هل يهيئ الأميركيون لانقلاب عسكري في العراق؟   
الثلاثاء 1427/4/4 هـ - الموافق 2/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:54 (مكة المكرمة)، 8:54 (غرينتش)
فاضل الربيعي

على امتداد الشهر الأخير من المفاوضات الماراثونية الصعبة لتشكيل حكومة جديدة، ظل إياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق يردد دون كلل "أن استمرار الأزمة لم يعد مقبولا" وأنه في حال استمر الاستعصاء سيدعو إلى حكومة "إنقاذ وطني".

وحتى بعد الاتفاق المفاجئ بين الكتل البرلمانية، وداخل الائتلاف الشيعي نفسه على تكليف جواد المالكي، الذي استعاد أخيرا اسمه الأصلي نوري كامل العلي، لتولي منصب رئيس الوزراء بدلا من الجعفري، كان مفاجئا أن علاوي عاد ليطرح، مرة أخرى وبإلحاح مثير، فكرة "حكومة إنقاذ وطني" كحل للأزمة.

بل إن علاوي قال بعد يوم واحد فقط من تسمية المالكي رئيسا للوزراء لمحطة الشرقية الفضائية العراقية "إن حكومة الإنقاذ الوطني لا تزال خيارا مطروحا إذا ما استمرت المحاصصة الطائفية في توزيع الحقائب".. ماذا يعني ذلك؟

ترتبط الدعوة إلى حكومة إنقاذ وطني غالبا ببلوغ الأزمة الوطنية في بلد ما مرحلة اللاعودة وتلاشي الخيارات السلمية أمام مختلف الأطراف لحسم تناقضاتها بواسطة التفاوض، وربما بانعدام الفرص الفعلية أمام أي مقاربة عملية بين الرؤى والاتجاهات المتصارعة؛ وأكثر من ذلك ببلوغ الاستعصاء في الحياة السياسية درجة يصبح فيها الخيار العسكري هو الحل الوحيد.

"
من المشكوك فيه أن يتمكن المالكي من تحقيق أي اختراق في الملفات الساخنة المطروحة، أي ما يسمى بمشكلة الملف الأمني التي هي اليوم أكبر بكثير من مجرد مسألة تدهور أو فلتان
"
في العراق اليوم، هناك ما يكفي من عناصر وعوامل لتشكيل صورة قاتمة لأزمة حكومية قد تبدو غير قابلة للحل، صراع ضارٍ حول الوزارات السيادية، الداخلية والدفاع بشكل خاص، يتلازم معه ويرافقه نمط جديد من المناورات السياسية قد لا يكون مألوفا في التاريخ الاجتماعي والسياسي.

ذلك ما يفسر دعوة علاوي، ولنقل تهديده المبطن بحل عسكري يفضي إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني.

بالطبع يستطيع المالكي في غضون 15 يوما أن ينجح أخيرا في تأليف حكومته الموعودة، ولكن سيكون من المشكوك فيه أن يتمكن من تحقيق أي اختراق في الملفات الساخنة المطروحة، أي ما يسمى بمشكلة الملف الأمني وهي اليوم أكبر بكثير من مجرد مسألة تدهور أو "فلتان" أو فقدان سيطرة.

نحن لا نتحدث عن تدهور أمني، مثلما يحدث في أي بلد في العالم، حين تفقد أجهزة البوليس القدرة على الحد من نشاط عصابات أو مجرمين أو لصوص، بل نتحدث عن خريطة سياسية وعسكرية تتوزع على جانبيها قوى متصارعة حول مستقبل العراق وهي منظمة تنظيما عاليا، ولديها فوق ذلك الوسائل والأدوات والإستراتيجيات.

هذا يعني أن الملف الأمني يتشكل من عنصرين: المقاومة المسلحة التي تستهدف قوات الاحتلال في جانب، والجماعات التي تمارس القتل العشوائي والنهب والخطف والإرهاب في جانب آخر.

وفي هذه الخريطة ستبدو كل القوى وكأنها دخلت الآن بالفعل وبعد ثلاث سنوات من الاحتلال طورا جديدا وحاسما من الصراع على مستقبل العراق.

قوات الاحتلال الأميركي مثلا، لم تعد –كما كان الحال في الأيام الأولى من أبريل/نيسان 2003- هي القوة الوحيدة التي تستطيع أن ترسم بمفردها صورة العراق الجديد، إنها بكلام أدق قوة من بين قوى أخرى تصارع من أجل رسم هذا المستقبل.

هناك المقاومة العراقية التي دخلت، مع اشتداد عودها وتصاعد نشاطاتها وامتدادها في مناطق الجنوب، مرحلة التحول إلى قوة موازية، بل إلى قوة يمكنها، ربما بأسرع مما يظن الأميركيون، أن تدير دفة الصراع وحسمه.

وثمة إلى جانب الاحتلال والمقاومة كقوتين مقررتين، تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، الذي دخل هو الآخر حقبة جديدة من الصراع مع ظهوره العلني الدراماتيكي.

صحته جيدة، ويبدو كما لو أنه يستحم يوميا ويمارس الرياضة والتدريب في فضاء مفتوح لا أثر فيه لأي خطر، إذ ليست هذه صورة رجل أعرج أو فقد ساقه للتو أو أنه مجرد شاب إرهابي مختل العقل.

إنها على الأرجح الصورة التي تكثف تكثيفا رمزيا عاليا، معنى الطور الجديد الذي دخله تنظيم القاعدة مع الظهور العلني للزرقاوي، وهذا الطور سوف يشير منذ الآن إلى إمكانية تلاشي الصور النمطية القديمة التي رسمها الأميركيون له ولتنظيمه. إنه الآن رامبو عربي بامتياز.

فهل يمكن لحكومة ما، أيا كانت تشكيلتها وفي ظل وضع معقد كهذا، أن تحقق أي تقدم ملموس على مستوى ضبط القوى المتصارعة، وما هي وسائلها في ذلك؟

الدولة التي سهر الأميركيون عند مهدها ثلاث سنوات متتالية، بكل ما تخللها من دموع وآلام وشقاء هي اليوم أكثر شبها بطفل عليل لا تجدي معه عقاقير الأطباء ولا تضرعات الأم، المعجزة الإلهية وحدها تستطيع إنقاذ الطفل المريض في سريره.

"
المعلومات المتداولة في العراق هذه الأيام والتي تتحدث عنها علنا أوساط سياسية مختلفة، تشير إلى استعداد أميركي للقبول بحل الانقلاب العسكري
"
وكما أن الأطراف المتصارعة دخلت أطوارا جديدة من الصراع، فإن الدولة التي تعيش في عجز شبه تام ومتواصل منذ ثلاث سنوات عن تلبية أبسط احتياجات المواطنين من الأمن الشخصي والماء الصالح للشرب والكهرباء، تبدو هي الأخرى وقد دخلت طورا جديدا من الأزمة. إنها تسير إلى الوراء بينما توحي حركتها أنها تسير إلى الإمام.

لقد غدت أكثر فأكثر وكأنها دولة في طور ما قبل الدولة، بينما يغدو نظامها السياسي أكثر فأكثر، نظاما منتجا للأزمات.

ومع كل فشل في مواجهة الانهيار المتتابع لبنى ووسائل السيطرة والضبط، تصبح مسألة تشكيل حكومة قادرة على فعل أي شيء وكأنها مماثلة للحمل الكاذب. فماذا تخفي دعوة علاوي إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني؟

الدعوة من حيث الجوهر والأسلوب الذي طرحت فيه، تبدو أكثر شبها بتهديد مبطن وعنيف يصدر عن رجل هو الأقرب إلى قلب الأميركيين بين سائر السياسيين الآخرين؟

ولكن لماذا يدعو أحد أبرز دعاة الليبرالية، وبعد ثلاث سنوات من الاحتلال العسكري الذي لعب فيه شخصيا دورا بارزا؛ إلى حل أزمة "الديمقراطية الوليدة " بأساليب مدمرة لأسس الديمقراطية نفسها؟ وماذا تعني حكومة الإنقاذ الوطني أكثر من حل بالقوة، سيفرض اتفاقات سياسية استحال الوصول إليها أصلا بالمناورات والدسائس؟

المعلومات المتداولة في العراق هذه الأيام، والتي تتحدث عنها علنا أوساط سياسية مختلفة، تشير إلى استعداد أميركي للقبول بحل "الانقلاب العسكري".

وثمة في هذا الإطار معلومات دقيقة عن خطة طوارئ أميركية تسمح بوقوع "انقلاب" ولكن من دون تدخل قوات الاحتلال المباشر.

وبكل تأكيد هناك وشائج عميقة بين تصريحات علاوي هذه وبين سيناريو الانقلاب، ولكن من يقود الانقلاب وإلى ماذا يهدف؟

ما تسرب حتى الآن من معلومات يشير إلى أن الأميركيين ناقشوا بجدية هذا الخيار قبل بضعة أشهر، وأنهم انتهوا تقريبا من تسمية أبرز قادة الانقلاب وهم 11 أو 13 ضابطا برتب كبيرة (بين فريق ركن ولواء).

وفي بغداد أيضا يتداول العراقيون بعض الأسماء من بينها اسم رئيس أركان أسبق في الجيش العراقي، وإن كان يزعم أن الأكراد يعترضون على أي دور له.

كما يزعم أن ضابطا كبيرا آخر من أهالي محافظة ميسان (جنوب)، منح مؤخرا رتبة فريق ركن وكان حتى قبل ثلاث سنوات برتبة مقدم، يمكن أن يلعب دورا محوريا في الانقلاب العسكري.

وإلى جانب هذين الجنرالين هناك أسماء ضباط التحقوا بالمعارضة العراقية منذ التسعينيات من القرن الماضي ولم يلعبوا أي دور سياسي علني حتى اللحظة.

في الواقع ما من أحد، من الذين يتداولون هذه الأنباء لديه تأكيد قاطع بموعد الانقلاب أو شكله وطريقة تنفيذه.

ومع ذلك فإن معظم من يشاع أنهم قادته يعيشون داخل العراق، باستثناء عدد قليل تم استدعاؤه مؤخرا من بلد عربي مجاور حيث يقيمون هناك منذ فترة طويلة. كل هذا يثير الريبة والحيرة دون أدنى شك.

وفي جو مشحون بالقصص شبه الخيالية والأساطير، وبالمعلومات الصحيحة والمغلوطة وبالوقائع الدقيقة على حد سواء كما هو الحال في العراق الجديد، قد يصعب رسم خط فوق الرمال للفصل بين ما هو حقيقي وما هو زائف.

"
الأميركيون حسب ما تسرب من أنباء يريدون حل المليشيات الشيعية بالقوة والتخلص من بعض القوى والشخصيات دفعة واحدة تمهيدا لإعادة تركيب اللعبة السياسية وقواها وقواعدها في البلاد على أسس مغايرة
"
الكلام مثلا عن ضباط عراقيين يعيشون في بلد عربي مجاور جرى استدعاؤهم للمشاركة في تنفيذ الانقلاب، قد يعني من بين ما يعنيه أن الأميركيين ربما يفكرون في توريط طرف عربي بعينه دون إرادته، أو حتى برغبته، في صناعة حل عسكري معقد لعراق مريض.

الحزبان الكرديان كما يبدو من جملة وقائع أخرى، على علم تام تقريبا بالخطوط العريضة للانقلاب.

ما يؤكد ذلك الأنباء التي تسربت مؤخرا عن تحفظ كردي على أحد هؤلاء القادة (برتبة فريق ركن) لصلته المزعومة بما يعرف بحملة الأنفال التي استهدفت القرى الكردية أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات من القرن الماضي؛ فيما تحوم شبهات أطراف أخرى حول ضابط آخر فصل من الجيش العراقي السابق وسجن بسبب قضايا فساد مالي.

في هذا السياق يرى أحد المراقبين السياسيين أن يجري الربط بين خطة الانقلاب هذه وبين الحادث المثير الذي وقع قبل أسابيع قليلة في المنطقة الخضراء، حين تمكنت سيارة عسكرية من اختراق الحواجز والوصول إلى مواقع حساسة.

الأميركيون تكتموا على تفاصيل الحادث ومنعوا اتخاذ أي إجراء ضد السائق. فالحادث في رأي الكثيرين نوع من "بروفة" لاختبار بعض أساليب تنفيذ الانقلاب. ولكن ما هي الأهداف؟

الأميركيون حسب ما تسرب من أنباء، يريدون حل المليشيات الشيعية بالقوة والتخلص من بعض القوى والشخصيات دفعة واحدة، تمهيدا لإعادة تركيب اللعبة السياسية وقواها وقواعدها في البلاد على أسس مغايرة.

وتحت شعار "ضبط الأمن" الذي سوف يرفعه الجنرالات، يستطيع الأميركيون أن يأملوا بالحصول على تعاطف شعبي مع الانقلابيين، وربما على "التفاف جماهيري" يسمح لقوى سياسية بعينها أن ترحب علنا "بالانقلاب الأبيض" وأن تحرث الطريق أمام انسحابهم.

انقلاب أبيض يراد له، وياللسخرية، أن يطيح بنظام عجن الأميركيون حجارة أركانه وقواعده بدماء أكثر من مائتي ألف عراقي بريء، كما تبددت في سبيله أموال أوروبية وأميركية وعراقية تخطت حاجز ترليوني دولار؛ بل وسقط من أجله جنود الإمبراطورية.

إنه نظام مريض فاحت منه رائحة الموت والفساد والجريمة في حين أن أطياف الزرقاوي تحوم فوق سريره.

ليست هذه أطياف الزرقاوي الأعرج والمختل عقليا، بل الزرقاوي نفسه الذي بدا شابا موفور الصحة وقادرا على التحدث أفضل من معظم الساسة العراقيين، بلغة عربية سليمة خالية من الأخطاء النحوية، بل وببلاغة وقدرة على الخطابة يحسده عليها رجال دين كبار.

"
ثمة رهان أميركي غير معلن مفاده أن العراقيين الذين ضاقوا ذرعا بالقتل على الهوية وباللصوص وبالنتائج المأساوية لانهيار شبكة الخدمات، يمكن أن يتقبلوا في النهاية انقلابا عسكريا في ظل الاحتلال يأتي بحكومة إنقاذ وطني

"
ثمة رهان أميركي غير معلن مفاده أن العراقيين الذين ضاقوا ذرعا بالقتل على الهوية وباللصوص وبالنتائج المأساوية لانهيار شبكة الخدمات، يمكن أن يتقبلوا في النهاية انقلابا عسكريا في ظل الاحتلال يأتي بحكومة إنقاذ وطني.

ترى ما الذي حمل رمسفيلد (وزير الدفاع) ورايس (وزيرة الخارجية) على السفر بسرعة إلى العراق بعد ليلة واحدة من ظهور الزرقاوي على شاشة الجزيرة، بحيث ظهرا –أمام عدسات المصورين- كشخصين مذعورين سمعا للتو نبأ سيئا؟

هل جاءا من أجل التأكيد للطالباني، حتى من دون تنسيق بروتوكولي بين وزيرين من وزراء أعظم دولة في العالم، على أن حل المليشيات مطلب أميركي لا رجعة عنه؟

هذا مطلب قديم ومعروف وقد لا يستحق كل هذا القدر من الذعر والاستعجال في السفر.

من المؤكد أن الزيارة المفاجئة لرمسفيلد ورايس هي اعتراف غير رسمي بأن العراق قد دخل، بالفعل، طورا جديدا من الأزمة.

لسوف يكتب التاريخ ذات يوم أن الأميركيين أشاعوا، في سبيل احتلال العراق، أنهم جاؤوا لتخليصه من الدكتاتورية وإنشاء ديمقراطية نموذجية.

ولكن على المؤرخين أن يضيفوا من دون حرج أن الأميركيين أشاعوا، قبيل الفرار من العراق أنهم سعوا إلى فرض بديل أسوأ: نظام دكتاتوري في ظل احتلال عسكري.. دكتاتورية واحتلال؟ لا. هذا كثير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة