ما الذي تبقى من عدم الانحياز؟   
الخميس 1430/8/15 هـ - الموافق 6/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 11:44 (مكة المكرمة)، 8:44 (غرينتش)
عمر كوش


شعار القمة
حرارة مرحلة التأسيس
مقررات القمة
تراث الحركة

شكّلت القمة الخامسة عشرة لدول عدم الانحياز، التي عقدت مؤخرًا في شرم الشيخ المصرية، مناسبة للحديث عن مسيرة الحركة منذ التأسيس إلى يومنا هذا، وعن تركيبتها ومهمتها ومآلها، وطرحت أسئلة عن هويتها وإعادة بنائها وما الذي تبقى من شعاراتها وأفكارها وأطروحاتها التأسيسية، وضرورة البحث عن صيغة تتماشى مع المتغيرات الدولية، ومع طبيعة النظام الدولي الراهن.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ما الذي تبقى من عدم الانحياز؟ ويمتد ليصل جدوى بقاء الحركة، وأن عدم الانحياز تُجاه مَنْ في أيامنا هذه؟ وكيف يُفهمُ عدمُ الانحياز؟

شعار القمة
"
بالرغم من الضعف وقلة الوزن السياسي، فإن دول عدم الانحياز يمكنها التأثير على العلاقات الدولية، في اتّجاه إصلاح النّظام الدّولي، من خلال إحداث تغييرات تدريجية في اتجاه دمج متساو وعادل لدول العالم الثالث
"
حملت قمة شرم الشيخ شعار "التضامن الدولي من أجل السلام والتنمية"، وهو شعار يتسم بعموميته الزائدة، بالرغم من أنه يجمع بين السلام والتنمية، بوصفهما يشكلان أمرين تتوق إليهما الشعوب والدول المنضوية تحت مسمى هذه الحركة، والمأمول –مثلما هو في كلّ مرة- هو أن تترجم أنظمة دول الحركة هذا الشعار إلى واقع ملموس، يخدم مصالح شعوب هذه الدول، لكن غالبيتها عودتنا على أن الواقع شيء والشعارات شيء آخر، حيث فشلت معظمها في تطوير برامج تنموية محدّدة وناجحة، وتطوير سياسات قابلة للتنفيذ، تخدم المصالح الاقتصادية والاجتماعية لشعوب ودول العالم الثالث. واقتصرت قممها جميعًا على إطلاق نداءات وإصدار بيانات ووثائق.

ويعكس الشعار المطروح في هذه القمة التحوّل الذي حدث في أفكار الحركة وفي أهدافها وتوجهاتها، فقد عقدت في ظل ظروف دولية وإقليمية متغيرة ومختلفة عن المراحل السابقة التي مرّت بها الحركة منذ فترة التأسيس إلى اليوم، وفي وقت لا يزال التساؤل قائمًا عن جدوى استمرار بقائها بعد انتفاء الدافع السياسي الرئيس لإنشائها بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية، ومع ذلك فإن الحاجة تظل قائمة إلى الحركة بوصفها إطارًا جامعًا لكل دول العالم الثالث، وتجمعًا سياسيًّا يتمحور هدفه حول إتاحة فرصة أفضل للتنمية في الدول النامية والفقيرة، ويشكل صوتًا إضافيًّا لهذه البلدان.

وبالرغم من الضعف وقلة الوزن السياسي، فإن دول عدم الانحياز يمكنها التأثير على العلاقات الدولية، في اتّجاه إصلاح النّظام الدّولي، من خلال إحداث تغييرات تدريجية في اتجاه دمج متساو وعادل لدول العالم الثالث، وهو أمر يتطلب تجديد وظيفة عدم الانحياز وإعادة هيكلة المنظمة وتطويرها، كي تقوى وتصبح قادرة على مواجهة التحديات الجديدة.

حرارة مرحلة التأسيس
ولدت حركة عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي في مدينة باندونغ بإندونيسيا عام 1955، وأسسها زعماء اختاروا عدم الانحياز ورفضوا الانضواء تحت راية أي من المعسكرين أو الكتلتين اللتين نشأتا إثر الحرب العالمية الثانية، وهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والرئيس الإندونيسي سوكارنو والرئيس الغاني كوامي نيكروما.

وكانت حرارة التأسيس قد اختلطت بأجواء الحرب الباردة بين القوتين العظميين على خلفية الحرب الكورية، لذلك أراد القادة الذين أسسوا الحركة أن يجنبوا دول العالم ودولهم مآسي وويلات ومخاطر نشوب حرب عالمية ثالثة، فرفضوا الاستقطاب وتبعاته، وعملوا على تحرير بلدان آسيا وأفريقيا من براثن الاستعمار، فأعلنت 25 دولة قيام حركة عدم الانحياز رسميا عام 1961 في بلغراد، ثم توسعت الحركة حتى باتت تضم حاليًّا 118 دولة عضوا و15 دولة تحمل وضع مراقب، وهي تمثل ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وما يقارب نصف سكان العالم.

"
الحركة عرفت أوضاعاً من التشرذم والانقسام بعد مرحلة التأسيس، حيث انحازت عملياً مختلف الدول المشاركة في المنظمة إلى إحدى القوتين العظميين، اللتين كانت منهمكتين في صراع المصالح وتقاسم النفوذ
"
ولئن كانت الحركة قد نشأت في مرحلة اشتعال الحرب الباردة التي قسّمت العالم إلى معسكرين أو كتلتين، غربية وشرقية، بزعامة كل من الولايات المتحدة الأميركية وما كان يُعرف بالاتحاد السوفياتي، فإنها كانت حريصة –نظريًّا على الأقل- على رفض الانخراط والتورط في تفاصيل الحرب الباردة، ونجحت في بعض المراحل في إسماع صوتها لدول العالم، من خلال منابر وهيئات الأمم المتحدة، وخاصة الجمعية العامة، حيث تمكن أعضاؤها من إصدار بعض القرارات والتوصيات لصالح القضايا العربية وقضايا شعوب "العالم الثالث"، وكان أهمها القرار التاريخي الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1975، واعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، لكن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب تمكنت وقتها من قتل هذا القرار على مرأى ومسمع من العالم كله.

غير أن الحركة عرفت أوضاعًا من التشرذم والانقسام بعد مرحلة التأسيس، حيث انحازت عمليًّا مختلف الدول المشاركة في المنظمة إلى إحدى القوتين العظميين، اللتين كانتا منهمكتين في صراع المصالح وتقاسم النفوذ، خصوصًا خلال فترة ستينيات وسبعينيات القرن العشرين المنصرم.

وكانت حرب الخامس من يونيو/حزيران الإسرائيلية عام 1967 على مصر وسوريا والأردنّ قد عرفت انحياز العديد من دول منظومة عدم الانحياز إلى جانب إسرائيل إرضاء للولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، كما أن العديد من الدول أيضًا وقف إلى جانب الهند في حربها عام 1972 ضد باكستان. وهناك عديد من الأمثلة التي تؤكد أن دول الحركة لم تكن وفية لأهداف وسياسات حركتها.

مقررات القمة
كان المطلوب هو أن تشكل قمة شرم الشيخ مناسبة لإعادة تجديد الأفكار والسياسات، وتوسيع الآفاق والرؤى، وبناء قاعدة قوية لشبكة علاقات وقنوات الاتصال الدولية، نظرًا لانتهاء الحرب الباردة وبروز الحاجة إلى التغيير والديمقراطية، وإلى عالم متعدد الأقطاب، يتعايش فيه الجميع، على أساس الحوار والمصالح المشتركة.

ولا شك في أن قمة شرم الشيح عقدت في ظل أحداث ومتغيرات دولية عديدة، بدءًا من الأزمة المالية العالمية، مرورًا باحتلال العراق والحرب في أفغانستان والاحتلال الاستيطاني في فلسطين، إلى جانب مشكلات القرن الأفريقي، المتمثلة في الوضع في السودان والصومال، حيث مشكلة إقليم دارفور، والحرب الصومالية المستمرّة منذ عام 1992 والقرصنة الصومالية، فضلاً عن مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية على الرئيس السوداني عمر البشير، بالإضافة للعلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء في الحركة، وخاصة الخلافات القائمة بين مصر والسعودية وبين إيران وبين الهند وباكستان وسواها.

ولم تخيب الظن القمة، فقد خرجت –كسابقاتها- بوثيقة ختامية، حفلت بفيض من المطالب والتوصيات، إذ لم تترك موضوعا في العالم الراهن إلا تطرقت إليه. ودعت إلى مراجعة الآليات الحالية للحركة، واستكشاف آليات جديدة، تضمن تمكين دول الحركة من تقديم المساعدة لأي دولة عضو، في حالة تعرضها للضرر، سواء كان الضرر ذا طبيعة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو متعلقًا بأمنها، وإذا تعَرَّضَتْ لعقوبات أو حصار أحادي الجانب.

"
ما زالت أمام الحركة مهام ملحة، وفي طليعتها إعادة التجدد والحيوية، كي تقوي بنيانها ومنظومتها وتتماشى مع الأوضاع العالمية الحالية، وتعمل على تحقيق النتائج المرجوة في التعاون والتنمية
"
وتحفل الوثيقة بمثل هذا الكلام النظري، الذي لم يجد التطبيق في حالات عديدة، مثل تأكيدها على السلم والأمن العالميين، والإشارة العمومية إلى نزعة بعض الدول للجوء إلى إجراءات أحادية، وعدم الوفاء بالالتزامات والتعهدات التي تحملتها هذه الدول بموجب الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، خاصة المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل والتقليدية والنزاعات وانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، واتباع المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية.

ولم يجد الذين اجتمعوا في شرم الشيخ سوى استنكار استمرار النزاع في الصومال، ودعوتهم مختلف الأطراف فيه إلى التفاوُض والتوافُق بعيدًا عن التدخلات الخارجية. أما بخصوص الصراع على أرض فلسطين فإنّ المجتمعين استنكروا استمرار إسرائيل في احتلال الأرض العربية، وأيَّدوا المبادرة العربية للسلام، وحلّ الدولتين.

وأكدت الوثيقة على أن الحركة ما زالت تسير في جهودها على أساس المبادئ التي تأسست عليها قبل نصف قرن، وأن دور حركة عدم الانحياز لا يزال مهمًّا ومطلوبا على الساحة الدولية، خاصة في المنعطف الدولي الحالي، حيث يؤكد القادة أنهم سيظلون يسترشدون بهذه المبادئ وبميثاق الأمم المتحدة.

كان المأمول أن تستعيد حركة عدم الانحياز شيئًا من قوتها في قمة شرم الشيخ، وأن تصبح قوة اقتراح وتحرك دولي، خصوصًا أنها دعت إلى قيام نظام عالمي جديد، ينهض على المشاركة الفعلية لجميع دول العالم، وخصوصًا الدول النامية، بوصفها من أكثر الدول التي تأثرت بالأزمة المالية العالمية الراهنة.

ومع أن الدعوة إلى ضرورة بناء نظام اقتصادي عالمي جديد لم تعد مقصورة على دول حركة عدم الانحياز، فإنها لم تحظ بالمساحة التي تناسب أهميتها، ولم تطرح قمة الحركة رؤية واضحة تبيّن كيفية التحرك من أجل تأسيس مثل هذا النظام، بالرغم من وجود إمكانية لديها لكي تطور قدراتها، وتعمل في اتجاه إعادة تأسيس بنيات الاقتصاد العالمي، وإقامة تحكيم دولي متجدد منفتح على الجميع، لكن ذلك يتطلب تحركًا ملموسًا، وتعزيز تعاونها الداخلي، والوفاء للمبادئ والأسس التي قامت عليها.

وما زالت أمام الحركة مهام ملحة، وفي طليعتها إعادة التجدد والحيوية، كي تقوي بنيانها ومنظومتها وتتماشى مع الأوضاع العالمية الحالية، وتعمل على تحقيق النتائج المرجوة في التعاون والتنمية.

تراث الحركة
تمتلك الحركة تراثًا قيمًا، ينهل من النضال ضد الاستعمار ورفض سياسة التبعية والأحلاف. وهناك حاجة للحفاظ على أفكارها النظرية وتفعيلها، بالرغم من أنها لم تجد التطبيق الكامل في أي وقت من الأوقات، وخاصة تلك التي تؤكد حق الدول الصغيرة والنامية في التمايز والاستقلال والسيادة وعدم الانحياز ورفض التمييز.

"
القمة أضاعت فرصة تاريخية جديدة، وبرهنت على أنها، مثلها مثل القمم السابقة، كانت مناسبة للقاءات الثنائية والصور التذكارية، مع أن الأجدى هو تحويل المنظمة إلى قوة فاعلة ومؤثرة على الخارطة الدولية
"
ومن الضروري أن تصبح الحركة صوتًا قويًّا لدول العالم النامية والفقيرة، وأن تكون قمة شرم الشيخ مناسبة لإعادة النظر في وظائفها وأهدافها، بما يفضي إلى جملة من المبادئ المشتركة للشعوب التي تنشد النهوض والتقدم والعدالة ورفض القهر ومحاربة التمييز.

ولا شك في أن حركة عدم الانحياز خسرت خلال مسيرتها العديد من المواقع، حتى إن بعض دولها لم يعد له وجود على الخارطة السياسية مثل يوغسلافيا، وتراجعت المكانة الإقليمية لدول أخرى، وتنامى دور بعضها الآخر، وحصلت متغيرات أخرى عديدة، الأمر الذي يقتضي إعادة النظر في منظومتها وفي توجهاتها السياسية بشكل يتناسب مع المتغيرات الجديدة، خاصة بعد رحيل إدارة المحافظين الجدد، وقدوم الرئيس باراك أوباما الرافع لشعار التغيير.

ويبدو أن الأمر لا يتعلق بمدى كفاية وفعالية منظومة عدم الانحياز وحسْب، بل يتعلقُ بالدرجة الأُولى بالمتغيرات الإقليمية والدولية، وعدم قدرة الأطراف الدولية على التصدي للمشكلات ومعالجتها، بالرغم من أن هناك توجها عالميا لتقبل فكرة عالم متعدد الأقطاب، يقوم على المشاركة الدولية، ويبتعد عن نهج الهيمنة والغطرسة والإملاء. لكن القمة أضاعت فرصة تاريخية جديدة، وبرهنت على أنها، مثلها مثل القمم السابقة، كانت مناسبة للقاءات الثنائية والصور التذكارية، مع أن الأجدى هو تحويل المنظمة إلى قوة فاعلة ومؤثرة على الخارطة الدولية، تعمل بقوة لصالح قضايا وهموم شعوب دولها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة