إيران وخيار دعم المالكي   
الأربعاء 21/6/1434 هـ - الموافق 1/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:56 (مكة المكرمة)، 5:56 (غرينتش)
محمد عباس ناجي

المشهد السوري في الخلفية
توافق أميركي إيراني علي المالكي
خطوات في اتجاهات متعددة

تراقب إيران بدقة وحذر تطورات الأزمة السياسية المعقدة في العراق، والتي دخلت مرحلة جديدة بعد تصاعد حدة الاضطرابات الأمنية في منطقة "الحويجة" بمحافظة كركوك على خلفية اقتحام قوات من الجيش العراقي لساحة اعتصام، ما أسفر عن سقوط قتلي وجرحي، وتزايد احتمالات تكرار المواجهات في محافظة الأنبار، لا سيما مع تشكيل المعتصمين ما يسمي بـ"جيش العزة والكرامة" لمنع الجيش من اقتحام ساحة الاعتصام على غرار ما حدث في الحويجة، فضلا عن مقتل خمسة جنود من الجيش على أيدي مسلحين مجهولين.

وبالطبع، فإن تصاعد حدة المواجهات الأمنية، التي يمكن أن تتطور إلى حرب طائفية جديدة، يفرض مزيدا من الضغوط على حكومة نوري المالكي، التي لم تنجح بعد في تسوية أزمة مقاطعة بعض وزراء الكتل المشاركة فيها لاجتماعات مجلس الوزراء، أو احتواء التظاهرات المنددة بفشل الحكومة في التعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، وإصرار المالكي على إحكام سيطرته على مقاليد السلطة في بغداد، بالتزامن مع إجراء الانتخابات البلدية في 20 أبريل/نيسان الماضي.

ورغم تصدر قائمة "دولة القانون" التي يتزعمها المالكي لنتائج هذه الانتخابات، إلا أن ذلك لن يضيف كثيرا، على الأرجح، إلى رصيده السياسي، خصوصا أن هذه النتائج لن تتيح له الحصول على أغلبية مريحة قبل الانتخابات التشريعية التي سوف تجرى في مطلع العام القادم، كما لن تسمح له بالتفكير في الإقدام على مغامرة حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة تتيح له تشكيل حكومة غالبية للتخلص من أعباء الحكومة الحالية.

إيران وهي تتابع تفاصيل المشهد السياسي المتشابك في العراق، تربط بين التحديات التي يواجهها نفوذها هناك, والتداعيات السلبية المحتملة التي يمكن أن يفرضها سقوط النظام السوري

المشهد السوري في الخلفية
واللافت في هذا السياق، أن هذه التظاهرات التي تشهدها بعض المناطق ذات الأكثرية السنية مثل الفلوجة والرمادي وسامراء وتكريت والموصل، بدأت تكتسب زخما خاصا بعد تصاعد قوة المعارضة السورية "السنية" ونجاحها في تحقيق انتصارات متتالية في مواجهة نظام الرئيس بشار الأسد، بشكل دفع البعض إلى ترجيح أن تكون العراق هي أولى المحطات الإقليمية التي ربما تشهد "ارتدادات" إقليمية سريعة للصراع في سوريا.

وبدون شك، فإن إيران وهي تتابع تفاصيل المشهد السياسي المتشابك في العراق، تربط بين التحديات التي يواجهها نفوذها في العراق، والتداعيات السلبية المحتملة التي يمكن أن يفرضها سقوط النظام السوري على طموحاتها في المنطقة.

ومن هنا كان قرار طهران بالوقوف خلف حليفها الرئيسي الأهم في العراق زعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي، ودعمه في مواجهة خصومه السياسيين، خصوصا ائتلاف "القائمة العراقية" الذي تعرض لانشقاقات سياسية قوية في الفترة الأخيرة، و"التحالف الكردستاني" بزعامة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني.

بقاء المالكي في منصبه في هذا الوقت تحديدا يكتسب أهمية ووجاهة خاصة بالنسبة لإيران لاعتبارات عديدة: أولها، أن المالكي أسس تحالفا إستراتيجيا مع إيران رغم الضغوط القوية التي تعرض لها من قبل الولايات المتحدة الأميركية، كما دعم نظام الأسد، وحول العراق إلى "ممر" للمساعدات الإيرانية، التي تمثل أحد الأسباب الرئيسية في بقاء هذا النظام حتى الآن رغم كل الضغوط والضربات التي تعرض لها في الفترة الماضية.

وقد كانت هذه القضية تحديدا محط اهتمام إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التي أعربت عن إحباطها أكثر من مرة لتجاهل السلطات العراقية إجراء عمليات تفتيش للطائرات الإيرانية المتجهة إلى سوريا.

ويبدو أن هذه السياسة الداعمة للنظام السوري كانت وراء تعمد الرئيس أوباما عدم وضع العراق على أجندة زيارته للشرق الأوسط في مارس/آذار 2013، والتي شملت إسرائيل ورام الله والأردن، في إشارة إلى تصاعد حدة الاستياء الأميركي تجاه تلك السياسة التي يتبناها المالكي، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال زيارته للعراق، في الشهر نفسه، بقوله إن "استمرار استخدام إيران للأراضي العراقية في دعم النظام السوري يمثل مشكلة".

ورغم قيام السلطات العراقية بإجبار عدد من الطائرات الإيرانية التي كانت متجهة إلى سوريا على الهبوط في مطار بغداد لتفتيشها، بعد زيارة كيري، فإن مدى التزام بغداد بالاستمرار في تبني هذه السياسة يبقى محل شك، في ظل علاقاتها الوثيقة مع إيران، والتي لن تسمح بسهولة بسد كل الطرق أمامها لتقديم المساعدات للنظام السوري، للحيلولة دون سقوطه، ما سوف ينتج تداعيات قوية على مصالح إيران وطموحاتها الإقليمية. وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى دراسة خيارات أخرى للتعامل مع المساعدات التي تصل إلى النظام السوري، ومنها إقامة منطقة حظر طيران في شمال سوريا، قرب الحدود مع تركيا.

توافق أميركي إيراني على المالكي
لكن الملفت في هذا السياق، أنه رغم امتعاض واشنطن من السياسة التي يتبناها المالكي، لا سيما إزاء الأزمة السورية، فإنها التقت مع طهران، في تقديم الدعم اللازم له، حتى قبل نجاحه في تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية التي أجريت في مارس/آذار 2010 والتي أسفرت نتائجها عن حصول قائمته (دولة القانون) على المركز الثاني بعد "القائمة العراقية" بزعامة إياد علاوي، وهو ما يعود إلى رغبة واشنطن في الحفاظ على "قناة اتصال" مفتوحة مع الإيرانيين، من خلال نوري المالكي، ربما يتم الارتكان إليها في حالة الوصول إلى "صفقة إقليمية كبرى" مع إيران حول أزمة الملف النووي، والطموحات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن أن المالكي نفسه بدا حريصا على التماشي مع السياسة الأميركية، وهو ما بدا جليا، على سبيل المثال، في إصراره على توقيع الاتفاقية الأمنية مع واشنطن عام 2008، على رغم الرفض القوي الذي أبدته طهران والضغوط التي فرضتها عليه للتراجع عن قراره.

وقد حرص المالكي على تأكيد علاقاته القوية مع واشنطن في مقال كتبه في صحيفة "واشنطن بوست"، في 9 أبريل/نيسان الماضي، بمناسبة الذكرى العاشرة للإطاحة بنظام صدام حسين، قال فيه إن بلاده "ستبقى ممتنة للدور الذي ساهمت به القوات الأميركية في الإطاحة بنظام صدام حسين"، مضيفا إن "الولايات المتحدة لم تخسر العراق بخروج قواتها في عام 2011"، و"عوضا عن ذلك، لديها في العراق شريك يعنى بالمصالح الإستراتيجية المشتركة وبجهودنا المشتركة في مجال الطاقة والاقتصاد وتعزيز السلام والديمقراطية".

يمثل العراق محورا مهما في السياسة التي تتبناها إيران للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها, حيث تساعد التعاملات مع بعض المصارف العراقية، إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي

وثانيها، أن العراق يمثل محورا مهما في السياسة التي تتبناها إيران للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها بشأن أزمة ملفها النووي، والتي تصاعدت حدتها في الفترة الأخيرة وتسببت في أزمة اقتصادية حادة، حيث تساعد التعاملات مع مجموعة من المصارف العراقية، إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي، وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على مصرف "إيلاف" العراقي، في 12 أغسطس/آب 2012، بعد أن اتهمته إدارة أوباما بتنظيم تعاملات تقدر قيمتها بملايين الدولارات مع بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات، مثل بنك "تنمية الصادرات"، بسبب ارتباطها بالبرنامج النووي الإيراني.

وثالثها، أن تزايد احتمالات سقوط نظام الرئيس السوري، وهو ما سوف ينتج تحديات عديدة أمام طموحات إيران الإقليمية، يضاعف من أهمية الإبقاء على المالكي رئيسا للوزراء في العراق، تحسبا للفترة القادمة، التي يمكن أن تشهد تصعيدا في الضغوط المفروضة على إيران، خصوصا في ظل التطورات العديدة التي طرأت على الساحة الإقليمية، والتي تعتبر إيران أنها الهدف الأساسي منها.

فقد عادت العلاقات الحميمة بين تركيا وإسرائيل بعد المصالحة التي جرت برعاية الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال زيارته للمنطقة في مارس/آذار الفائت، وهو ما اعتبرت إيران أنه يستهدف "المقاومة" و"الصحوة الإسلامية"، ما يؤشر إلى أن هذا التطور ربما يزيد من مساحة التباين القائمة بين إيران وتركيا، خصوصا حول التعامل مع تطورات الملف السوري.

كما توصلت أنقرة إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع حزب العمال الكردستاني، لم تكن واشنطن بعيدة عنه، على الأرجح، وهي خطوة جديدة استهدفت، في جزء منها، حرمان إيران والعراق وسوريا، من استثمار الورقة الكردية في الضغط على أنقرة لتغيير موقفها تجاه الصراع في سوريا، وسقطت حكومة نجيب ميقاتي القريبة من حزب الله في لبنان، والتي التزمت بسياسة "النأي بالنفس" تجاه الأزمة السورية، وفوق ذلك، اتسعت مساحة التوتر بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، بعد أن كشفت أكثر من دولة خليجية خلال الآونة الأخيرة عن شبكات تجسس تعمل على أراضيها لصالح إيران.

خطوات في اتجاهات متعددة
وعلى ضوء ذلك، سعت إيران إلى دعم المالكي في مواجهة خصومه السياسيين، ويبدو أن رهان طهران، إلى جانب المالكي، على تفكك المعارضة قد نجح إلى حد ما، لا سيما بعد انشقاق بعض كوادر "القائمة العراقية"، مثل صالح المطلك نائب رئيس الوزراء الرئيس السابق لـ"جبهة الحوار الوطني"، التي أصدرت قرارا بفصله بعدما اتهمته بإبرام صفقات مع المالكي بشأن العودة إلى الحكومة، وجمال الكربولي رئيس "كتلة الحل"، وغيرهم.

كما اتجهت إيران إلى إقناع حلفائها من القوى الشيعية المنخرطة في "التحالف الوطني"، بضرورة دعم المالكي خلال هذه الفترة الحساسة، مستندة في ذلك إلى ضرورة الحفاظ على تماسك "البيت الشيعي" في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التجاذب الطائفي في المنطقة بفعل ثورات "الربيع العربي"، حيث استغلت مؤتمر "الوحدة الإسلامية" الذي استضافته في يناير/كانون الثاني الماضي، لدعوة زعماء القوى الشيعية، لا سيما إبراهيم الجعفري رئيس "التحالف الوطني"، وعمار الحكيم رئيس "المجلس الأعلى الإسلامي"، إلى دعم المالكي في مواجهة المحاولات التي يبذلها خصومه السياسيون بهدف إسقاطه، مستغلين المناخ العام الذي فرضته التظاهرت المتصاعدة في المناطق ذات الأغلبية السنية.

ويبدو أنها نجحت نسبيا في تحقيق ذلك، وهو ما بدا جليا في الجهود التي يبذلها "التحالف الوطني"، خلال الفترة الحالية، لتقريب وجهات النظر بين المالكي والبارزاني. إلا أن العقبة الأساسية تتمثل في محاولة إقناع التيار الصدري بعدم الاستمرار في التصعيد مع المالكي، خصوصا بعد أن رفض الزعيم الصدري مقتدى الصدر دعوة إيران للمشاركة في مؤتمر "الوحدة الإسلامية"، مفضلا إرسال مندوبين عنه، وهو ما دفع بعض أقطاب التيار الشيعي، خصوصا عمار الحكيم، إلى بذل جهود حثيثة للتوسط بين المالكي والصدر، من أجل التوصل إلى حل وسط ينهي الأزمة القائمة بين الطرفين.

اتجهت إيران إلي إقناع حلفائها من القوى الشيعية بضرورة دعم المالكي خلال هذه الفترة الحساسة، لكن التيار الصدري ما زال مصرا على الوقوف على مسافة نسبية من إيران 

لكن التيار الصدري، الذي حرص على تأييد مطالب المتظاهرين، ما زال مصرا على الوقوف على مسافة نسبية من سياسات إيران ومنظومة تحالفاتها السياسية في العراق، لدرجة أنه خالف، ضمنيا، الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي آية الله كاظم الحائري بتحريم التصويت للعلمانيين، وهو ما صب في صالح المالكي، لا سيما أن بعض خصومه السياسيين يتبعون الحائري، بتأكيده أن "الحائري حرم التصويت للعلمانيين وليس سحب الثقة من المالكي".

ومع ذلك، فإنه لا يمكن التكهن بمدى قدرة التيار الصدري على الصمود حتى النهاية في موقفه الرافض لدعم المالكي، ليس فقط بسبب الضغوط المستمرة من جانب إيران وحلفائها، بل وأيضا لأن الخلافات بين المالكي وبعض خصومه السياسيين سياسية في المقام الأول، أي يمكن احتواؤها، ما يمكن أن يؤدي إلى خروج الصدريين من "الأسرة الشيعية" حسب توصيف البعض، بكل ما ينتجه ذلك من تداعيات قوية على تماسك خريطة القوى السياسية الشيعية قبيل الاستحقاقات السياسية القادمة وعلى رأسها الانتخابات التشريعية في بداية العام المقبل، والتي يبدو أنها سوف تكون اختبارا حاسما لتحديد وجهة العراق خلال المرحلة المقبلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة