هل فقدت الأنظمة العربية شرعية وجودها؟   
الجمعة 1426/5/10 هـ - الموافق 17/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:00 (مكة المكرمة)، 7:00 (غرينتش)






















عادل لطيفي

المشهد السياسي العربي بين الجمود والحراك
مؤشرات إلى الحركية السياسية

أنظمة بدون شرعية


هل فقدت الأنظمة العربية كل أوراقها لضمان استمرارية الطوق الذي تفرضه على شعوبها؟ سؤال يجد مشروعيته من خلال تحولات ذات دلالة ما انفكت تشهدها الساحة العربية منذ عقد تقريبا مؤشرة إلى انسداد أفق هذه الأنظمة، كما يجد مشروعيته في عاملي الزمن والمحيط العالمي.

إذ لا يعقل أن يظل الفضاء العربي هو الفضاء الوحيد لوجود الأنظمة والرؤساء الأكثر تعميرا في العالم، كما لا يعقل أن يظل الفضاء الوحيد الخارج عن حركة التغيير السياسي.

ليس المقصود هنا ذلك التغيير الذي تروج له الولايات المتحدة من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير، لأنه جزء من المشكل وليس الحل، بل المقصود حركة التغيير النابعة فعلا من الحاجة التي يعبر عنها المجتمع ذاته. مقابل العقم السياسي الذي يطبع السياسات الرسمية العربية تجاه مجتمعاتها.

إننا نشهد اليوم سباقا محموما من طرف القائمين على هذه السياسات للانخراط في سوق التطبيع وفي سوق الحرب على الإرهاب. حتى بدا وكأن الانفتاح على عدو الأمس -إسرائيل- صار بديلا عن الانفتاح على المجتمع.

المشهد السياسي العربي بين الجمود والحراك
"
المجتمعات العربية في حراك دائم سواء في داخلها أو في علاقتها بالحكم المركزي، لكن المشكل أن وتيرة الحراك تبدو أكثر بطئا، كما أن بعض مؤشراتها تختلف عن تلك التي قد نلاحظها في سياقات أخرى
"
قد يبدو هذا التوجه مرتبطا بطبيعة التحولات العالمية وما يصاحبها من ضغوط، أو ربما قيل إنه يعكس نضجا سياسيا عربيا حتم نوعا من اللباقة السياسية في التعامل مع الظروف الجديدة. لكن الحقيقة غير ذلك، فحمى التطبيع والحرب على الإرهاب، تعد مؤشرا على وصول العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى مرحلة بدأت تنكشف من خلالها أكثر فأكثر ثغرات شرعية وجود الأنظمة القائمة.

يقول بعض المتتبعين لأحوال المنطقة العربية، سواء من داخلها أو من خارجها، بوجود نوع من الجمود السياسي الذي يكاد يطبع هذه المنطقة دون غيرها من رقاع العالم الأخرى. وليس من باب التهويل في هذا السياق القول بأن موت الزعماء والرؤساء مثّل العامل الرئيسي لصنع الحدث السياسي في العالم العربي.

هذا ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة في سوريا وفي المغرب وفي الإمارات وفي الأردن على سبيل المثال. حيث كان الحدث السياسي الأبرز، والذي يكاد يكون الوحيد، هو وفاة حافظ الأسد والحسن الثاني والشيخ زايد والملك حسين.

مثل هذا الجمود دفع ببعض الباحثين إلى استجلاء سر هذه الخصوصية من خلال إدراج العامل الثقافي العام. فقد تم التركيز إما على دور الإسلام كعامل جذب نحو الانغلاق على الذات أو على دور الهياكل الاجتماعية التقليدية، مثل النموذج القبلي غير المتجانس مع أشكال التنظيم المؤسساتي الحديث.

لذلك اعتقد الكثيرون استحالة التغيير من الداخل، وضرورة تفعيل عناصر ضغط خارجية لحلحلة الوضع وتغييره. والعراق اليوم هو بمثابة مختبر لتجسيد مثل هذه الرؤية.

ورغم الجدية النظرية لمثل هذه الملاحظات، فإن حكمها النهائي يبقى مطبوعا بنوع من الإطلاقية والتضخيم لا يترك مجالا لفعل النسبية التاريخية التي تجعل من الرقعة العربية جزءا من تاريخ عالمي دائم الحراك وليس كيانا خارجا عن التاريخ.

إن المجتمعات العربية في حراك دائم سواء في داخلها أو في علاقتها بالحكم المركزي، لكن المشكل أن وتيرة الحراك تبدو أكثر بطئا، كما أن بعض مؤشراتها تختلف عن تلك التي قد نلاحظها في سياقات أخرى.

فإذا اقتصرنا على تتبع الوضع العام منذ بداية التسعينيات، كان بإمكاننا أن نرصد جملة من المؤشرات ذات الدلالة البالغة. لكن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هنا الاختلافات الكبيرة بين الحالات العربية من بلد إلى آخر، إذ تختلف الوضعيات حسب خصوصيات التاريخ المحلي والوضع الاجتماعي. فمؤشرات الحراك السياسي في المغرب ليست هي نفسها الموجودة في الصومال مثلا.

مؤشرات على الحركية السياسية
يبرز الحراك السياسي من خلال تغير الخطاب المعارض في البلدان العربية وتغير السند الإيديولوجي لهذا الخطاب. فبالإمكان أن نلاحظ هنا تراجع تيارات المعارضة اليسارية والقومية وكذلك الإسلامية في شكلها التقليدي.

والقصد هنا تراجعها كحركات سرية تعمل على قلب أنظمة الحكم من خلال مقولة الثورة. لا أحد يمكنه أن ينكر اليوم تراجع مقولات الثورة العمالية والوحدة العربية (بصيغتها الناصرية) والدولة الإسلامية كما نادى بها الإخوان في السبعينيات.

لكن هذه القوى التقليدية مازالت فاعلة إلى اليوم، ونجدها على رأس الحركات المحركة للمشهد السياسي، والجديد هنا هو تخليها النسبي عن عمقها الإيديولوجي بهدف طرح مشروعات أكثر عقلانية وأكثر براغماتية.

فقد أصبح الكل ينادي بضرورة الإصلاح السياسي المبني على فكرة المشاركة والمراقبة، كما أصبح مطلب احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والشخصية مطلبا لا يختلف حوله المناضل اليساري والقومي والإسلامي.

وتقدم لنا الساحة المصرية والتونسية والمغربية على سبيل المثال نموذجا لهذا التغير من الخطاب الثوري الإيديولوجي نحو خطاب البراغماتية السياسية. نضيف هنا أن العمل السياسي أصبح يعتمد أكثر فأكثر على الوسائل السلمية مثل العرائض والانتخابات، وإن تم التصعيد أحيانا فإنه يكون في شكل الإضراب عن الطعام أو الاعتصام أو التظاهر السلمي.

وهي وسائل قل وجودها خلال السبعينيات أو حتى الثمانينيات من القرن الماضي. إن نموذج المسيرات اللبنانية في بيروت، والمسيرات النسوية في المغرب وفي الجزائر، وتتالي إضرابات الجوع في تونس وكذلك مسيرات الشباب العاطل في البحرين، لشديدة الدلالة.

"
تعكس الأشكال النضالية مستوى النضج السياسي الذي وصلته النخب المعارضة الفاعلة في الحقل السياسي العربي، مع الاقتناع بمحدوديته مقارنة بتجارب الشعوب الأخرى، كما أنه دليل على مستوى انفتاحها وقدرتها على التأقلم مع الأوضاع العالمية
"
فهذه الأشكال النضالية تعكس مستوى النضج السياسي الذي وصلته النخب المعارضة الفاعلة في الحقل السياسي العربي، مع الاقتناع بمحدوديته مقارنة بتجارب الشعوب الأخرى. كما أنه دليل على مستوى انفتاحها وقدرتها على التأقلم مع الأوضاع العالمية، على عكس الأنظمة التي بدأت تقتنع بأن ديمومتها مرتبطة بقدرتها على منع تأثير هذه الأوضاع.

لهذا السبب نجدها تحاول استباق الأحداث من خلال كسب ود الأطراف العالمية المؤثرة عن طريق "الإبداع" في الحرب على الإرهاب مثلا وعن طريق التطبيع غير المشروط.

في حالات أخرى كان الحراك السياسي أكثر بروزا ودموية، كما حصل ويحصل في اليمن وفي السودان وفي السعودية وفي الجزائر. وفي هذه الحالات كان لطبيعة البنى الاجتماعية وطبيعة الدولة دور في تفجير الأوضاع.

ولمثل هذه التحولات ظروفها الداخلية والخارجية التي تفسرها. فالتغيرات على مستوى تركيبة المجتمع العمرية والمهنية، بالإضافة إلى توسع نمط الحياة الحضرية، واشتداد الفوارق الاجتماعية، مثلت القاعدة التي انبنت عليها تحولات نمط المعارضة ومطالبها ووسائلها.

عامل آخر له دوره الحيوي، وهو تطور وسائل الاتصال التي أسقطت الحدود بين الداخل والمحيط العالمي. إنها نقطة مهمة لأن سقوط مثل هذه الحدود من شأنه أن يساعد على ابتعاد المجتمع من طوق السلطة القائمة في الفضاء العربي. فهذا الانفتاح على الخارج يمكن من الاطلاع على نماذج وعلى تجارب أخرى كما أنه يكسر احتكار الدولة لصنع العقليات في العالم العربي.

الأهم من ذلك أن هذا الانفتاح يوفر فرصة للمجتمع للاطلاع على نماذج أخرى من الشرعية ومن ضمنها الشرعية الانتخابية. إن الأنظمة العربية القائمة اليوم أصبحت محاصرة بفشلها على كل الأصعدة الداخلية، كما نجدها عاجزة على الوقوف أمام الضغط الخارجي.

أنظمة بدون شرعية
تعكس هذه التحولات إفلاس الأنظمة القائمة في البلدان العربية أمام مجتمعاتها. فخياراتها وطبيعة بنيتها لا تؤهلها لمواجهة تحولات المجتمع الديموغرافية والثقافية والمطالب المتولدة عنها. والأخطر من ذلك، بالنسبة إليها، أنها بدأت تفقد أسس الشرعية التي كانت قد بنت عليها وجودها منذ قيامها في خضم موجة الاستقلال مع منتصف القرن العشرين.

لقد فشلت هذه الحكومات في تحقيق التنمية في حالة الأنظمة التي عرفت سابقا بولائها للغرب، مثل حالة مصر وتونس والأردن والمغرب، كما فشلت أنظمة أخرى في تحويل شعار الثورة والوحدة إلى واقع اقتصادي واجتماعي ملموس قادر على إقناع جزء كبير من السكان، مثل حالة سوريا وحالة ليبيا وحالة العراق زمن صدام حسين.

أما الأنظمة التي بنت شرعيتها على هياكل تقليدية، مثل الولاءات القبيلة والعشائرية، فنراها اليوم تبحث عن الوسائل القادرة على تغطية عجز بنيتها أمام متطلبات الحركية الداخلية للمجتمع، وأمام الانفتاح السياسي الذي فرضته العولمة.

فهي تسعى اليوم إلى إبراز قدرتها على مسايرة تحولات العالم من خلال تركيزها على الدعاية لمشاريع التنمية الاقتصادية الكبيرة، والمعتمدة على العائدات النفطية أساسا. هذا ما نلاحظه في حالة البلدان النفطية الخليجية، حيث أصبحت مراكز التسوق والموانئ التجارية, وأسطول شركات الطيران، وسيلة للتغطية على الواقع السياسي والاجتماعي العشائري.

كما فقد الخطاب الرسمي العربي كل مصداقية في نظر جانب كبير من النخب التي مثلت في يوم ما قاعدته الاجتماعية، وكذلك في نظر شرائح واسعة من المجتمع والتي بقيت علاقتها بالدولة مبنية على الرهبة وعلى الخوف.

"
يمكننا أن نفهم الانخراط في الحرب على الإرهاب وفي التسابق نحو التطبيع, إذا أدركنا مدى انسداد الأفق أمام أنظمة فقدت جل أوراقها أمام شعوبها وأمام محيطها العالمي، ولم تعد قادرة على ابتكار وسائل جديدة وخطاب جديد لتحسين صورتها أمام معارضتها الداخلية
"
هذا ما نلاحظه من خلال إستراتيجيات الإعلام الرسمي، الذي بدا مقتنعا بهشاشة احتكاره لصنع المعلومة والتصرف فيها، مما يزيد من صعوبة الترويج للنظام القائم ولرموزه مثل القائد الواحد والحزب الواحد.

وفي المحصلة نرى هذا الإعلام لم يعد قادرا على إعادة بناء شرعية الوضع القائم، ورغم ذلك نراه مستميتا في المحافظة على استراتيجية إعلامية كان الزمان قد أتي عليها في جهات أخرى من العالم.

يكفي أن نتتبع نشرات الأخبار في القنوات المتلفزة أو في الإذاعات العربية ليتجلى لنا مدى سخف المادة الإعلامية المقدمة حول السلطة ومدى تأخرها.

إن مشاهد الرئيس والقائد الذي ينزل بنفسه ليدشن الطريق المعبدة والمدرسة النائية، أو الذي يقف بنفسه على مشاريع البيئة وحفظ حقوق المرأة والمعاقين من خلال توزيع المعونات، لم تعد متوفرة إلا في البلدان العربية.

فنشرات الأخبار الرسمية العربية تعد مناسبة هامة لإنتاج وترويج شرعية النظام الرسمي، حيث دأبت السنّة الرسمية في قسم الأخبار الوطنية على الاهتمام أولا بنشاط الرئيس والقائد ثم النشاط الحكومي والحزبي، وكأن لا وجود في الوطن لغير هذه المؤسسات.

مثل هذه المادة تعكس مدى انسداد الأفق أمام أنظمة فقدت جل أوراقها أمام شعوبها وأمام محيطها العالمي، ولم تعد قادرة على ابتكار وسائل جديدة وخطاب جديد بإمكانه تحسين صورتها أمام معارضتها الداخلية.

في مثل هذه السياقات الصعبة بالنسبة للسلطة في البلدان العربية يمكننا أن نفهم الانخراط في الحرب على الإرهاب وفي التسابق نحو التطبيع.

إذ تعد هذه الخيارات متنفسا أمام انسداد الوضع الداخلي ووسيلة للتخفيف من ضغط الأطراف الدولية الفاعلة. وليس من باب الصدف أن نلاحظ أن أكثر البلدان إبداعا في الحرب على الإرهاب وأكثرها حماسا للتطبيع هي البلدان التي تشهد فيها المعارضة الداخلية حركية لافتة.
ـــــــــــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة