هل تسهم التحلية في الأمن المائي؟   
الثلاثاء 1433/11/24 هـ - الموافق 9/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:27 (مكة المكرمة)، 8:27 (غرينتش)
أحمد محمدن

 

ما من خلاف في أن الحاجة إلى ماء الشرب في ازدياد مستمر بينما تتجه مصادر المياه التقليدية للنضوب والندرة. فكيف لساكنة الأرض أن تطفئ ظمأها؟ وما أنجع الوسائل لتأمين مياه الشرب في زمن تشدّد معايير الصحة ودقة التحاليل المخبرية؟

لقد نشر معهد المهندسين الميكانيكيين في لندن دراسة متشائمة العام الماضي توقع فيها أن يبلغ سكان الأرض 9.5 مليارات نسمة بنهاية هذا القرن، وجزِع لسقاية هذا العدد الكبير من العطشى معولا على تحلية مياه البحار لسد هذه الحاجة.

واتجه الباحثون إلى البحار بحثا عن ماء الشرب سواء لشح الأمطار والأنهار كما هي حال الصحراء العربية، أو لشح أرض تخزن الماء، كما في البلاد الاستوائية التي لا تنفك عنها الأمطار إلا قليلا.

فجزيرة سنغافورة على سبيل المثال تستقبل سنويا ما يقارب 2500 مل من المطر ولكن مساحتها التي لا تتجاوز 700 كلم مربع تعج بساكنة تربو على خمسة ملايين نسمة، فأنى لها تخزين هذا الماء الطهور؟ "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِين" الحجر: 22.

في أوروبا، دقت دول عديدة ناقوس الخطر بخصوص نقص المياه فمنعت بريطانيا، منذ مطلع هذا القرن، رش الحدائق المنزلية وغسل السيارات باستخدام مواسير المياه المنزلية، وذلك في لندن وجنوب شرق إنجلترا باعتبارها مناطق "يهددها الجفاف"!

وفي أوروبا، دقت دول عديدة ناقوس الخطر بخصوص نقص المياه فمنعت بريطانيا، منذ مطلع هذا القرن، رش الحدائق المنزلية وغسل السيارات باستخدام مواسير المياه المنزلية، وذلك في لندن وجنوب شرق إنجلترا باعتبارها مناطق "يهددها الجفاف"!

وأي جفاف يقصدون والأرض مروج وغابات خضراء وأنهار جارية وسماء ماطرة؟ ولكنه الجزع لأن كمية الأمطار نقصت عن نسبتها المعتادة.

فالحالة المثالية أن تتوفر لساكنة الأرض حاجتهم من المياه النقية دون تكلفة تذكر. ولكن الواقع أثبت أن الماء -كما يقول المثل العربي- "أذلّ موجود وأعزّ مفقود"!

ونود في هذا المقال التعرف على تحلية مياه البحار -مكتفين بمثالين من تقنيات التحلية- ومدى قدرتها على ري ظمأ أهل الأرض، كما نحاول رصد الآثار البيئية لمنشآت التحلية ونستشرف ما يمكن أن تؤول إليه هذه التقنية مستقبلا.

التحلية التقليدية بعكس الأسموز (Reverse Osmosis, RO)
إذا فُصل بين محلول ملح وماء نقي بغشاء نصف نفاذ يسمح بمرور الماء دون الملح فإن الماء النقي سيتسلل إلى محلول الملح حتى يتساوى تركيز الملح على جانبي الغشاء. تسمى هذه الظاهرة الطبيعية "الأسموز Osmosis" وتسري على السوائل المتباينة التركيز المفصولة بأغشية نصف نفاذة.

ومن أجل زيادة كمية الماء النقي وعزل الملح لابد من آلية تضمن هجرة معاكسة للماء من الجزء المالح إلى الجزء النقي أي عكس اتجاه الأسموز.

ويمكن تحقيق ذلك بالضغط على الماء المالح بقوة تفرض على جزيئات ماء البحر النزوح عبر الغشاء النفاذ باتجاه الماء النقي مخلفة الملح وراءها. وبهذا يفصل الملح عن ماء البحر، أو "يُحلَّى" ماء البحر بآلية عكس الأسموز.

وهي التقنية الأولى والأوسع انتشارا في تحلية مياه البحار وتكمن تكلفتها العالية في الطاقة المستخدمة للضغط على ماء البحر.

التحلية بالتبخير السريع المتتالي (Multistage Flash Distillation, MSF)
وتقوم هذه التقنية على خفض درجة غليان الماء بخفض الضغط. فيمرر الماء في غرف متتالية متناقصة الضغط بحيث يسخن ماء البحر في الغرفة الأولى فيتبخر بعضه، تاركا الملح وراءه، ويمر الباقي إلى الغرفة التالية حيث يتبخر جزء آخر عند حرارة أقل وهكذا..

ويكثف البخار المتجمع من هذه الغرف فيتحول إلى ماء نقي. ومن أجل تخفيف التكلفة تبنى هذه المنشآت عادة قرب محطات توليد الكهرباء للاستفادة من الحرارة المنبعثة من المولدات في تبخير الماء. ولعل محطة الجبيل، بالمملكة العربية السعودية، أكبر محطة من هذا النوع في العالم.

مياه التحلية لا تخرج من المحطات عذبة سائغا شرابها، فلا بد من معالجتها بيولوجيا وكيميائيا. فلربما احتوت على كائنات حية دقيقة غير صحية، أو احتاجت إلى تعديل حموضتها أو إضافة معادن أساسية ضمن 21 عنصرا معدنيا عددتها منظمة الصحة العالمية ضرورية لمياه الشرب

وثمة تنافس بين هاتين التقنيتين جعلهما الأكثر انتشارا. فمحطات التحلية موزعة بينهما في بلدان كثيرة من إسبانيا إلى أستراليا مرورا بالوطن العربي وجنوب آسيا واليابان. وقل الشيء نفسه عن غرب المحيط الأطلسي.

التحلية التقليدية باتجاه الأسموز (Forward Osmosis, FO)
ما زالت هذه التقنية قيد الدراسة والتنفيذ وإن نجحت مخبريا. وهي تتفادى تكلفة الأسموز العكسي بالجري مع تيار الأسموز ولكن بدلا من ماء نقي في الجانب الآخر من الغشاء، تقدم هذه التقنية مادة صلبة جاذبة للماء لتذويبها (كأنها فخ لصيد الماء) حتى إذا انجذب الماء وذابت فيه تخلص منها ليبقى الماء نقيا.

ولابد أن القارئ الكريم يتساءل هل أبدلت بتكلفة الطاقة تكلفة هذه المادة الجاذبة؟ والجواب نعم. ولكن، كيف إذا كانت هذه المادة رخيصة وخالية من السموم وتذوب بسرعة وتتبخر في درجة حرارة منخفضة تؤمنها شمس الظهيرة مثلا؟ هذا ما يتنافس الباحثون في الوصول إليه وقد تحقق منه الشيء الكثير.

وتجدر الإشارة إلى أن مياه التحلية لا تخرج من المحطات عذبة سائغا شرابها فلا بد من معالجتها بيولوجيا وكيميائيا. فلربما احتوت على كائنات حية دقيقة غير صحية، أو احتاجت إلى تعديل حموضتها أو إضافة معادن أساسية مثل المغنيسيوم والكالسيوم والفوسفات والفلور وغيرها ضمن 21 عنصرا معدنيا عددتها منظمة الصحة العالمية ضرورية لمياه الشرب وذلك في تقرير منشور سنة 2003.

الآثار البيئية للتحلية
بغض النظر عن تقنية التحلية المتبعة فإنها تسحب كميات كبيرة من ماء البحر وتفصل الماء وترجع في البحر أكواما هائلة من الملح المركز. وفي كل الأحوال تستخدم التقنية كمية من الطاقة يخف أو يشتد أثرها على البيئة حسب نوع الطاقة ومخلفاتها وكمياتها.

أما عملية التحلية ذاتها، ففي السحب لا تنجو كائنات بحرية كثيرة من فوهات أنابيب الشفط. وبالإضافة إلى القضاء على هذه الكائنات دون مبرر، فإن أشلاءها تسهم في تلويث الماء عضويا وحيويا كما أنها قد تسد مسامّ الأغشية النفاذة في محطة التحلية خافضة مردودها ورافعة من استهلاكها للطاقة.

ويمكن تخفيف هذا الأثر بمدّ أنابيب الشفط مائة متر أو أكثر في عمق البحر لسحب مياه أنقى وتسوير فوهات الأنابيب لحجب المستطاع من الكائنات البحرية.

أما الملح المركز فيقضي على كثير من الكائنات البحرية، وربما غيّر البيئة المحلية بشكل نهائي لأن خفض تركيزه إلى "المستوى المقبول" قد يتطلب وقتا طويلا بحسب الكمية وهيجان البحر.

فلماذا لا يصنّع الملح المركز ويصرف في استخدامات غير آدمية كعلف الإبل وبعض الصناعات الكيماوية. وإن كان لابد من إرجاعه للبحر فليكن ذلك على دفعات يختار لها الزمان والمكان والمقدار بعناية. فالزمان يكون وقت هيجان البحر ومده لتذويب الملح وتفريقه بشكل سريع. أما المكان، فأعالي البحار أقل تأثرا من شواطئها بهذا الملح المركز. فلماذا لا تهيأ أحواض نقل مناسبة تسحبها سفن الصيد وتتخلص من محتواها تدريجا أثناء رحلة الصيد وتعود بها السفن فارغة؟

ولكن ليست كل آثار التحلية سلبية على البيئة. فاستخدام ماء البحر قد يسهم في التخفيف من ارتفاع مستوى البحر وخاصة إذا انتشرت محطات تحلية ذات تكلفة منخفضة لتوزيع مياه الري الزراعي. ولك أن تتصور محطات تحلية متناثرة على الشواطئ العربية التي يربو طولها على 23000 كلم وكيف يمكن أن تحقق الأمن المائي والغذائي إضافة إلى الحد من ارتفاع مستوى البحر.

الوطن العربي يعتمد بنسبة كبيرة على تحلية المياه، كما يحوي أكبر محطات التحلية في العالم. ورغم وجود مراكز لدراسات وأبحاث التحلية فإن نشاطها وإنتاجها البحثي ليس بحجم منشآتها وإنتاجها من الماء، وحري بأصحاب القرار دعم هذه المراكز ورعايتها

موقع الوطن العربي على خريطة التحلية
تنتشر 16000 محطة تحلية مياه في 150 دولة وتنتج 66.5 مليون متر مكعب من الماء يوميا. تستأثر السعودية وحدها بنسبة 17% من هذا الإنتاج محتلة بذلك صدارة العالم في تحلية المياه. وإذا أضفنا إليها دول الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والجزائر قفزت النسبة إلى 41%.  

إذن فالوطن العربي يعتمد بنسبة كبيرة على تحلية المياه كما يحوي أكبر محطات التحلية في العالم. ورغم وجود مراكز لدراسات وأبحاث التحلية فإن نشاطها وإنتاجها البحثي ليس بحجم منشآتها وإنتاجها من الماء، وحري بأصحاب القرار دعم هذه المراكز ورعايتها ودفعها لقيادة العالم في هذا الميدان.

فإن مؤشرات الأمن المائي تشير كلها إلى البحار، فلو وضعت إستراتيجيات لاستخدام مياه التحلية في كل شيء إلا الشرب الذي تخصص له المياه الجوفية لأمكن توفير الماء في الوطن العربي بأسعار لائقة. لأن الاستخدامات غير الشرب لا تتطلب الدقة في التركيب والرقابة المخبرية الشديدة وبذلك تنخفض تكاليف مياه التحلية بشكل كبير. ثم إن تخصيص المياه الجوفية للشراب دون غيره من الاستخدامات يوفر مياه عالية الجودة كما وكيفا. فالمعالجة المخبرية أقل والنقاء والعذوبة أعلى.

أما ترك الأمور دون تخطيط فينتج عنه ما نرى من غور المياه الجوفية في أجزاء كثيرة من الوطن العربي. فقبل 10 سنوات كان المزارع يحفر إلى عمق 200 متر (في أجزاء من نجد) ليصل إلى الماء واليوم يحتاج إلى الحفر بعمق 650 مترا.

وكلنا نعرف أحواض التبريد التي يضطر إليها المزارعون في بعض المناطق حيث يمتح الماء حارا فوارا من فرط عمقه (طبقات الأرض الحارة)، فلا بد من تبريده أولا قبل سقي الحرث والنسل!

نظرة استشرافية
إن تقدم تقنية النانو أنتج أنابيب كربون شعيرية تعرف بأنابيب الكربون النانوية Carbon nanotube (CNT) التي تجرى عليها الآن دراسات واعدة. فلربما أمكن استخدامها في التحلية وذلك لقدرتها على تمرير الماء دون الملح وسرعة انسياب الماء فيها، فلعل هذه الأنابيب النانوية تصبح بديلا عن الأغشية التقليدية.

وبسبب التحكم في تركيب مياه التحلية فلن يكون من المستبعد "تصنيع المياه على الهوى" فيفصّل المستهلك الماء حسب رغبته وحاجته فهذا يريد زيادة في الفلور والكالسيوم رعاية لعظام وأسنان أطفاله وذاك يفضل ماء أشد صلابة وهكذا..

وبالإضافة إلى الطاقة، نتوقع أن يكون التحليل المخبري للمياه جزءا مهما من سعرها في المستقبل وذلك في ظل الوعي المتنامي بالتلوث ومخاطره وهو ما يمكن أن يجعل صرامة الرقابة الصحية مطلبا وطنيا في كثير من البلدان.

وتلحق بالرقابة الصحية حماية البيئة التي قد تفرض قيودا على نشاط المحطات للحد من الآثار السلبية على المحيط الطبيعي والحياة البحرية. كل ذلك سيسهم في نقاء مياه المستقبل وجودتها ولكن ربما زاد من تكلفتها لحث الناس على ترشيد هذه المادة التي تستحيل الحياة دونها، بل إنها مصدر الحياة "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" الأنبياء: 30.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة