ والقيم الروحية والسلام والحرية".

عن المجمع الفاتيكاني الثاني بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية الفقرة 3 روما في 28 أكتوبر/تشرين الأول. فإلى أي مدى تعد تصريحات بنديكت 16 ارتدادا عن المقررات المجمعية؟ وهل تعكس موقفا شخصيا أم تعبر عن تيار داخل الكنيسة الرومانية؟ ولماذا لم يكن للبيان أثر عملي جدي على الحوار بين المسيحية والإسلام؟

للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من تبيين قيمة البيان النظرية وعمقه اللاهوتي ومدى ما ينطوي عليه من انفتاح على الإسلام.

مخاض نوسترا أيتاتي
لا بد من التأكيد منذ البداية على أن كل المعطيات والوثائق تشير إلى أن المجمع الفاتيكاني الثاني الذي بدأ أشغاله سنة 1960 لم يكن على جدول أعماله البتة طرح قضية الموقف من الإسلام والمسلمين ولكن في المقابل كلف البابا يوحنا بولس الـ23 1881/1963 الكاردينال بيا بصياغة مشروع وثيقة عن اليهود تبرئهم من "قتل الرب".

وقد أثارت مسودة الوثيقة التي عرضت في الدورة الثانية 1962 اعتراضات أساقفة البلدان العربية والإسلامية على خلفية أن ذلك يمثل انحيازا من الفاتيكان لأحد طرفي الصراع العربي الإسرائيلي. وطرح في النقاش تعديل المسودة الخاصة باليهود وتوسيعها لتشمل الديانات الأخرى بما في ذلك الإسلام.

وفي الدورة الرابعة للمجمع 1965 وقعت الإحالة لأول مرة على المسلمين وذلك في الدستور العقائدي وفي بيان علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية، علما أن للدستور وظيفة تقرير العقائد بشكل نافذ ملزم للمؤمنين وللكنيسة، بينما يفتقد البيان تلك الصفة ويبقى تفعيله رهين معطيات الواقع ومصالح الكنيسة.

وقد خصصت كلا الوثيقتين فقرة للمسلمين وذلك بعد مخاض عسير خضع فيه النص لعدة تنقيحات تعكس التردد والغموض والتقية والتسرع في الموقف من الإسلام.

التنقيحات
1- وثيقة الدستور العقائدي "ليمينون جانتيوم".
أ- نص المسودة "لا يمكن اعتبار أبناء إسماعيل الذين اعترفوا بإبراهيم أبا وآمنوا أيضا بإله إبراهيم أجانب عن الوحي الذي كان لآباء".

ب- النص المنقح بعد التصريح النهائي "بيد أن التدبير الخلاصي يشمل أيضا من اعترفوا بالخالق وأولهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على عقيدة إبراهيم ويعبدون مثلنا الإله الواحد".

ت- سبب التنقيح هو عدم الاتفاق على انتساب المسلمين البيولوجي لإبراهيم، وإقصاء المسلمين من تاريخ الوحي الكتابي، والاختلاف حول موقع الإسلام من تاريخ الخلاص.

2- وثيقة البيان "نوسترا أيتاتي":
أ- نص المسودة "الإله الواحد الشخصي الأقنومي... كلم الناس بالأنبياء... إن المسلمين يجتهدون في القيام بحياة أخلاقية على المستوى الفردي والأسري والاجتماعي.

ب- النص المنقح بعد التصريح النهائي: "الحي القيوم... كلم الناس... يقدرون الحياة الأدبية".

"
ما فعله البابا لا يعدو أن يكون ترجمة وفية لرأي كنيسته في الإسلام، وقد اقتضت ملابسات المرحلة التاريخية الراهنة وانتماءات الرجل إخراج هذه العقائد من المسكوت عنه إلى المصرح به
"

ت- سبب التنقيح هو ما يحيل عليه لفظ الشخصي من تجسيم لدى المسلمين، وتجنب الإحالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والتحفظ على أحكام الأسرة في الإسلام: "تعدد الزوجات، الطلاق والتداخل بين الزمني والروحي "الدين والدولة"، وذلك انطلاقا من الأخلاق المسيحية المثالية.

المسكوت عنه "ما وقع إسقاطه" هو الحديث عن المسلمين عوض الإسلام، وعدم الإحالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والوحي الإسلامي والقرآن، والاقتصار على صيغة مبهمة "كلم الناس".

يضاف إلى ذلك عدم الاعتراف بانتساب المسلمين بيولوجيا إلى إبراهيم عبر إسماعيل، وعدم الإحالة على فريضتي الزكاة "تعويضها بالصدقة" والحج، وعدم الاعتراف بالقيم الأخلاقية الإسلامية.

ومن ذلك أيضا رفض طلب أحد الآباء إدراج بند يطالب الإعلام بالكف عن سب المسلمين وتجريحهم بخلاف ما وقع مع اليهود، والتستر على الاختلاف الجوهري في تصور الذات الإلهية.

النتائج: هي إقصاء المسلمين من تاريخ الخلاص الذي انتهى ببلوغ الوحي كماله ممثلا في الكلمة التي صارت جسدا مع المسيح، إذ الخلاص لا يتسع للمسلمين لأن فرع إسماعيل "ابن الجارية" طريق مسدود لا يمر عبره خلاص البشر.

ومن النتائج اعتبار انتساب المسلمين لإبراهيم من قبيل الاعتقاد الديني لا التسلسل النسبي، وتثمين إيمان المسلمين بالخالق واليوم الآخر دون الإحالة على من قادهم إلى ذلك الإيمان ونقل إليهم كلام الله، ثم إقصاء الإسلام من الديانات الكتابية وعدم تصنيفه ضمن الخط اليهودي المسيحي والإرث الإبراهيمي.

ولعل أصدق تعبير يصور عدم استعداد الكنيسة نظريا للانفتاح على المسلمين أثناء مداولات المجمع تعليق روبار كاسبار في الذكرى الثانية للبيان حيث يقول: "إذا كان من العلامات الأكيدة لفعل الروح القدس أن يقود الناس والكنيسة إلى حيث لا يريدون أن يذهبوا، فإن بيان المجمع عن الإسلام بالتأكيد ثمرة إلهام الروح القدس". عن مجلة "كومبروندر" عدد 78 بتاريخ 28/1/1987.

وتفيد كل هذه المعطيات أن الوثائق المجمعية التي تضبط الأسس العقائدية والسياسات العامة للكنيسة الكاثوليكية توفر الأرضية النظرية والعملية لأي موقف تشكيكي في الأصالة العقائدية للإسلام والمصدر السماوي لوحيه ومصداقية نبيه فضلا عن قيمه الروحية والأخلاقية والحضارية.

غير أن هذه المواقف بقيت حاضرة بالقوة في الضمير الكاثوليكي الرسمي كامنة في القناعات اللاهوتية لمنظور يحضر أو يغيب في الخطاب العلني وفق مصالح الكنيسة وإستراتيجيتها في العالم أو حسب توجهات الحبر الأكبر وثقافته.

فليس من الغريب إذا أن يصرح البابا بنديكت 16 بما صرح به، فما فعله لا يعدو أن يكون ترجمة وفية لرأي كنيسته في الإسلام، وقد اقتضت ملابسات المرحلة التاريخية الراهنة وانتماءات الرجل إخراج هذه العقائد من المسكوت عنه إلى المصرح به.

إننا بهذا التحليل لا نحرض على الكنيسة ولكن نحث المسيحيين كما نحث المسلمين على القيام بمجهود جدي صادق لتعميق المبحث اللاهوتي والكلامي عن المخالف الديني، بل إننا ندعو إلى تأسيس "علم لاهوت وعلم كلام الأديان المخالفة" على أسس علمية تستجيب للتطور الحاصل في مجال المعارف والمناهج ولاسيما علم الأديان المقارن.

وذلك للانتقال بالحوار الإسلامي المسيحي من مستوى المساجلات الخفية تحت غطاء المجاملات إلى المثاقفة الحقيقية بقصد تنمية الثقافة المتبادلة والعيش سويا وعدم احتكار سبل الخلاص الإلهي ومسار النجاة وطرد المخالفين من ملكوت الله وحرمانهم من النعيم الأبدي والانفتاح في المقابل على ما في كل دين من تجربة روحية وقيم إنسانية لتعزيزها وإثرائها.

"
تطلب الأمر ستة قرون حتى تعترف الكنيسة الكاثوليكية بمسيحية البروتستانت والأرثوذوكس وهم فرع عنها.. فكم من القرون سيتطلب اعتراف الكنيسة بحقيقة صدور اليهودية والمسيحية والإسلام عن مشكاة واحدة؟
"

الكنيسة ومستقبل الحوار
إن أقصى ما توصل إليه اللاهوت المسيحي في تفسيره للإسلام هو أن الكتاب المقدس تنبأ بنبي الإسلام ودينه الذي ينتشر بقضاء الله وقدره وتحت رعايته.

بل يعتبر أصحاب هذه الأطروحة أن التدخل الإلهي المباشر تكفل بحماية الإسلام باعتباره أكبر هرطقة في التاريخ، وأجرى على يدي نبيه "الكاردينال المنشق" الكثير من المعجزات وذلك تأديبا للمسيحيين وعقابا لهم لأنهم حادوا عن طريق الرب.

فالإسلام محنة ومصيبة تعود بعدها البشرية إلى سالف عهدها بالمسيحية تحت راية يسوع "ابن الله". راجع هذه الأطروحة في كتاب محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين لجورج بوش 1796/1859 ترجمة عبد الرحمان عبد الله الشيخ ط 3/ 2005/دار المريخ للنشر الرياض.

أما الكنيسة الكاثوليكية فقد ضنت على الإسلام حتى بهذا التصور المشوه، وبعد قرون من الحروب الصليبية والتبشير الفج ارتأت منذ فاتيكان2 أن في الإسلام وبقية الأديان قبسا من حقيقة المسيح المبثوثة في العالم.

فاحترام المسلمين لا يعود إلى قيم الإسلام التي تعبر عن أصالته الروحية ولكن لصدى المسيح الذي يسري في نفوسهم.

فيكون الحوار تبعا لذلك مسلكا لإعانة المسلمين على الاستماع لذلك النداء الرباني الخفي، وهو ما عبر عنه جورج خضر مطران الروم الأرثودكس بـ"إيقاظ المسيح الراقد في ليل الأديان والموجود في كل تراث ديني بما في ذلك الإسلام". راجع ذلك في المسيحية في عالم تعددي عن مجلة إيرينيكون عدد 2/1971 ص202.

فالمسلمون "خراف المسيح الضالة" والإسلام "شراب قديم في آنية جديدة" حسب عبارة جباسيه، وليس من فرق بين المسيحيين وغيرهم حسب جورج خضر إلا "أن المسيحيين يسمون مخلصهم باسمه وغيرهم لا يسميه ولكن في الحالتين المخلص واحد" جورج خضر فلسطين المستعادة ص 115 منشورات النور بيروت ط1969.

ولعل أكبر حاجز لاهوتي بين الكنيسة والإسلام هو الاعتقاد في أن تاريخ الخلاص الذي بلغ كماله مع الكلمة التي تجسدت في المسيح الذي فدى العالم من فوق صليبه، لا يمكن أن يتسع لمسارات خلاصية أخرى، وإن كانت عبر الوحي لأن مفهوم الخلاص أوسع من مفهوم الوحي.

لقد تطلب الأمر ستة قرون حتى تعترف الكنيسة الكاثوليكية بمسيحية البروتستانت والأرثوذكس وهم فرع عنها... فكم من القرون سيتطلب اعتراف الكنيسة بحقيقة صدور اليهودية والمسيحية والإسلام عن مشكاة واحدة؟
_______________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة