سوريا بين استمرار الحصار وفرص الحوار   
الأحد 1428/1/3 هـ - الموافق 21/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 9:35 (مكة المكرمة)، 6:35 (غرينتش)


أكرم البني

لا يمكن لأحد أن يغفل أن السياسة السورية قد اجتازت مرحلة صعبة وقاسية من الضغوط والعزلة أطبقت عليها بعد صدور القرار (1559) وانسحاب جيشها من لبنان.

وكان تقدير الكثيرين أن انهيار النظام الحاكم بات قاب قوسين أو أدنى بفعل ازدياد عزلته وتواتر القرارات الدولية للحد من تداخلاته الإقليمية وخاصة في لبنان.

لكن يبدو أن ثمة مستجدات متنوعة حصلت يمكن أن تفسر -منفردة أو مجتمعة- نجاح السياسة السورية في اختراق حالة الحصار التي فرضت عليها وانتزاع بعض الاعتراف بدورها ووزنها الإقليمي.

"
يبدو أن ثمة مستجدات متنوعة حصلت يمكن أن تفسر، منفردة أو مجتمعة، نجاح السياسة السورية في اختراق حالة الحصار التي فرضت عليها وانتزاع بعض الاعتراف بدورها ووزنها الإقليمي
"
وطبعاً لم يكن خيار تعزيز العلاقة مع إيران والإفادة من خطاب زعيمها الهجومي في صراعه مع الغرب هو العامل الوحيد الذي ساعد السلطات السورية وشجعها على مقاومة هذا الظرف العصيب أو تخفيف آثاره، فقد لعبت التطورات الفلسطينية دوراً هاماً بعد فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي.

ولعلها خطوة تحظى بقيمة كبيرة أن يرسم خالد مشعل من العاصمة السورية الخطوط العريضة لسياسة حماس في السلطة، ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان لتضيف الكثير من المساندة للسلطة السورية.

فعلى الرغم من أنها أفضت في المحصلة النهاية إلى تبريد إحدى الساحات الساخنة لكنها أعادت الاعتبار موضوعياً لدور سوريا وحسنت فرصها وموقعها التفاوضي، وبدا صمود حزب الله بمنع إسرائيل من تحقيق نصرها أشبه بنصر للسياسة السورية الداعمة له.

كما أعطى حلفاءها في لبنان دفعة قوية لدخول اللعبة الداخلية، معززة دورهم وقدرتهم على منازعة السلطة، وإذا أضفنا إلى ما سبق التفاقم المزمن للمأزق الأميركي في العراق وتأثيراته المكلفة سياسياً وبشرياً على إدارة البيت الأبيض، ومن تجلياته انحسار شعبية الحزب الجمهوري وخسارته أكثرية مقاعد الكونغرس في الانتخابات النصفية لصالح الديمقراطيين.

نقف أمام أهم الأسباب التي جعلت الموضوع السوري مدار بحث ومناقشة في الولايات المتحدة وأوروبا، وشجعت على طرح سياسة جديدة تجاه هذا البلد عنوانها فتح نافذة للحوار والتفاهم بعد فترة من الجفاء والمقاطعة.

بدأت بدعوة صريحة من قبل بعض الدول الأوروبية وخاصة إسبانيا وألمانيا لاعتماد أسلوب المرونة والاحتواء، قابلها في الجانب الأميركي تقرير لجنة بيكر هاملتون الذي نصح أيضاً بفتح حوار مع دمشق وطهران لتجاوز المحنة العراقية، تخللتها زيارات متواترة لأكثر من مسؤول أوروبي لجس النبض السوري، أهمها زيارة نايجل شاينويلد مبعوث رئيس الوزراء البريطاني.

ولم تشذ إسرائيل عن هذا اللحن وارتفعت منها أصوات تشجع على إخراج المفاوضات مع دمشق من الثلاجة، في الوقت الذي تنامت فيه القناعة بأن المساعي الرامية إلى إضعاف النظام السوري وعزله لم تثمر وبخاصة مع غياب أي بديل داخلي يحوز قسطا من الثقة ويطمئن مختلف الأطراف بأن التغيير في هذا البلد لن يكون بؤرة إضافية للتوتر والاحتراب.

لكن يتضح اليوم أن الأمور لم تبق على المسار ذاته، وثمة مستجدات تواترت في الأسابيع الأخيرة كان لها طعم آخر وأضفت على هذا المسار سياقاً مختلفاً، لتضيف مزيداً من الأعباء والتعقيدات على الوضع السوري وتنذر بانتقاله من فترة التقاط الأنفاس أو لنقل الارتياح النسبي التي عاشها خلال الأشهر المنصرمة إلى مرحلة جديدة من المواجهة والحصار ربما تكون أكثر صعوبة وحدة مما مضى.

أهم هذه المستجدات التطورات التي تشهدها الساحة اللبنانية وتحول الصراعات هناك بعد نزول المعارضة إلى الشارع إلى مركز استقطاب حاد فرض على الجميع خيارات حاسمة وأعاد ترتيب الاصطفافات والمواقف حاشداً في مواجهة السياسة السورية وحلفائها أغلبية دول العالم.

ولم تنجح التصريحات الرسمية السورية حول حيادها مما يجري أو زيارات الرئيس الأسد إلى اليمن والإمارات وروسيا في اختراقها وتعديلها، بينما تتسع بالمقابل وعلى نحو لافت مواقف تأييد حكومة لبنان والتحذير من أية محاولة لتفجير الوضع هناك وبأنه خيار مكلف قد لا يكون لسوريا وحلفائها من طاقة على تحمله، ربطاً بتلمس حالة من تراجع وانحسار التعاطف الشعبي مع حزب الله.

"
لا يمكن لأي تغير في السياسة الإيرانية أن يمر مرور الكرام في الحسابات السورية خاصة وأنها اتكأت على الدور الإيراني كثيراً واستنجدت به في معظم ملماتها وصار بالنسبة لها أهم مجير
"
فليس أمراً مقبولاً أو مفسراً عند الكثيرين حين ينقلب هذا الحزب المقاوم ضد شريحة كبيرة من اللبنانيين ويستخدم وسائل القوة والتهديد ذاتها لفرض مواقفه وأرائه، ناهيكم عن أن تنفيذ القرار (1701) وانتشار قوات الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب قد أراح إسرائيل كثيراً وجعلها أكثر قدرة على المناورة.

تكاملت في الجانب الفلسطيني بتفاقم مأزق حكومة حماس وتقدم خيار الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، والأهم هو جديد ما شهدته إيران، إن لجهة نتائج الانتخابات البلدية التي كشفت انحساراً واضحاً في شعبية الرئيس أحمدي نجاد، وإن لجهة توصل مجلس الأمن إلى قرار يفرض عقوبات عليها، عقوبات لم تكن بالشدة التي تريدها واشنطن لكنها أظهرت هذا البلد وحيداً ومعزولاً أمام حالة من الإجماع الدولي، مع الأخذ بالحسبان الخيبة من رد الفعل الباهت للقيادة الإيرانية قياساً إلى التهديدات النارية التي أطلقتها.

صحيح أن الوضع الفلسطيني لا يزال بين أخذ ورد، لكن الصحيح أيضاً أن ارتباك الحالة الفلسطينية ووصول الأمور إلى ما وصلت إليه يفقد النظام السوري دعماً معنوياً كبيراً، ثم إذا اتفقنا أن الانتخابات البلدية وقرار فرض عقوبات على إيران لن يؤثرا بصورة مباشرة في السياسة الخارجية، لكنهما بلا شك يضعفانها موضوعياً ويحدان من عنفوانها ويظهران على الأقل أنها لا تحظى بموافقة الشارع الإيراني.

وطبعاً لا يمكن لأي تغير في السياسة الإيرانية أن يمر مرور الكرام في الحسابات السورية خاصة وأنها اتكأت على الدور الإيراني كثيراً واستنجدت به في معظم ملماتها وصار بالنسبة لها أهم مجير.

ويكتمل المشهد بنتائج المباحثات غير المشجعة لأكثر من وفد أوروبي وأميركي بعد زيارته لدمشق، وكلنا يتذكر موقف وزير خارجية ألمانيا وتصريحات السيناتور نيلسون عن خلافات حادة ظهرت مع المسؤولين السوريين حول لبنان، مثل هذا الإخفاق في المحاولات الأولى للحوار سمح بعودة سريعة لروح التشدد في التعامل مع النظام لم تنجح في تخفيف حدتها الزيارة التي اعتبرت تاريخية لوزير خارجية سوريا إلى بغداد وقرار فتح السفارات بين البلدين والوعد بتشديد ضبط الحدود، أو ما أشيع عن رسالة وجهتها القيادة السورية إلى حكومة إسرائيل وكشفت عن مرونة لافته وتنازلات مهمة لقاء إحياء المفاوضات.

والخلاصة أن الوقائع الجديدة قالت كلمتها ويبدو أن الفرصة التي سنحت للسياسة السورية لفك الحصار والعودة إلى العلاقات الطبيعية مع الأطراف الإقليمية والعالمية قد تبددت، وأن الفعاليات التي راهنت على ثمار إيجابية للحوار مع النظام السوري قد بدأت تنفض يدها وتسلم بخيار استمرار محاصرته وبأولوية دعم القوى القادرة على إنجاح مسارات التنمية السياسية في العراق وفلسطين ولبنان.

وهذا ما يفسر ارتفاع حرارة النقد الأميركي للسياسة السورية وخاصة تجاه لبنان ثم الزيارة المفاجئة لوزير الدفاع الأميركي إلى بغداد وخطته لضمان أمن العاصمة العراقية ربطاً بإعلانات جديدة للرئيس بوش عن زيادة عدد قواته في العراق بدلا من سحبها، تلاها تدشين عودة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر اللقاء الذي جرى مؤخرا بين محمود عباس وأولمرت، ناهيكم عن تواتر الدعم غير المسبوق عربياً وعالمياً لحكومة السنيورة في لبنان.

"
يبدو أن الفرصة التي سنحت للسياسة السورية لفك الحصار والعودة إلى العلاقات الطبيعية مع الأطراف الإقليمية والعالمية قد تبددت، وأن الفعاليات التي راهنت على ثمار إيجابية للحوار مع النظام السوري قد بدأت تنفض يدها
"
لنعترف أن نجاح أي حوار وتفاهم بين طرفين يرتهن بالاستعداد لتقديم التنازلات أو قبول كل منهما بشروط ما كان ليقبل بها ابتداء، فالرغبة في الحوار شيء ونجاحه شيء أخر، ويبدو أن مثل هذا الخيار لا يزال محكوماً في الظرف الراهن بالعديد من الصعوبات والعقبات، أكثرها وضوحاً أن الميل لتأييد الجهود الرامية للحوار مع سوريا لن يكون لصالح تأكيد دورها الإقليمي أو على حساب أي من الساحات العراقية واللبنانية والفلسطينية بينما تتطلع السياسة السورية لإعادة ماضيها إلى سابق عهده معتقدة بأنها في موقف قوي وأنها ربحت جولات مهمة قبل الحرب على لبنان وبعدها، وأنها نجحت في إكراه الغرب بعدم تجاهل وزنها ودورها.

فيما مضى نجحت السياسة السورية في إظهار نفسها كسياسة تتفنن اللعب على عامل الوقت والجمع بين المتناقضات، الاتحاد السوفياتي وأميركا، أو الشرق والغرب، لتعزيز وزنها وتسويغ دورها، مطمئنة نسبياً إلى الروح العامة التي تحكم السياسات العالمية، روح التفاهم والتسليم بدورها الإقليمي، لكن اليوم ثمة مرحلة جديدة بدأت عنوانها تفكيك آليات الصراع العتيقة وقلب شروط اللعبة القديمة، ما يدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن المناورات الجديدة والتي تجري بالروحية ذاتها لإعادة الوزن السوري ودوره الإقليمي تسير في طريق مسدودة، وتكشف أن ما يثار عن استعداد للحوار والتعاون هو ليس أكثر من محاولة لكسب الوقت محفوفة بمخاطر كبيرة.

خاصة وأن السياسة السورية لم تعد تملك هامشاً واسعاً للمناورة كما هي تعتقد أو يحلو لها أن تعتقد، وذلك لسببين، أولهما، تراجع الثقة بها وشيوع إحساس غربي بعدم قدرة القيادة السورية على الوفاء بوعودها والتزاماتها بعد تجريبها أكثر من مرة وانقلابها على غير فرصة أعطيت لها لم تثبت فيها رغبة صادقة في التعاون، بل إصراراً على الطرائق والعقلية القديمة ذاتها في فرض هيمنتها وتأكيد دورها.

وثانيهما، شبح المحكمة الدولية وتراجع القدرة موضوعياً على تقديم ضمانات حول مسار التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري وما سوف تجره من أثار سلبية في حال تبين للجنة التحقيق الدولية أن هناك مسؤولية سورية ما في الاغتيال.

فالخطوات التي قطعها مجلس الأمن على هذه الطريق لم يعد بالإمكان التراجع عنها، ولنقل صار من الصعب جداً -وتحت أية ادعاءات كانت- خلق مناخات جديدة تمنع الأمور من أن تأخذ مجراها الطبيعي.

"
يبدو أن لا مخرج لمأزق السياسة السورية الراهن والمرشح للتفاقم ما دام ثمة ركون لعقلية ومفاهيم عتيقة عن القوة والسلطة والنفوذ الإقليمي، وإلى وهم أن تحصيل المزيد من القوة العسكرية والأمنية يعني مزيدا من تعزيز السلطة وضمان استقرارها
"
يبدو أن لا مخرج لمأزق السياسة السورية الراهن والمرشح للتفاقم ما دام ثمة ركون لعقلية ومفاهيم عتيقة عن القوة والسلطة والنفوذ الإقليمي، وإلى وهم أن تحصيل المزيد من القوة العسكرية والأمنية يعني مزيدا من تعزيز السلطة وضمان استقرارها، وأن قوة الدولة وسطوتها إنما تنبع من قدرتها على بسط نفوذها خارج حدودها وعكسه على الداخل.

إذا كان تجديد المشروعية الأيديولوجية في ظروف الحرب الباردة وتأكيد مفاعيلها قد حدا بالنظام السوري إلى منح السياسة الخارجية أولوية على ما عداها وتقديم دورها في صياغة علاقة السلطة بالمجتمع وإعادة إنتاج القوى والمواقع، وتسويغ احتكار الحقل السياسي وإخضاع الفضاء العام وسيادة طويلة الأمد لحالة الطوارئ والأحكام العرفية، وتالياً تقديم العامل العسكري والأمني في الحسابات وفي بناء المواقف والسياسات.

فإن أهم درس خلفته نتائج الحرب الباردة هو تراجع وزن العامل العسكري في معايرة إمكانات الدول وقوة حضورها -حاز الاتحاد السوفياتي منه موقعاً ريادياً- مقابل تقدم عوامل السياسة والاقتصاد والفعالية البشرية والعلمية، وأخذت العلاقات بين الدول تعود إلى لعبة التوازن التقليدية والتي تحتل فيها الكتلة الداخلية بتكاملها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموقع الرئيس في قياس قدرة أي بلد وقوته.

الأمر الذي يستدعى إجراء تغيير جدي على طرائق الحضور الإقليمي وإعادة ترتيب الأوليات والانطلاق من حقيقة أساسية تقول إن الدول إنما تستمد قوتها من ذاتها وكفاءة مجتمعاتها لا من ضبط الداخل أمنياً وتسخير جل إمكانياته لمعارك النفوذ.

ألم يؤكد نجاح اليسار في أميركا اللاتينية، خاصة التجربة الفنزويلية العزيزة على قلوب الكثيرين، هذه الحقيقة، وألم تكشف تلك التجارب أن قوة المجتمعات وقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية لم تأت من خلال سعيها لمزيد من التسلح وامتلاك النفوذ أو التعويل على تكتيكات ومناورات مؤقتة ليس لها قيمة أو حصانة، بل بامتثالها لقواعد الديمقراطية وتداول السلطة، وصياغة شرعيتها وشعبيتها عبر برامج تنموية تضع في مركز اهتمامها تطوير حياة الناس وكفاءاتهم واحترام حقوقهم وكراماتهم.

فالنفع يأتي فقط من إطلاق عملية الإصلاح والتغيير الديمقراطي ليس بوصفها مطلباً طبيعياً ومشروعا لكل مواطن كي يمارس حريته ويشارك في تقرير مصيره فحسب، وإنما أيضاً كونها ضرورة حيوية للوطن ككل، تهيئ الشروط المناسبة لمساهمة الجميع في بنائه وتطويره وتمكينه من مواجهة مختلف التحديات.
ـــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة