التداعيات المحتملة لنتائج التحقيق الدولي على سوريا   
الأربعاء 1426/8/18 هـ - الموافق 21/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:14 (مكة المكرمة)، 9:14 (غرينتش)























نجيب الغضبان

بمناسبة زيارة المحقق الدولي ديتلف ميليس إلى دمشق، لاستجواب بعض المسؤولين الأمنيين السوريين، لم يعد التساؤل حول تورط النظام السوري في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بقدر ما هو حول مدى هذا التورط، وبالتالي، ما هي النتائج المتوقعة لعملية التحقيق على سوريا؟ حتى لو التزمنا المبدأ القانوني الذي يفترض مبدأ براءة المتهم حتى تثبت إدانته، فإن لا يمكن بأي شكل من الأشكال افتراض براءة جميع المسؤولين الأمنيين أو السياسيين السوريين، على ضوء الاعتقالات والتهم التي وجهت إلى قادة الأجهزة الأمنيين اللبنانيين.

هذه النتيجة تستند إلى المعطيات الثلاثة التالية: أولها، أن المسؤولين الأربعة هم من أقرب المقربين إلى الحكم السوري، وثانيها، أن الحكم السوري كان يتدخل في أدق تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، فكيف الحال بأمر جلل كاغتيال أهم رجالات لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية في ذلك البلد.

وأخيراً، فإن التطورات التي سبقت اغتيال الحريري، كشفت عن التعاطي غير العقلاني للحكم السوري مع الشأن اللبناني، بدءاً بالإصرار على التمديد للرئيس لحود -رغم المعارضة الواسعة محلياً ودولياً لهذا القرار- وانتهاء بالتهديدات التي تلقاها الحريري من القيادة السورية.

"
التطورات التي سبقت اغتيال الشهيد الحريري كشفت عن التعاطي غير العقلاني للحكم السوري مع الشأن اللبناني، بدءاً بالإصرار على التمديد للرئيس لحود وانتهاء بالتهديدات التي تلقاها الحريري من القيادة السورية
"
يسوق الرافضون لهذا التحليل نوعين من الاعتراضات: أولهما، أنه من منطلق البحث عن المستفيد من هذه الجريمة، فإن عملية الاغتيال ليست في مصلحة سوريا، بدليل أن من أولى نتائج عملية الاغتيال كان الانسحاب العسكري والمخابراتي من لبنان، وتصعيد وتيرة الضغوط -المفروضة قبل عملية الاغتيال- على دمشق.

الاعتراض الثاني، أن الإسراع في توجيه الاتهامات إلى سوريا مؤشر على أن الذي قام بالجريمة كان يهدف إلى الإضرار أولاً، وقبل كل شيء بسوريا، ثم نسف العلاقات السورية اللبنانية التي ترسخت في السنوات الأخيرة.

هذا الاتجاه في التفكير يقود باتجاه إسرائيل، المعروفة بطول اليد، وبإتقان اللعب على التناقضات، والخبيرة بانتقاء التوقيت المناسب، والعليمة بضرب عدة أهداف بعملية واحدة.

لكن هذا المنطق يعطي لإسرائيل أكثر مما تستحق، كما أنه يتجاوز تاريخ الأجهزة الأمنية السورية في تصفية شخصيات لبنانية وسورية، من كافة التوجهات السياسية، لم يتم القبض فيها على القتلة لأن الظروف الإقليمية والدولية لم تكن تسمح بتشكيل لجان تحقيق دولية مدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا.

قائمة الاغتيالات التي طالت معارضي السياسة السورية في لبنان، إضافة إلى معارضي النظام داخل سوريا، تشمل رؤوساء سابقين، ووزراء، وقادة أحزاب، وعلماء دين، وصحفيين، وأبرياء من النساء والرجال قتلوا نيابة عن أقارب لهم.

ومع أن أغلب هذه العمليات تعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي، إلا أن بعضها استمر حتى بعد اغتيال الرئيس الحريري، كما هو الأمر مع الأكاديمي والصحفي سمير قصير، والسياسي جورج حاوي، والشيخ محمد معشوق الخزنوي.

التقارير الأولية حول الشخصيات التي ينوي ميليس التحقيق معها، تنقسم إلى مجموعتين من المسؤولين الأمنين، أولها، الضباط الذين كانوا مسؤولين عن لبنان، وعلى رأس هذه القائمة غازي كنعان ورستم غزالة، أعلى مسؤولين أمنيين سوريين في لبنان بين عامي 1982-2005، وبعض المسؤولين في الاستخبارات العسكرية والحرس الجمهوري، بمن في ذلك، حسن خليل وآصف شوكت (زوج شقيقة الرئيس بشار).

كما أن هناك تقارير تشير إلى أن رئيس لجنة التحقيق يود التحدث (التحقيق) مع كل من بشار الأسد وشقيقه ماهر، المسؤول الأول في الحرس الجمهوري.

ما يهم في فهم انعكاسات إدانة أي من هذه الشخصيات على النظام، الإشارة إلى أن ما يجمع بين هؤلاء المسؤولين، أن أغلبيتهم تنحدر من خلفية طائفية وجهوية وقبلية واحدة. الأمر الثاني الهام أن النظام السوري نظام استبدادي قوامه سيطرة الأجهزة الأمنية -التي يترأسها هؤلاء- على الحياة السياسية والاقتصادية، وتتحكم بعملية صنع القرار في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.

ولإن استطاع الرئيس الراحل السيطرة المحكمة على هذا النظام، فقد اختلف الأمر مع ابنه حيث توجد أدلة على افتقاد الابن لمثل هذه السيطرة. وقد يكون هذا الأمر مدخلاً لتبرئة الابن من يد العدالة الدولية.

بالعودة إلى النظر إلى النظام والدور المحوري للأجهزة الأمنية فيه، تتبلور حقيقة مفادها أن الآثار المحتملة على النظام ستمس مراكز وشخصيات قوية في هذا النظام، قد تكون البداية في نهاية حكم آل أسد لسوريا. ومع استبعاد تبرئة كافة المسؤولين السوريين -كما أسلفنا- يمكن للأحداث أن تأخذ أكثر من مجرى، لكن من أكثرها احتمالاً السيناريوهين التاليين.

"
السيناريو الأول أمام النظام السوري أن يحاول حصر التهمة بمسؤول أمني أو أكثر وتقديمه على أنه كبش فداء, والسيناريو الثاني أن يقرر التشدد مع فريق التحقيق الدولي ويرفض التعاون الكامل أو النتائج التي تركز على الدور السوري
"
السيناريو الأول المطروح أمام النظام أن يحاول حصر التهمة بمسؤول أمني أو أكثر، وتقديمه على أنه كبش الفداء، خاصة إذا قبل المسؤول المعني هذا الدور لإنقاذ النظام من الانهيار. مثل هذا السيناريو يفترض قبول الجميع بتوزيع الأدوار ولعبها بإتقان يفوق قدرات القاضي ميليس وفريق تحقيقه، كما أنه يفترض عدم انهيار أي من المتهمين المقبوض عليهم من اللبنانيين أو من الطرف السوري لاحقاً.

وقد يترافق مع هذا السيناريو قيام القيادة السياسية بإرسال رسائل إلى الولايات المتحدة وفرنسا، مفادها تأكيد استعداد النظام الكامل للقبول بكل ماهو مطلوب منه في الشأن العراقي والفلسطيني واللبناني. وقد تنطوي هذه العروض على تنازلات أكثر مما هو مطلوب، على الطريقة الليبية. المقابل الوحيد لكل هذه التنازلات، حسب هذا السيناريو، أن يتم تبرئة الرئيس وأخيه من دم الحريري.

والتنازلات المطروحة ضمن هذا السيناريو تصب في إضعاف النظام على جبهتين: الأولى، فقدان ثقة مراكز القوى الأمنية تجاه بعضها البعض، وتجاه القيادة السياسية التي تثبت أنها مستعدة للتضحية بأحد أهم مرتكزاتها من أجل الحفاظ على حكم عائلة بعينها. أما الجبهة الثانية، فهي خسارة آخر ادعاء بالشرعية لنظام يقتات على المزايدات بالقضايا الوطنية والقومية.

السيناريو الثاني، أن يقرر النظام التشدد مع فريق التحقيق الدولي ويرفض التعاون الكامل أو رفض النتائج التي تركز على دور سوري، بحجة تسييس التحقيق.

لكن النظام برفضه التعاون يؤكد الشكوك بدوره في التخطيط أو التنفيذ للجريمة البشعة، كما أنه يفتح المجال واسعاً أمام المزيد من العزلة وحتى تصعيد العقوبات على النظام السوري، وعلى البلد بأكملها.

العارفون بالنظام السوري، يستبعدون هذا السيناريو، استناداً إلى سلوكه السابق المتمثل في تراجعه في اللحظة الأخيرة عندما تثبت جدية القوى الدولية، كما فعل عندما أتم انسحاب قواته من لبنان قبل الموعد الذي حددته الأمم المتحدة، ورفضه الأولي للتعاون مع المحقق الدولي، ثم إعلان رأسه عن استعداد لتعاون كامل.

ومما يؤكد استبعاد دخول النظام في مواجهة مع فريق التحقيق الدولي، ومن خلفه مجلس الأمن، الرسائل المتواصلة لرأس النظام باستعداده للتعاون في كافة الملفات، وأنه ليس "صدام حسين".

هناك عاملان أساسيان سيكونا حاسمين في تقرير مسار التحقيق وآثاره على النظام السوري: أولهما، المعلومات المتوفرة حالياً عند فريق التحقيق الدولي عن الدور السوري، سواء من المعتقلين اللبنانيين أو من المتعاونين من السوريين واللبنانيين وغيرهم من أجهزة الأمن للدول المجاورة. العامل الثاني، استعداد واشنطن وباريس لكشف الحقيقة كاملة غير منقوصة، ورفض أي عروض فيها مساومة على الحقيقة، مهما كانت نتائجها.

"
النظام السوري يواجه تحدياً هو الأخطر منذ وراثة بشار الأسد للحكم في سوريا، والخيارات المتاحة أمامه أحلاها مر، لكن النظام أمامه فرصة واحدة للتقليل من الآثار السلبية للتحقيق تتمثل في أن يتعامل مع الأمر بجدية وشفافية
"
من الواضح أن النظام السوري يواجه تحدياً هو الأخطر منذ وراثة بشار الأسد للحكم في سوريا، والخيارات المتاحة أمامه أحلاها مر. لكن النظام أمامه فرصة واحدة للتقليل من الآثار السلبية للتحقيق على سوريا تتمثل في أن يتعامل النظام مع الأمر بجدية وشفافية، فلا يضيع وقته في لعبة دفع الأمور إلى حافة الهاوية التي عادة ماتنتهي بانصياعه لكل ما هو مطلوب منه، كما أنه مطالب بمصارحة شعبه بالحقيقة.

ومع تسريب أخبار وشائعات عن قيام واشنطن وباريس بالبحث عن بدائل للنظام، سواء في الفترة الانتقالية أو في المدى البعيد، فإن من مصلحة سوريا، كبلد وشعب، أن يتم التغيير باتجاهين، الأول: أن تكون عملية التحول سلمية وهادئة، والاتجاه الثاني، أن تدفع قوى المعارضة وأولئك الموجودون في الحكم -من غير المتورطين بهذه الجريمة أو غيرها من الجرائم ضد الشعبين السوري واللبناني- إلى أن تكون النهاية الطبيعية لعملية التغيير نظاماً ديمقراطياً تتنافس فيه كافة القوى السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على أصوات الناخبين في انتخابات حرة ونزيهة وبإشراف دولي.

هذه هي النهاية الإيجابية الممكنة لنظام مارس العنف السياسي لأمد طويل، ودفع خلالها الكثير من الأبرياء من أبناء بلاد الشام حياتهم ثمناً لها، دون أن تُشكل من أجلهم لجان تحقيق دولي.

فالنظام الديمقراطي هو النظام السياسي الوحيد القادر على إيجاد آليات لحل الإشكاليات وتناقض المصالح بين أبناء الوطن الواحد، من دون اللجوء إلى العنف والتصفيات والاغتيالات والتعذيب. ولأول مرة تلوح أمام السوريين فرصة نادرة لتبني هذا النظام من الحكم الذي يعيد الاعتبار لحرية وكرامة المواطن، فهما ضالته المفقودة لما يزيد على أربعة عقود، وأنى وجدهما فهو أحق بهما.
ـــــــــــــــ
كاتب سوري 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة