المصريون في مواجهة الاستبداد والفقر والإعلام   
الاثنين 1437/12/25 هـ - الموافق 26/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:43 (مكة المكرمة)، 14:43 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

هروب الشعب
جذور الأزمة

تتوالى الكوارث على مصر، فالبلاد التي تعاني من صراع سياسي حاد وشبه انهيار اقتصادي، هاجر منها بطرق غير نظامية إلى إيطاليا 3500 طفل قاصر في أول 7 شهور من عام 2016 وهو ثلث إجمالي القصر الذين هاجروا إلى ذلك البلد خلال تلك الفترة حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

ويشكل الأطفال نحو 60 بالمائة من المهاجرين المصريين غير النظاميين حسب مصادر أخرى. وفي 21 سبتمبر/أيلول 2016 غرق مركب صيد قبالة سواحل مدينة رشيد راح ضحيته المئات من الأبرياء.
لموضوع هجرة المصريين غير النظامية أبعاد داخلية وخارجية، ولن يحلها قانون هنا أو هناك، لكن هذا المقال يتحدث عن البعد الداخلي المصري تحديدا.

هروب الشعب
الأخبار التي تناقلها أهالي ضحايا المركب الأخير أخبار سيئة للغاية، فهناك من الناجين من تحدث عن أن هذه المحاولة لن تكون الأخيرة، وهناك من تحدث عن فشل أجهزة الدولة في عمليات الإنقاذ، وآخرون أكدوا أنه برغم جهود مكافحة الهجرة غير النظامية في مصر إلا أن خروج المراكب لا يتم إلا بعد رشوة قيادات المنطقة المحليين. أما قمة المأساة فكانت صورة لأحد الناجين بالمستشفى وهو مكبل بسلاسل حديدية بعد القبض عليه.

video

وللأسف استمر البعض في تحميل ضحايا الحادث المسؤولية. أحدهم -وهو سفير سابق- وصف الضحايا "بالمنتحرين" وقال أنه يجب عدم التعاطف معهم، معتبرا أن من يلوم الدولة بعدم توفير فرص عمل لهم إنما يشجع على "فساد إضافي اسمه بطالة مقنعة".

وتناقلت الأخبار أيضا استنكار أحد خطباء المساجد هجرة الشباب قائلا إن الأوضاع بمصر لم تصل إلى مرحلة "ربط الحجر على البطون" كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم! هؤلاء لا يزالون يطالبون الشعب بالصبر على جور الحكام والأخذ بسنة الرسول في التحمل بينما لا يستنكرون على الحكام اختراقهم ليس فقط لأبجديات القرآن والسنة وإنما لأبسط معاني الإنسانية في اعتمادهم القمع والتنكيل والكذب كسياسات عامة.

جاء الرد الرسمي كالمعتاد منذ سنوات، فالأمر لا علاقة للدولة به، وهو ظاهرة تتصل بشجع السماسرة وجهل الناس، والمتحدث باسم مجلس الوزراء استبعد أن يكون سبب هجرة المصريين البطالة أو الفقر.

بل وترى الرواية الرسمية للنظام الأمر "إنجازا من إنجازات حرس الحدود وأجهزة الدولة الأخرى" كما جاء في بيان المتحدث العسكري الذي تحدث عن أن قوات حرس الحدود أحبطت "محاولة هجرة غير شرعية" و"أنقذت" عددا من المهاجرين بعد غرق المركب الذي كان يقلهم! هكذا وبكل بساطة وكأن هؤلاء السماسرة يعملون في فراغ، أو أن قلة وعي الناس حقيقة مطلقة لا يُسأل عنها من يتحكم في رقاب الناس سياسيا وأمنيا واقتصاديا وتعليميا وثقافيا منذ عقود طويلة.

هذا ليس جديدا فقد كان المخلوع حسني مبارك عديم الإحساس بالكوارث المتكررة، وفي 2006 بعد غرق عبّارة قادمة من السعودية ووفاة أكثر من ألف إنسان، لم يجد ضرورة للذهاب إلى مكان الحادث، وذهب بعد الحادث مباشرة لمشاهدة مباراة لكرة القدم.

كارثة 21 سبتمبر/أيلول وقعت بعد أيام معدودة من تباهي الجنرال الحاكم بأن في مصر 5 مليون لاجئ، وهو أمر كذبته المفوضية المصرية لشؤون اللاجئين مؤكدة أن العدد هو 186 ألف لاجئ، بينهم نحو 131 ألف سوري، بجانب لاجئين من دول أخرى أكثرهم من السودان والصومال وليبيا. والكثير من هؤلاء اللاجئين يعانون من المعاملة السيئة من أجهزة الأمن.

جذور الأزمة
واقع الأمر أن هناك بالفعل سماسرة للهجرة غير النظامية وهناك ظاهرة دولية، لكن هناك أربعة أسباب داخلية على الأقل لا يتحدث عنها النظام وأذرعه الإعلامية ومجموعة المثقفين الذين باعوا ضمائرهم:

أولا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تنعدم فيها كرامة الإنسان ويعيش فيها الشعب مقهورا ومغلوبا على أمره ولا يجد مفرا إلا الهجرة والفرار.

مصر صارت من هذه الدول منذ إصرار المسؤولين وبعض المثقفين على إهانة الشعب يوميا وتحميله مسؤولية الكوارث المتتالية دون أدنى إحساس بمسؤولية النظام. ألا يدرك هؤلاء أن كل مهاجر غير نظامي هو إنسان في المقام الأول يرى بجلاء الفارق بين حاله وحال أمثاله من المقهورين من جهة وبين شرائح من المجتمع المصري تنعم بحياة كريمة وبسيل من الامتيازات والمكافآت وحماية الأجهزة الأمنية من جهة أخرى؟ بل، وفي ظل الفضاءات المفتوحة وسبل التواصل الإلكتروني، يقارن هذا الإنسان المقهور بين مصر وأوضاعها المتردية وبين غيرها من الدول التي كانت حتى وقت قريب أسوأ من مصر بكثير؟

video

ألا يدرك هؤلاء أن هناك قيمة اسمها الكرامة تدفع الإنسان إلى تفضيل الهجرة والعمل في الغربة وحيدا لتوفير سبل العيش والعلاج لأسرته على العيش مقهورا مقموعا في وطنه؟ ألا يعرف هؤلاء أن هناك قيمة اسمها القدوة الحسنة يراها الشباب الراغب في الهجرة منعدمة تماما في سلوك المسؤولين ومتصدري العام والإعلام الذين يمارسون الإزدواجية يوميا عندما يطالبون الشعب بالتقشف والتحمل بينما يتم تقنين الفساد وحمايته وزيادة مرتبات ومكافآت الفئات التي تحمي النظام وتستفيد من وجوده بشكل دوري؟

ألا يعرف من يتهم الشعب بالكسل والبحث عن الحلول السريعة أن كل هؤلاء المهاجرين يعملون في أوروبا في الأعمال البسيطة حتى يتوفر لهم الحد الأدنى من شظف العيش والكرامة. أيظن هؤلاء أن الدول الأوروبية تستقبل اللاجئين وتوزع عليهم الأموال هكذا مجانا؟

مصر أصبحت من هذه الدول أيضا بعد أن استمرأت الأذرع الإعلامية للنظام وصف الشعب بالجهل وقلة الوعي وعدم الانتماء وطالبته مرارا (هكذا جهارا نهارا) بترك الوطن والهجرة إذا كان لا يعجبه النظام!! وسمعنا في الإعلام عبارات مثل (الباب يفوّت جمل)، (لماذا لا تهاجرون؟).

مصر أصبحت من هذه الدول أيضا بعد أن حمّل معارضو النظام الشعب مسؤولية إجهاض الثورة وشمتوا فيمن أيد النظام، وكأن هؤلاء المعارضين لم يسمعوا أنه ما من انقلاب عسكري أو ثورة مضادة أو دكتاتور إلا وله ظهير شعبي يصنعه على عينه عبر التضليل الإعلامي ويضم أيضا أعمدة النظام وكذلك المستفيدين من النظام والمثقفين الذين يأكلون على كل الموائد وأسر كل هذه الفئات؟ كيف يفهم هؤلاء حقيقة أن الاستبداد منظومة لها أدوات ومؤسسات وحلفاء؟

ثانيا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تعاني من صراعات وحروب وتحكمها جماعات مصالح تحول هذه الدول إلى أشباه دول.

مصر أصبحت من هذه الدول منذ أن تم تحويل نضال شعبها السلمي من أجل الكرامة والحرية والعدالة إلى صراع صفري بين ما يسمى زورا وبهتانا "الدولة" و"الإرهاب"، ومنذ تمكين قوى الثورة المضادة والمنتفعين من الفساد والاستبداد، ومنذ غلق المجال السياسي وتحكم الأجهزة الأمنية، وتخريب مؤسسات الدولة، واختراق الأحزاب، وتزوير الانتخابات، واعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد أن صار الكذب سياسة عامة معتمدة، فالجنرال الذي يُحمّل الشعب مسؤولية فشله وكوارثه في خطاباته في الداخل ويطالبه بالاستماع له هو فقط، ويتحدث عن ما أسماه "قوى الشر" و"الإنجازات" التي يخفيها عن هذه القوى، وعن أن الدستور كتب بنوايا حسنة وأن الدول لا تحكم بالنوايا الحسنة، وأن الديمقراطية تحتاج إلى 25 سنة حتى تتحقق، وأن الفلاسفة وأجهزة المخابرات تستمع له، هو نفسه الذي لا يرى حرجا في الكذب في الزيارات الخارجية فيؤكد أن مصر بلد الحريات وسيادة القانون، وأنه لا وجود لمعتقلين سياسيين، وأن الانتخابات نزيهة وحرة، والقضاء مستقل، والأحكام عادلة، والأحزاب والصحافة ومنظمات المجتمع المدني تعمل بحرية.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد أن شببها حاكمها بأنها "شبه دولة". وهذا ليس جديدا فقد نقل عن المخلوع مبارك تعليقه على محاولة توريث ابنه قوله "وما الذى تظنون أنى أرغب في توريثه له؟ إنها خرابة". وفي مناسبة أخرى رد المخلوع باستهجان على شاب مصري يعمل بالأمم المتحدة أعرب عن رغبته في العودة إلى مصر قائلا: "هيه دى بلد حد يرجع لها".

ثالثا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تعاني من فقر شديد أو فشل ذريع في إدارة الاقتصاد ويغيب فيها العدل.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد أن فشل النظام الحالي في إدارة الاقتصاد وأهدر كل فرص التنمية ومليارات المنح والمساعدات التي جاءت بعد 30 يونيو في مشاريع اقتصادية كبرى بلا دراسات جدوى حقيقية وبلا مشاركة أصحاب الخبرة والمجتمع، بجانب تقنين الفساد ومحاربة الذين يحاربون الفساد، وانهيار الجنيه، وارتفاع الأسعار، ورهن البلاد بسلسلة من القروض وصفقات السلاح دون معرفة تفاصيلها وأسبابها.

video

مصر أصبحت من هذه الدول بعد الترويج لمجموعة من الأكاذيب والأساطير وكأنها حقائق اقتصادية دون ربطها بالسياق العام أو بالمتطلبات الأخرى للتنمية والعدالة الاجتماعية، كالقول إن الإصلاح يبدأ من رفع الدعم وتحميل الفقراء ثمنه، وأن زيادة السكان هي سبب المشكلة، وأنه من الممكن حل المشكلة الاقتصادية دون حل المشكلة السياسية، وغير ذلك.

رابعا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تنعدم فيها المعارضة الحقيقية أو تعمل فيها معارضة منقسمة وليس لها قيادة موحدة أو رؤية جامعة.

مصر صارت من هذه الدول بعد أن أهدرت معارضة النظام في الداخل والخارج كل الفرص التي توفرت وراحت تتمسك بخلافاتها الداخلية والتاريخية وتتناطح كا النعاج، في الوقت التي اختارت فيه الأغلبية العظمى من المخلصين السكوت إما خوفا أو تقزيما للذات.

مصر صارت من هذه الدول عندما راحت المعارضة تتسابق في زرع الرؤوس المتنافسة والطامحة لأدوار غير مؤهلة لها في الأساس وتلهث وراء أفكار متعددة وغير مدروسة بدلا من الاصطفاف وراء هدف واحد جامع وتوجيه كافة القدرات نحو إنجازه طبقا لخطة محددة ومدروسة تتكامل فيها الأدوار ويتعاون فيها الجميع دون انتظار لرفع وعي الشعب أو سقوط النظام من تلقاء نفسه أو الرهان على تغير مواقف دول إقليمية أو كبرى. فهذه الأهداف كلها لا يمكن تحقيقها إلا بتكتل كل من له مصلحة في أهداف ثورة يناير أولا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة