عن إشكاليات العلاقات اللبنانية/الفلسطينية   
الأربعاء 1431/7/26 هـ - الموافق 7/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:01 (مكة المكرمة)، 14:01 (غرينتش)
ماجد كيالي


لبنان واللاجئون إليه
بين التوطين والوطنية
جدل الحقوق السياسية والإنسانية
 
استحقاقات لبنانية وفلسطينية 
من أجل ترشيد النقاش

ثمة مفارقة في تجربة اللاجئ الفلسطيني تجعله يختلف عن كل اللاجئين في بلاد الله الواسعة. وهذه المفارقة لا تتأتى فقط من طبيعة المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعاً استيطانياً وإحلالياً، ينكر وجود الفلسطينيين كشعب، ويسعى إلى إجلائهم من أرضهم وحرمانهم من حقوقهم، وإنما تتأتى أيضاً من كون الفلسطيني اللاجئ ينتمي إلى أمة عربية مفترضة، وهي مسألة حقيقية نظريا، ولكنها لا تجد تمثيلاتها في الناحية العملية/الواقعية، مما يطرح السؤال الإشكالي التالي: كيف يكون الفلسطيني العربي لاجئاً في أمته ذاتها؟!.

وهكذا فإن مجرد بقاء مصطلح اللاجئ، واستمرار واقع اللجوء، كرس حالة استلاب غير إنسانية للفلسطينيين اللاجئين، رغم الغلافات السياسية النضالية ("الوطنية" و"القومية")، التي حاولت أن تتلبّسها.

فما علاقة طمس هوية الفلسطينيين، أو وقفها على هوية لاجئ، بوطنيتهم؟ وما علاقة بؤس المخيمات، المقيم منذ ستة عقود، بالحفاظ على القضية الفلسطينية؟ ثم ألا يمكن اعتبار المخيمات المزرية، التي تعتبر دليلاً على هول جريمة الصهيونية، دليلاً أيضاً على مدى ونوع «كرم» الضيافة العربية «للاجئ» العربي الفلسطيني؛ مع تفاوتات تعامل النظام العربي مع هذا الملف؟!.

لبنان واللاجئون إليه
"
بدلا من أن يسهم لبنان في التخفيف من معاناة الفلسطينيين، الذين لجؤوا إليه مضطرين بعد النكبة، إذا به ينكّل بهم ويعاقبهم بالتمييز ضدهم في المسكن والعمل، وبحرمانهم من الحقوق المدنية/الإنسانية
"
وبشأن تفحّص سيرة اللاجئين وأوضاعهم يمكن ملاحظة أن وضعهم في لبنان أشد بؤسا وأكثر معاناة، من أي مكان آخر. معلوم أن بين بعض فئات اللبنانيين من تتوجّس من مجرد وجود فلسطينيين في لبنان، ولو كانوا مجرد لاجئين، وأرقام في إحصاءات التعداد السكاني، بدعوى الحرص على هوية البلد، وعدم الإخلال بتركيبته السكانية (الطائفية والمذهبية).

فمنذ البداية (أي عام النكبة 1948) وبدلا من أن يسهم لبنان في التخفيف من معاناة الفلسطينيين، الذين لجؤوا إليه مضطرين، إذا به ينكّل بهم ويعاقبهم بالتمييز ضدهم في المسكن والعمل وبحرمانهم من الحقوق المدنية/الإنسانية. وشاهدنا مع ذلك استمرار الواقع المزري لفلسطينيي لبنان، وأحوال مخيماتهم البائسة (حتى بعد ستين عاما)؛ وهو ما كان من بين أهم العوامل التي حرّضتهم لاحقا على الانخراط في الصراعات الداخلية اللبنانية، مما أضر بهم وبقضيتهم وبحركتهم الوطنية.

طبعا لا نقصد من هذا الكلام التقليل من المسؤولية التي تقع على عاتق الفلسطينيين، وإنما وضع هذه المسؤولية في حجمها الصحيح دون مبالغات، وأيضا تفنيد ذريعة التمييز ضدهم بدعوى تدخلهم في الشأن اللبناني، لأن التمييز كان أسبق من ذلك، مما يؤكد أن رفع هذا التمييز يمكن أن يسهم في إرساء علاقة سليمة بينهم وبين مختلف مكونات الكيان اللبناني.

معلوم أن الفترة التي لعب فيها الفلسطينيون دورا في التصدعات الداخلية اللبنانية، لا تزيد عن 13 عاما (الفترة من 1969-1982)، أما فيما بعد فقد كفّ العامل الفلسطيني عن لعب دور مقرر في لبنان، أو في التصدعات الأهلية فيه. زد على ذلك أن الفلسطينيين (منذ ما بعد عام 1982) باتوا عاملا مهمشا في المعادلة الداخلية اللبنانية، فهم ليسوا فقط محرومين من حقوقهم المدنية، وإنما باتوا أيضا بيدقا (أو بالأصح ضحية) في التجاذبات الداخلية والتوظيفات الإقليمية. وهكذا إذا احتسبنا 62 عاما من عمر الوجود الفلسطيني في لبنان، يمكننا أن نلحظ أن ثمة 50 عاما تحسب على لبنان -لا على الفلسطينيين- في هذا الأمر.

ومعنى ذلك أن التمييز في الحقوق الإنسانية ضد الفلسطينيين سبق فترة تدخلهم السلبي والمضر في شؤون لبنان، وأن هذا التمييز لم يلغ بعد انتهاء الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان (بعد عام 1982).

بين التوطين والوطنية
عدا ذلك، وبالنسبة لفزاعة "التوطين" فقد أكد اللاجئون في لبنان، والقوى الممثلة لهم، بأن مبتغاهم يقتصر على الاعتراف لهم بحق العمل والتملك والتنقل والضمان الاجتماعي (لمن يستحق ذلك بحسب القوانين المتعلقة بهذا الأمر). ومعنى ذلك أن الفلسطينيين لم يطالبوا بأي من الحقوق السياسية (الانتخاب والترشيح والمواطنة أو التجنيس ولا كل ما يرتبط بذلك).

وفي الحقيقة فإن "التوطين" يطرح في لبنان على شكل فزاعة للاستهلاكات والتعصبات الداخلية، فليس ثمة أي حركة سياسية فلسطينية تتبنى التوطين، وعلى العكس من ذلك ثمة إجماع فلسطيني على رفض هذا الأمر، وعلى حق العودة للاجئين. وإذا كان ثمة من يتخوف في لبنان من تداعيات عملية التسوية على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فعليه أن يراجع ملفات المفاوضات، التي تبين إصرار الطرف الفلسطيني على حل مشكلة اللاجئين في لبنان أولاً، من خلال تمكينهم من العودة إلى مناطق الدولة الفلسطينية، كما من خلال منحهم مواطنية الدولة الفلسطينية، بحيث يصبحوا في مكانة المقيمين من تابعية دولة أخرى، كغيرهم من حملة الجنسيات العربية الأخرى المقيمين في لبنان.

"
ثمة في لبنان من يدعي أن حرمان اللاجئين من حقوقهم إنما هو لغايات "وطنية"، أي لمنع تمرير مخطط "التوطين"!، والحقيقة أن هذا مجرد ادعاء ساذج ومبتذل، لأن هذه الادعاءات "الوطنية" تتأسس على الحط من كرامة الفلسطينيين ومفاقمة معاناتهم
"
الطريف (والمرير أيضا) أن ثمة في لبنان من يدعي أن حرمان اللاجئين من حقوقهم إنما هو لغايات "وطنية"، أي لمنع تمرير مخطط "التوطين"! والحقيقة أن هذا مجرد ادعاء ساذج ومبتذل، لأن هذه الادعاءات "الوطنية" تتأسس على الحط من كرامة الفلسطينيين ومفاقمة معاناتهم، وحرمانهم من أبسط حقوقهم كبشر. وقد بينت التجربة أن ادعاءات رفض "التوطين" لا تصبّ في تنمية إحساس الفلسطيني بهويته الوطنية، وبوجوده كشعب، وبانتمائه لقضيته، ولأمته العربية، بقدر ما تخدم التوظيفات والعصبيات السياسية الضيقة، وهي ادعاءات تسهم في زيادة غربة الفلسطينيين عن أمتهم، وتنمية إحساسهم بعدم الاستقرار، مما يدفع بهم إلى الهجرة في منافي الأرض، وتذويبهم في المجتمعات الأخرى، وتنمية روح الإحباط والضياع عندهم على الضد من حقهم في العودة.

أما بالنسبة لملف سلاح المخيمات، فهذا الأمر بات خارج نطاق قدرة الفلسطينيين، لاسيما اللاجئين في لبنان، لذا فلا جدوى من ربط هذا الملف بملف حقوقهم المدنية (الإنسانية)، سواء من قبل أطراف لبنانية أو أطراف فلسطينية.

ولنكن واضحين أكثر في أمر السلاح والتوطين، فهذان الملفان لم يعودا مجرد ملفين فلسطينييْن، بمعنى أن الطرف الفلسطيني هو أضعف طرف في هذين الأمرين. فمن المعروف أن ملف سلاح المخيمات لم يعد في حوزة منظمة التحرير، وإنما بات ضمن أجندة صراعات القوى الإقليمية، بدليل عجز الفلسطينيين وعجز لبنان عن الحسم في هذا الأمر.

جدل الحقوق السياسية والإنسانية
المشكلة أن بعض اللبنانيين يتخوفون من منح الحقوق الإنسانية للفلسطينيين، حينا بدعوى أنها يمكن أن تتطور إلى حقوق سياسية لاحقا، وحينا تحسبا لإضرارها باللبنانيين. وفي الواقع فإن الفلسطينيين، كما أوضحنا لا يطالبون البتة بأي حقوق سياسية؛ باستثناء حقهم في العمل بالوسائل المدنية المشروعة من أجل قضيتهم. وهم فقط يطالبون بحقوقهم كبشر في لبنان، التي يختزلونها في حقهم في العمل والتملك (المسكن) والتنقل والاستفادة من الخدمات الصحية (حيث لهم مساهمة مالية فيها).

"
الفلسطينيون في لبنان ليسوا عالة عليه، ولا يشكلون عبئا على اقتصاده, ولا يعقل أن اللبنانيين المستوردين للعمالة يضيق صدرهم أو اقتصادهم بنحو 25 ألفا من الفلسطينيين، الذين يمكن أن يشكلوا إضافة نوعية لبعض القطاعات الاقتصادية
"

والواقع أن ثمة مبالغة في تقدير حجم الوجود الفلسطيني في لبنان، علما بأنه ثمة من 40 إلى 50% من اللاجئين الفلسطينيين هاجروا منه إلى الدول الاسكندنافية والأميركتين وكندا وأستراليا، وما تبقى منهم يقدر بحوالي 250-300 ألف. ومن حيث الأعباء الاقتصادية يمكن القول إن هذه النسبة من البشر لها دورة حياة اقتصادية، بمعنى أنها تحتاج لعمالة "داخلية" (أصحاب حوانيت بقالة وحرفيين وغير ذلك)، هذا أولا.

وثانيا، ثمة حوالي 250 ألفا من فلسطينيي لبنان يعيشون خارجه (لاسيما في دول الخليج وأوروبا والأميركتين وكندا وأستراليا)، ولهؤلاء قوة عاملة ترسل جزءا من دخلها إلى ذويها في لبنان، بما يقدر بمليون دولار في اليوم الواحد، أي بمعدل 350 مليون دولار في العام، مما يعني أن الفلسطينيين في لبنان ليسوا عالة على لبنان، ولا يشكلون عبئا على اقتصاده. ثالثا، إن مجموع القوة العاملة للاجئين في لبنان لا تتجاوز 50 ألفا، وإذا احتسبنا نصفهم يعملون في الاقتصاد الخاص بالمخيمات ومتطلباتها، يبقى حوالي 25 ألفا، ولا يعقل أن اللبنانيين المستوردين للعمالة يضيق صدرهم أو اقتصادهم بهذا العدد من العاملين الفلسطينيين، الذين يمكن أن يشكلوا إضافة نوعية لبعض القطاعات الاقتصادية والخدمية في لبنان.

تبقى مسألة حرمان الفلسطيني من حقه في امتلاك المسكن الذي دفع ثمنه من جنى عمره، وليس لأحد فضل عليه بذلك، فهذا الأمر ينافي الأعراف الإنسانية والقوانين الوضعية، ويتنافى مع قيم العدالة. وهل جزاء الفلسطيني الذي عانى الأمرين جراء اقتلاعه من أرضه ووطنه وحرمانه من ممتلكاته وحقوقه في فلسطين، هل جزاؤه حرمانه أيضا من جني شقاء عمره، ومن حقه في أن يكون له مأوى يليق به كإنسان؟ هل هذا من الإنسانية والوطنية والعدالة؟.

استحقاقات لبنانية وفلسطينية
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الفلسطينيين في لبنان هم ضحية لقيام إسرائيل، وللنظام العربي البائس، ولوضع لبنان الهش. وفي هذا الإطار يمكن للبنانيين ملاحظة أنهم في تاريخهم المعاصر انقسموا على ذاتهم ليس بسبب الفلسطينيين، وإنما لأسبابهم الخاصة، أي بسبب طبيعة النظام السياسي الطوائفي، وغياب مفهوم المواطنة، وضعف الإجماعات الداخلية بشأن هوية لبنان، وبسبب كونهم ضحية للصراعات والسياسات الإقليمية أيضا، شأنهم شأن الفلسطينيين في ذلك.

ويستنتج من ذلك أن معاداة الفلسطينيين، أو التمييز ضدهم، لا يفيد في بناء الكيان اللبناني، ولا يعزز الوحدة بين اللبنانيين، ولا ينمي الاندماج الاجتماعي بينهم، فهذه المسائل لها علاقة بتجاوز اللبنانيين للنظام التمثيلي: الطوائفي والمذهبي، والانفتاح على نظام الديمقراطية الليبرالية، وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، وإرساء نظام تمثيلي تعددي، على المستوى الوطني.

أما بالنسبة للقيادات الوطنية الفلسطينية (بمختلف اتجاهاتها) فإن المطلوب منها ليس فقط مجرد رفض التوطين والتمسك بحق العودة، والاعتراف بحق لبنان في فرض سيادته على أراضيه. وربما أن المطلوب من القيادة الفلسطينية الرسمية، لطمأنة كل الأطراف اللبنانية، هو إيجاد الصيغ والأطر السياسية والقانونية التي تضمن لها توثيق علاقتها بفلسطينيي لبنان، وتعزيز اهتمامها بأوضاعهم الإنسانية والمعيشية، بعيدا عن التوظيفات السياسية.

وبديهي أن ذلك يتطلب أساسا استنهاض منظمة التحرير، باعتبارها الكيان المعنوي الموحد والممثل لكل الفلسطينيين، وإيجاد الصيغ التي تربط الكيان الفلسطيني باللاجئين في لبنان، بمختلف الأشكال والطرق والأطر، وضمنها ربما ترجمة تبعيتهم للمواطنة الفلسطينية، مع الاحتفاظ بمكانتهم كلاجئين.

من أجل ترشيد النقاش
معنى ذلك أن الخطاب المتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وإضافة إلى ارتكازه على حق العودة كمشروع نضالي مستقبلي، ينبغي أن يركز على التالي:

أولاً، النظر إلى قضية اللاجئين باعتبارها قضية إنسانية، فضلاً عن كونها قضية سياسية، وهو ما يفترض مساواة اللاجئ الفلسطيني مع غيره من الناس.

"
يجب الحذر من خطاب رفض التوطين، لأنه ينبع -في الغالب- من بيئة استبعادية للفلسطينيين، ولأنه رديف خطاب التهجير، وهذه كلها خطابات ليست لها علاقة بحق العودة، لكونها تسعى إما إلى توظيف اللاجئين سياسيا أو التخلص منهم
"

ثانياً، الحذر من خطاب رفض التوطين، لأنه ينبع -في الغالب- من بيئة استبعادية للفلسطينيين، ولأنه رديف خطاب التهجير، وهذه كلها خطابات ليست لها علاقة بحق العودة، لكونها تسعى إما إلى توظيف اللاجئين في مآرب مصلحية وسياسية ضيقة، أو تسعى إلى التخلص من قضية الفلسطينيين بالتخلص من وجودهم.

ثالثا، من المهم ملاحظة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، إضافة لما تقدم، نابعة أيضاً من واقع أن المجتمعات العربية لم تصل حد الاندماج الوطني، على رغم مرور نصف قرن، على الأقل، على قيام الدولة الوطنية (القـُطرية) العربية.

المفارقة والسؤال الذي يطرح نفسه -على ضوء المعطيات السائدة حاليا- هو إلى متى ستبقى قضية اللاجئين تعيد إنتاج ذاتها، كواقع مستمر يفاقم مأساة الفلسطينيين؟، وإلى متى ستبقى هذه المأساة أسيرة التلاعبات والمزايدات والتنافسات الفلسطينية أو العربية؟، وإلى متى سيبقى الوضع العربي عاجزاً وقاصراً عن تمثّل حلّ منصف لهذه القضية، ولو بتجاوز بعض جوانبها السياسية؟، ومتى سيتم التعامل مع اللاجئين في لبنان باعتبارهم بشرا قبل أن يكونوا فلسطينيين أو عربا أو أي موضوع سياسي آخر؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة