مصر وتونس.. قبل أن يذهب الربيع   
الأحد 27/10/1432 هـ - الموافق 25/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:55 (مكة المكرمة)، 7:55 (غرينتش)
مهنا الحبيل


ضريبة الاستقلال الثاني
تحديات الإرث الثقيل
الغرب الاستعماري الحسود
الصراع الداخلي الخطر الأكبر

الإنجاز الذي حققه الشعبان العربيان في مصر وتونس كبير جدا، ولا يزال يُشكّل هيكل الفكر الجديد لحركة النهوض العربية المستمرة التي أطلقت ثورة معنوية في الوجدان قبل الميدان، اعتمدت على إعلان التمرد على عقود من القهر ومنهج السُخرة الذي حوّل المواطن العربي في كثيرٍ من الظروف إلى جسمٍ فاقد القدرة التعبيرية, ممتهن الكرامة, منزوع الإرادة ومحاطا ببرنامج قمع أمني وفساد اقتصادي طوّق إنسانية الفرد وألغى طموحه الوطني وحطم ذاته النفسية, بحيث أفحش الاستبداد واطمأن في سحقه الوجود الشعبي الشريك ليحوله بحسب تخطيطه إلى كتلة الشعب المملوكة لنظامه السياسي.
 
ضريبة الاستقلال الثاني
لقد أتت الثورة لتحطّم كل ذلك البرنامج الاستبدادي التاريخي الضخم الذي دعمه الغرب في شراكة إستراتيجية لتأمين مصالحه على حساب حرية وكرامة الإنسان العربي، ليُعلن الربيع العربي تأسيس دولة الاستقلال من جديد التي تعتمد تحرير الأرض والإنسان معا، اللذين استعمرهما الاستبداد بعد الاحتلال وركّز على قمع الإنسان لتسخيره والأرض الاقتصادية لمصالح النظام السياسي فقط, وركل الوطن للحديقة الخلفية بربطه قسريا به لا بالشعب.

"
إذا أصيبت الإرادة الذاتية لقواعد الثورة وقواها الوطنية بالتفكك والصراع فهذا هو الخطر المركزي على مستقبل الثورة السياسي، ومنجزها المنتظر بنقلها من عمل ميداني إلى نظام العدالة السياسي
"
من هنا يبرز لنا ما عنته إنجازات الثورتين وما يليهما من ثورات في الوجدان الإنساني، وهو القاعدة المهمة للتاريخ الوجودي الوطني لكل دولة, وبالتالي فإن من المهم جدا إدراك الرأي العام العربي والوطني طبيعة هذا التحوّل الضخم، وأنه يحتاج إلى برنامج زمني ومعالجات ربما يخطئ بعضها أو يُقصّر لكن ذلك لا يعني نهاية الثورة أو فشلها, إلا إذا أصيبت الإرادة الذاتية لقواعد الثورة وقواها الوطنية بالتفكك والصراع، فهذا هو الخطر المركزي على مستقبل الثورة السياسي ومنجزها المنتظر بنقلها من عمل ميداني إلى نظام العدالة السياسي الشامل، المحكوم بإرادة الشعب وخياره المعتمد بوسائط الديمقراطية والمساواة الاجتماعية .

ولذلك من المهم جدا أن لا يُتبنى برنامج أو ثقافة أو لغة تساهم في التحفيز على الإحباط وإشعار الجمهور العام بالتهويل لأي فشل أو معوقات, عبر تضخيمها وإشعال الضجيج الإعلامي بدلا من مواجهتها الميدانية السياسية في موقع الخلل أو الإعاقة أو الاختراق من خصوم الثورة, بل الحل في حمله على التصحيح والتراجع إن أمكن كليا وإن لم يتيسر عبر التضييق على هذا الاختراق لخصوم الثورة، حتى يتم تأمين نقل كافة المؤسسات الدستورية بمرحلة التصويت الحر الذي تمارسه الإرادة الشعبية.

وهي المعركة الأهم لمنجز الثورة والطريق المباشر لتأمين المستقبل السياسي لرفاهية الشعب ودولة الحرية والمساواة, وهو ما يتطلب بالضرورة احتفاظ التيارات الوطنية الصانعة للثورة أو المشاركة فيها ببعد نظر وتوازن في الرد على الانتهاكات، ورؤية إستراتيجية تقدر رد الفعل لكل موقف بحسب حجمه، وليس إشعال الشارع مع كل شاردة وواردة حتى يُحبط ويُستنزف, مع إبقاء زخم الشارع وقدراته الهائلة كمخزون دفاعي عن مصالح الشعب وأهداف الثورة العليا.

تحديات الإرث الثقيل
وفي كلتا الدولتين -مصر وتونس- برزت تحديات رئيسة تكاد تتماثل وإن اختلفت في نسبة قوة هذا التحدي, ومن أسباب بروز هذه التحديات هو طبيعة الانتقال السلمي للثورة عوضا عن مشاريع التصفية التي نفذتها في تجارب سابقة مرحلة العنف الثوري لدى الحركات اليسارية، وكانت لها سلبيات ومخاطر وتجاوز حقوقي كبيرة.

وتجنب العنف الثوري مركزية إيجابية نجحت في القطرين، لكن عليها تبعات مهمة ودقيقة في مواجهة بقاء البناء القديم للنظام, وبالتالي بقاء الهيكل العام للدولة الذي سُخّر لعقود وعبر أجيال متناسخة في الهيمنة على تفاصيل المؤسسات الحكومية، وهو ما يحتاج معالجة يقظة وذكية ودقيقة ووحدة وطنية صلبة وغير مشتتة بالانفعال.

"
من مصلحة الإرادة الشعبية أن تَستثمر بعض الشخصيات المخلصة من النظام السابق ولا يُحكم عليها بالإعدام السياسي, واستبعاد النماذج السيئة التي استقت كل شرعيتها المزيفة من فقه الدكتاتورية وتجارة الفساد
"
إذن، العنصر الأول المهدد للربيع هو بقاء النظام السياسي السابق الذي بقي العديد من أركانه في المؤسسات والحياة السياسية، وطموحهم المستبطن بقلب موازين اللعبة تدريجيا لشراكة مع المستقبل الجديد أو إعادة تشكل جديدة لبقايا النظام السابق قد لا تصادم الإرادة الشعبية بصورتها, لكن في مضمون قيمها الفكرية تستمد مشروعها من ذات الفكر السارق للإنسان.

وهذا لا يشمل المسؤول أو الشخصية التي انخرطت سابقا في هيكل النظام دون أن تتورط في جرائم مباشرة، وهي مخلصة في إرادتها وطموحها لخدمة مشروع الشعب، وتتمتع بخبرة ووعي مميز, فمن مصلحة الإرادة الشعبية أن تَستثمر هذه الشخصيات ولا يُحكم عليها جمعيا بالإعدام السياسي, وإنما المقصود تلك النماذج السيئة التي استقت كل شرعيتها المزيفة من فقه الدكتاتورية وتجارة الفساد.

 وكيف يُفرز هذا الصادق المخلص من هياكل العهد القديم؟ قضية صعبة لكنها مهمة جدا وليست مستحيلة، حتى لو حصل في هامشها اختراقات فالمهم أن نسبة هذا الاختراق لا تتجاوز مناعة الثورة في محاصرته.

الغرب الاستعماري الحسود
أمّا العنصر الثاني الذي يبرز بوضوح لتهديد ربيع الثورة السياسي فهو إعادة صياغة الغرب لبرنامجه في التعامل مع الثورات العربية، معتمدا القبضة المخملية لتحقيق مصالحه ومحاصرة الاستقلال الوطني للإرادة الشعبية التي ستعتمد أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية لا مصالحه أو مصالح الكيان الصهيوني, وهو ما يخشى منه الغرب بل هو خصمه الأول أيا كان اتجاه الإرادة الشعبية المستقلة.

والغريب أنّ الغرب يعتمد حاليا في كلتا الدولتين على إثارة فزّاعة الإسلاميين التي تبنّاها قديما مع النظم السابقة، فيستفيد من إثارة الخلاف وتحقيق مساحة لترويكا جديدة تتشكل من حلفائه القدامى في الهيكل القديم للنظام ومن مجموعة مصالح في الشخصيات، وحتى من بعض المخلصين للثورة الذين اعتقدوا أن خلاصهم لمواجهة الإسلاميين بالاندماج مع هذه الترويكا فيُستدرَجون إلى هذا المشروع الخطير.

وليس مقصودنا هنا استدعاء الصراع مع الغرب وإنهاك الثورة عبره، كلا, بل إن من مصلحة كِلتا الدولتين العبور بهذه العلاقة عبر المصالح المشتركة، لكن حسب تقدير الإرادة الشعبية المستقلة ومصالح أمنها القومي وليس عبر فرض الغرب لرؤيته للمصالح, لكن المشكلة أنّ الغرب بدء برنامجا إعلاميا وسياسيا يهدف لتحقيق اختراق مركزي وليس لإقامة علاقات متوازنة مع الاستقلال الجديد.

الصراع الداخلي الخطر الأكبر
من هنا تتصل خيوط المقال بقضية رئيسة مهمة لمستقبل الربيع السياسي المنشود للثورة، وهي تحديدا قضية الصراع والخلاف الداخلي, خاصة بين التوجهات الرئيسة في العمل الوطني لشركاء الثورة، عندها سيكون هو المدخل الرئيس لتهديد طموح الشعب ومشروعه الذي ضحى من أجله.

وأي عامل آخر ليس له أهمية هذا العنصر الإستراتيجي، وهو وحدة أو توافق المشهد الوطني, إذ إن كِلا الخطين -التدخل الغربي أو هياكل النظام القديمة- يدركان أن الشعب لن يتخلى عن منجزه بعد هذه التضحيات، وأن قدرة رص صفوف الثورة لا تزال ممكنة حين يُستفز في عمقه الوطني.

"
لا بد من التوافق قدر الإمكان بين تيارات الثورة والعمل الوطني، وأن يؤمن الجميع بأن توافقهما هو الأهم حتى مع تأجيل بعض القضايا الدستورية الرئيسة، مع ضمان عدم تشريع مواد قهرية ضد الإرادة الشعبية
"

المهم أن يجري توافق قدر الإمكان بين تيارات الثورة والعمل الوطني، وأن يؤمن الجميع بأن توافقهما هو الأهم حتى مع تأجيل بعض القضايا الدستورية الرئيسة، مع ضمان عدم تشريع مواد قهرية ضد الإرادة الشعبية تحرمها من حقها الضامن للحق الدستوري و تعديله مستقبلا.

وتحقيق هذا التوافق ممكن للغاية إذا عُزل عن مواقف التشكيك الضخمة وضجيج انهيار الثقة, وأيا كان هذا التوافق في الإطار الوطني فسيكون قوة للثورة ومستقبل تأمينها للربيع السياسي ومصلحة الشعب, وأن يعتمد الجميع رؤية التدرّج الضامن للحق الديمقراطي في الإرادة الشعبية وإن لم يتحقق له كل ما يريد من هذا الطرف أو ذاك, فإن لديه فرصة حين تنتقل المؤسسات الدستورية للعهد الجديد أن يطرح رؤيته بما فيها تعديل الدستور, المهم أن تحافظ الكتلة الوطنية على ثوابتها, الإرادة الشعبية والاستقلال القومي.. إنهما ركيزتا الحرية الوطنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة