أزمة حركة فتح.. الأسباب والتداعيات   
الأحد 1425/8/20 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/إبراهيم أبو الهيجاء

-الخلافات.. الأسباب والمظاهر
-مراكز القوى والصراعات الداخلية
-محاذير تستوجب الانتباه
-حلول للخروج من الأزمة

أثار بيان الاستقالة من حركة فتح المذيل بتوقيعات أسماء الكثير من القيادات المحلية الكثير من الاهتمام الإعلامي، ورغم أن الاستقالات احتوت على الكثير من الأسماء الوهمية والمركبة فإن البيان احتوى على تحليل دقيق للأزمة التي تعيشها حركة فتح.

الخلافات.. الأسباب والمظاهر
ولا يمكن فصل ذلك عن الأحداث المتتالية في الضفة وغزة، وأهمها:
1- حل فتح لنفسها في مدينة جنين بسبب سوء تعامل اللجنة المركزية مع إقليم جنين.
2- إطلاق النار على عدد من المسؤولين والإعلاميين.
3- التخريب المتعمد لعدد من الوزارات والمكاتب الإعلامية.
4- بيانات التخوين والتشهير بالعديد من الأسماء البارزة.
5- الاعتداء على مقري الاستخبارات العسكرية والشرطة الفلسطينية في غزة.
6- خروج مظاهرة فتحاوية في غزة تندد بأعضاء اللجنة المركزية في الحركة.

وقد تمثلت مظاهر الخلاف داخل حركة فتح بالأشكال التالية:
1- حجب أو إعطاء الثقة لحكومة أبو مازن.
2- تبني العمليات من قبل كتائب شهداء الأقصى، ثم نفي ذلك من قبل حركة فتح.
3- خلاف على من يمثل حركة فتح في حوار القاهرة وحدود التعاطي مع الحوار نفسه أو مع بقية الفصائل.
4- خلاف الاختصاص بين القدومي ونييل شعث على تمثيل الخارجية.
5- خلاف السيطرة على الأجهزة الأمنية وتنافس هذه الأجهزة في ما بينها.
6- مطالبات الإصلاح داخل حركة فتح، كما سمعنا على لسان العديد من المسؤولين والمحتجين التي توجها بيان الاستقالة الأخير.

أما جذور الأزمة فإنها تتمثل في:
- أزمة غياب للبرنامج الفتحاوي الواضح والرصين التي تجلت سنة 1974 حينما تبنت الحركة النقاط العشر وما عرف بالبرنامج المرحلي أو التكتيكي للتحرير.

- أزمة الانتقال إلى مرحلة السلطة بعد اتفاقية أوسلو (1993) وما أفرزت من توزع جديد للثروات والصلاحيات وما أفرز بالتالي من تضارب بينها، مع احتفاظ مؤسسة الرئاسة باحتكار كامل للقرار.
- أدت انتفاضة الأقصى وتآكل السلطة وحصار عرفات وتقوية معسكر أبو مازن قبالة عرفات إلى خلافات جوهرية على الموقف من التسوية والمقاومة، وأطماع على وراثة السلطة.

مراكز القوى والصراعات الداخلية

مازال عرفات يتمتع بقوة شعبية ومكانة تاريخية عززتها الضغوط الإسرائيلية والأميركية عليه رغم أنها أضرت بمصداقيته الدولية وأفقدته السيطرة جزئيا على أدواته الأمنية والمالية
أولا- قوة ياسر عرفات:
مازال عرفات يتمتع بقوة شعبية ومكانة تاريخية عززتها الضغوط الإسرائيلية والأميركية عليه، رغم أنها أضرت بمصداقيته الدولية وأفقدته السيطرة جزئيا على أدواته الأمنية والمالية، وهو رغم جراحه إلا أنه لازال المسيطر والأقوى في لعبة التصارع التي تستهدف أساسا صلاحياته وزعامته وسيسعى مستقبلا لتأكيد قبضته من خلال عدة إجراءات تتعلق بهيبة السلطة واحترام قراراته المنتهكة في الكثير من المواقع، رغم اضطراره مستقبلا لإجراء إصلاحات ولو شكلية في تنظيم حركة فتح.

ثانيا- قوة محمد دحلان:
يعتمد العقيد محمد دحلان المناكف لمعسكر الرئيس عرفات على علاقات دولية وقدرة مالية وسيطرة على جهاز الوقائي في غزة، والمؤشرات الإعلامية تحمله الكثير من الأحداث المتركزة في قطاع غزة من أمثلة (المظاهرات المنددة ببعض أعضاء اللجنة المركزية، وبيان الاستقالة الوهمي، والاعتداء على مقرات الشرطة والاستخبارات)، لكن (دحلان) الذي تشيع الدوائر الإسرائيلية عن ثقة بقدرته على تسلم غزة بعد رحيل قواتها، لا يمكن له السيطرة على غزة ناهيك عن صعوبة وراثته لزعامة السلطة لعدة اعتبارات:

1- الدعم الأميركي والإسرائيلي يضر به بدل أن ينفعه لدى الشارع الفلسطيني، بل إن هذا الدعم لا يمكن الاعتماد عليه جديا.
2- قوة (دحلان) مقصورة على جغرافيا محدودة من قطاع غزة، ومرهونة بقدرته على تلبية مطالب اقتصادية واجتماعية لا يقوى عليها، إلا إذا ساعده المصريون في تأكيد زعامته في القطاع بعد انسحاب إسرائيل.
3- القوى الإسلامية والوطنية الأخرى لن تناصره وستقف ضده -ولو شعبيا- إذا ما تبين أن سيطرته تعني وقف مقاومتها وقمعها.
4- دحلان لاعب مهم ولكن المتنافسين ضده كثر في غزة، أما في الضفة فإن قوته أضعف واللاعبون أكثر وربما أهم.

على أن لقاء (دحلان–عرفات) لا ينفي الأزمة بين الرجلين بل يشير بجلاء إلى عمقها، وهو لن يخرج عن البروتوكول التقليدي الذي يفيد كل طرف، فقد حرص دحلان وكذلك عرفات على عدم إشاعة ما يضمر للآخر إعلاميا، وتحديدا دحلان الذي يدرك قوة وشرعية عرفات التي قواها الحصار الإسرائيلي، واللقاء الأخير الذي جرى بعد مطالبات داخلية ومن معسكر الطرفين، وهو برأينا يؤكد الأزمة ولا يحلها لعدة أسباب:
الأول: اللقاء يعزز من موقع دحلان وكأنه ند لعرفات، وفي المقابل يعزز موقف عرفات بأنه القائد الذي يأتي إليه الجميع.

الثاني: الأزمة أكبر من لقاءات وتوزيع ابتسامات، ولعل غمز دحلان للجنة المركزية لحركة فتح بعد اللقاء يشير إلى فشل اللقاء وليس العكس.
الثالث: الأزمة مركبة ويختلط فيها الهم البرنامجي والإصلاح الإداري والمصالح الشخصية وكل ذلك تلعب فيه مراكز وتؤثر فيه دول، واللقاء بحد ذاته ليس حلا.

ثالثا- قوة كتائب شهداء الأقصى:
تتمتع هذه القوة بوزن معنوي وشرعي أقوى من الأجهزة الأمنية، كونها تقاوم الاحتلال من جهة وبشبابها من الثائرين على النهج التقليدي في حركة فتح من جهة، ولكن هذه القوة تعاني من إشكالات تحول دون تمتعها بقوة ضاغطة بسبب تعدد مجموعاتها وضعف تمويلها وعدم اتفاق السلطة مع كل عملياتها، ونجاح السلطة في السيطرة على بعض فعالياتها بما ينسجم مع الموقف السياسي والقبول الدولي.

وعليه فإن هذه القوة تحظى بالقوة المعنوية دون شك، إلا أن أداءها مرتبط بالمقاومة، وهي رغم تشتتها إلا أنها ترصد كقوة لصالح مؤسسة الرئاسة، وفي حالة غياب عرفات فإن هذه القوة سيحاول كل طرف استمالتها لصالحه ليؤكد وطنية أهدافه، ونظرا لتشتت هذه القوة فإن جزءا لا باس به منها سينخرط في لعبة التصارع، وجزء آخر سيحاول حرف التصارع الداخلي من خلال عمليات نوعية ضد الاحتلال.


أثبتت حركة فتح قدرة على التوحد على قاعدة المقاومة، إلا أن انقساماتها وتجاذباتها بدأت فعليا بعد اتفاقية أوسلو وسلخها من واجبها التحريري الجوهري لصالح البناء الوطني الوهمي
رابعا- قوة تنظيم حركة فتح:
تعاني هذه القوة من تماهي قرارها مع السلطة وارتباط رجالاتها بمؤسساتها، بالإضافة إلى غياب رموزها بفعل السجون، ولذا فقدت هذه المؤسسة الكثير من قدرة تأثيرها، ورغم الأصوات الكثيرة المنادية فيها بالتغيير وضرورة تفعيل مؤسساتها، إلا أن أصواتها موزعة بين طامع بالسلطة وحريص على الحركة، وحتى الإصلاحات المتوقعة فيها ستبقى شكلية ولن تصل للحدود الجوهرية، ما يرشح توزعها في حال استفحال الأزمة وتأكد غياب عرفات لصالح محاور مختلفة أو انزواء البعض أو التحاق آخرين بركب الحركات الأخرى، ورغم كل ذلك فإن هذه المؤسسة من الممكن أن تكون فاعلة في حالة انخراطها كليا بالمقاومة ورضاها بقيادة جماعية فلسطينية، أما تمسكها بالسلطة والتسوية وأنصاف المقاومة فسيكون دون شك عامل فتنة دائما لها ومرضيا فقط لبعض فئاتها.

خامسا- قوة الأجهزة الأمنية:
تبقى هذه القوة مؤثرة على الرغم من ضرب بناها وتعددها بل وتضاربها، لأنها قوة تضم في جنباتها كوادر حركة فتح الذين يملكون السلاح والمال، ويتعزز ولاء هذه الكوادر لصالح هذه الأجهزة في ضوء الضعف الذي تعاني منه البنية الحركية، وستبقى هذه القوة في حوزة ونفوذ مؤسسة الرئاسة رغم تآكل السيطرة التامة عليها، ولكن في حال استفحال الأزمة وغياب (الرئيس عرفات) فإن هذه القوة ستتوزع بين محاور كثيرة تحاول استمالتها.

فاعلية هذه القوة أكبر في غزة بعكس الضفة، نظرا لكون القوات في غزة لازالت منظمة ومسلحة، بينما في الضفة الظروف مختلفة مع تشتت جغرافيتها وقلة سلاحها، والغلبة هناك ستكون للولاء الحركي على الولاء العسكري.

سادسا- قوة الجغرافيا والقبيلة:
يؤثر الثقل الجغرافي والوزن العائلي بشكل أكبر على حركة فتح أكثر من غيرها من الحركات الفلسطينية، وهذه القوة رغم أهميتها في التحشيد الشعبي للمؤسسة الحركية إلا أنها ستكون عاملا مغذيا للتصارع الفتحاوي الداخلي، نظرا لأن الاستقواء من أي طرف به يمكن العنصر القبلي والجغرافي من التحكم بالحركي والعسكري بدل أن يحدث العكس، بما يبقي التصارع قائما ذاهبا في مطالبه إلى أقصى الحدود.

محاذير تستوجب الانتباه
لقد أثبتت حركة فتح قدرة على التوحد على قاعدة المقاومة، ولا شك أن معاناتها وتفاعل انقساماتها وتجاذباتها بدأت فعليا بعد اتفاقية أوسلو وسلخها عن واجبها التحريري الجوهري لصالح البناء الوطني الوهمي، وهنا يجب التنبه إلى التالي:

1- اللعبة الإسرائيلية التي تحرض ذاك وتغري ذاك، وجل أهدافها جعل التصارع داخل حركة فتح مدخلا للفتنة الفلسطينية الكلية من جهة وتحضير الأرضية لزعامة بديلة متسقة تماما مع مطالبها الأمنية وحلولها الأحادية.

2- حرص الدور العربي وتحديدا المصري على ائتلاف الشمل الفلسطيني، والحذر من المطالب الأميركية التي تريد لهذا الدور أن يكون ممرا يحضر إما لتذكية مراكز القوى أو استحداث قيادة قابلة ومستسلمة للمطالب الإسرائيلية وتحديدا الأمنية لأنها مفتاح للفتنة من باب آخر.

3 - الحذر من لعبة التخويف من حركة حماس التي تمارسها إسرائيل بقصد تذكية الاقتتال الداخلي وحرف الفلسطينيين عن وحدتهم ومقاومتهم، وبالمقابل يجب على حركة حماس تأكيد حرصها على المقاومة والوحدة قبالة الدعاية الإسرائيلية التي تظهرها وكأنها حريصة على السلطة.

4- جعل الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات غزة -إن حدث- فرصة لتأكيد قدرة الفلسطينيين على التوحد المقاوم القادر على صنع الانتصار، ومن الممكن هنا تقليد التجربة اللبنانية على غرار بقاء المقاومة تمارس دورها في ردع العدوان، وبقاء السلطة عنوانا للحوار مع المجتمع الدولي في حماية ظهر المقاومة.

5- قطع الطريق على الفوضى المحتملة بالشروع في حوار وطني شامل مع جميع القوى الفلسطينية لإدارة الحياة، وتعزيز العمل المقاوم المشترك في بعض المحطات.


الصراع داخل فتح سيؤدي حتما إلى انقسام الحركة إلى ثلاث دوائر واحدة منعزلة سلبيا عن الموقف الوطني وأخرى منحازة للمقاومة وأخيرة منحازة لتسوية متطرفة بتنازلاتها
حلول للخروج من الأزمة
تتسارع الأزمة داخل حركة فتح، والتعجيل بها سيكون على أشده في عدة حالات:
1- تغييب أو غياب عرفات
2- انهيار السلطة
2- التوافق مع أطروحات شارون الأحادية
3- تبني السلطة رسميا لاتفاقية (جنيف) أو مشابه لها.

لكن التقليل من مخاطر هذا التصارع ضروري لأن تداعياته على الداخل الفلسطيني خطيرة، وقد يكون ذلك ضمن التالي:
1- إجراء إصلاح داخلي يؤكد وضوح البرنامج التحريري لحركة فتح قبل أن يفرز وارثين لأن الأزمة هي برنامج وليست مناصب.

2- تصدير التصارع الداخلي لأسباب هامشية إلى مقاومة لمكونات الاحتلال صاحب الأسباب الجوهرية.

3- الرضا بقيادة جماعية فلسطينية على قاعدة القواسم المشتركة.

بقي أن نقول إن عدم حل هذا التصارع والخروج من دائرة فوضى القرار والموقف في حركة فتح سيؤدي حتما إلى انقسام حركة فتح إلى ثلاث دوائر واحدة منعزلة سلبيا عن الموقف والهم الوطني وأخرى منحازة لمقاومة فاعلة ومتشابكة مع غيرها، وأخيرة منحازة لتسوية متطرفة بتنازلاتها.
ــــــــــــــــــ
كاتب وباحث فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة