العروبة والمواطنة   
الأربعاء 1431/6/13 هـ - الموافق 26/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 0:43 (مكة المكرمة)، 21:43 (غرينتش)
عبد الحسين شعبان


إذا كان موضوع الهوية -وخاصة العلاقة مع الآخر- يوضّح جوهر العروبة الإنساني وتجددها الحضاري، وموقفها التقدمي أو نقيضه، فإن ذلك يقودنا إلى الحديث عن جانب آخر يتعلق بعلاقة العروبة بالمواطنة، خصوصاً في إطارها القانوني، لاسيما في ظل الدولة المنشودة.

هناك أربع دلالات أساسية يمكن التوقف عندها:
الدلالة الأولى أنه موضوع راهني أصبح مطروحاً على بساط البحث، لاسيما أن هناك تجاذبات كثيرة حوله داخلياً وخارجياً.

والدلالة الثانية أن هناك التباسا نظريا وعمليا بشأنه، خاصة في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة.

والدلالة الثالثة أن إشكالية المواطنة بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوية، وبالتالي لا يمكن إبعادها عن التأثيرات العميقة للعروبة، الأمر الذي يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنه يدخل في صلب الإشكاليات والمشكلات التي تواجه المصير العربي.

والدلالة الرابعة علاقتها بحقوق الإنسان، خصوصاً بمبدأ المساواة والحقوق الأساسية وبالأخص حق المشاركة، وإدارة الشؤون العامة دون تمييز، وهو ما يضع تحديات جديدة لمسألة العروبة.

"
هناك التباس نظري وعملي بشأن علاقة العروبة بالمواطنة، وبخاصة في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة
"
ومثل هذه الإشكالية هي التي تؤلف جوهر فكرة المواطنة في الدولة العصرية، خصوصاً إذا ما قرناها بالعدل وهو ما نطلق عليه "المواطنة العضوية"، حيث ما نزال نعاني من نقص فادح فيما يتعلق بثقافة المواطنة، وتستمر النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة قائمة، إضافة إلى الموقف السلبي من التنوّع الثقافي الديني والاثني واللغوي، فضلاً عن حقوق المرأة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى معالجات ودراسات، وبيئة تشريعية وتربوية مناسبة، إضافة إلى ما يمكن أن يلعبه الإعلام ومنظمات المجتمع المدني من دور إيجابي في نشر ثقافة المواطنة، لاسيما إذا تمكنت من إيجاد رصيد لها لدى القوى والأحزاب والجماعات السياسية والدينية بذلك.

إن مناسبة الحديث عن العروبة هو مؤتمر فكري مهم دعت إليه الأديبة السورية الدكتورة نجاح العطار في دمشق بعنوان "العروبة والمستقبل". وقد أثار هذا المؤتمر تداعيات وردود فعل متنوّعة، الأمر الذي يقتضي نقل هذا الحوار والجدل إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات والمنتديات الفكرية والثقافية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات في الآن ذاته، ناهيكم عن قطاعات شعبية، وخصوصاً من النساء ومن الأنشطة الثقافية المتنوعة والمتعددة. وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام، لاسيما الفضائيات في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، وبفضل الإنترنت والحاسوب، يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة ويعزز أركانها وصولاً إلى "المواطنة العضوية".

وإذا كان الحديث عن فكرة المواطنة الأوروبية قبل نحو ستة عقود من الزمان يعتبر ضرباً من الخيال، لاسيما بعد حربين عالميتين مدمرتين، سبقتهما حروب وعداوات وكراهية وكيد، ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر في أوروبا، فإن الحديث اليوم عن مواطنة أوروبية واتحاد أوروبي وبرلمان أوروبي وهوية أوروبية ومحكمة أوروبية لحقوق الإنسان وعدالة أوروبية واقتصاد أوروبي وعملة أوروبية وثقافة أوروبية أمر ممكن بل واقعي، رغم التنوع والاختلاف والتمايز، لكن في إطار وحدة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وفي إطار المشترك الإنساني.

فهل سيصبح الحديث عن مواطنة عربية أو مواطنة مغاربية أو خليجية ممكناً، وبأي اتجاه يمكن إدراجه في إطار مواطنة فاعلة، خصوصاً في ظل هوية تمثل العروبة في إطار دولة عصرية؟

يمكننا التوقف عند تجربتين عربيتين جنينيتين: الأولى خليجية (مجلس التعاون الخليجي) والثانية مغاربية (الاتحاد المغاربي).

لكن ما زال الطريق طويلاً أمامهما، إذ لا يمكن التكهن حتى الآن بما ستؤول إليه هاتان التجربتان، فالنواتان يمكن أن تكونا أساساً مشتركاً لمواطنة موسعة تنطلق من المواطنة المحلية إلى المواطنة العربية، في ظل الاتحادات والتجمعات والكتل السياسية والاقتصادية الكبيرة على النطاق العالمي، بما يؤدي إلى تفعيل المواطنة "القطرية" وتعميقها من خلال مواطنة عربية أوسع وأشمل وأكثر فائدة وجدوى على المستوى الرسمي أو الشعبي، خصوصاً أن استهدافات حالية تقصد إضعاف النزعات الوطنية، بل تشطير وتفتيت المواطنة المحلية، الأمر الذي يجعل توسيع دائرة المواطنة يوفّر منافع أكبر ومصالح أكثر، بحيث يكون لكل مواطن من أي بلد عربي وبغض النظر عن النظام السياسي، حرية التنقل والإقامة والعمل، ولكن ذلك بحاجة إلى إرادة سياسية وتفاهم بين الدول العربية على أسس التعاون الطويل الأمد.

"
المشهد السائد على الصعيد الفكري والعملي في العالم العربي ما زال يعكس أشكالاً من المواطنة المفقودة أو المنقوصة أو المكبّلة، في حين أن العالم يسير باتجاه مواطنة عضوية واسعة وموعودة، لاسيما باتساع دائرة الحريات والمشاركة والمساواة والعدل
"
ولعل في ذلك طموحا جد متواضع -رغم عظمة شأنه في الوقت الحاضر- إذا ما ذهبنا إلى الحق في التصويت والترشح للانتخابات المحلية والبلدية بعد حق الإقامة الدائم، حتى وإن لم يحمل جنسية الدولة العربية المقيم فيها، وأن يكون الاتحاد البرلماني العربي (البرلمان الموحد) منتخباً من جانب المواطن العربي -بغض النظر عن جنسيته- لاختيار الهيئة التشريعية العربية، تمهيداً للمواطنة العربية.

ويكون من حق كل عربي أو من يحمل جنسية أي بلد عربي، حتى لو كان من "الأقليات" القومية أو الدينية، التمتع بالحقوق التي يمكن الاتفاق عليها على غرار معاهدة ماستريخت لعام 1992 للاتحاد الأوروبي، وإن كان الأمر يحتاج إلى تدرّج وتراكم وصولاً إلى ذلك.

إن المشهد السائد على الصعيد الفكري والعملي ما زال يعكس أشكالاً من المواطنة المفقودة أو المنقوصة أو المكبّلة، في حين أن العالم يسير باتجاه مواطنة عضوية واسعة وموعودة، لاسيما باتساع دائرة الحريات والمشاركة والمساواة والعدل.

لم تترسخ بعدُ في الدولة العربية الحديثة، فكرةُ المواطنة على الصعيدين النظري والعملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة) إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي، بما فيه فكرة الدولة المدنية وسياقاتها!

وفي القرن العشرين توسعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد التطور الذي حصل بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، خصوصاً بتطور الحقوق المدنية والسياسية. ولهذا حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لاسيما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية.

وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمةً في طريق تأمين الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وقطعت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحريات بالعدالة، أي المواطنة التي تقوم على قاعدة المساواة أولاً في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.

وثانياً، قاعدة الحرية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية للحقوق الديمقراطية السياسية، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملك والتنقل وعدم التعرض إلى التعذيب.. إلخ.

والثالثة قاعدة الهوية الوطنية العامة التي يمكن أن تتعايش فيها هويات خاصة وفرعية في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق الأغلبية من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى، أي التنوع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب، فقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيمنة يميل إلى عدم الاعتراف بالخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوقها، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو سلالية أو غير ذلك.

أما القاعدة الرابعة فهي تستند إلى فكرة العدالة التي يمكن أن تتحقق من خلال التنمية، وهو ما أطلق عليه التنمية المستدامة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستندة إلى قاعدة الحريات والحقوق المدنية والسياسية، التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات لاسيما التعليمية، وتأمين حقوق المرأة و"الأقليات" وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

القاعدة الخامسة هي قاعدة المشاركة والحق في تولي الوظائف العامة دون تمييز.

"
لا يمكن الحديث عن عروبة متطورة دون التعبير وجدانياً عن هوية مقترنة بمواطنة، وهذه الأخيرة في دولة عصرية تحترم الحقوق والحريات، مثلما تقرّ بالتنوع الثقافي والتعددية القومية والدينية في دول متعددة الهويات في إطار الهوية العامة
"
مثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين العروبة والمواطنة وحقوق الإنسان، وبالتالي بين العروبة والهوية وبين العروبة والدولة. وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة العروبة المعبّر عنها بالهوية وفكرة المواطنة ببعدها الإنساني وأساسها الحقوقي القانوني، قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لاسيما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الإنسانية.

المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن-الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حريته الأساسية في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتتعزز مبادئ المساواة والحرية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوع والتعددية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني والحقوق والواجبات وليس الانقسام أو التشظي أو التمييز.

وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوة رصد من جهة للانتهاكات المتعلقة بالحرية والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح لا احتجاج فحسب، بحيث يصبح شريكاً فعالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لاسيما إذا تحولت الدولة من حامية إلى راعية، مرتقية لتعزيز السلم المجتمعي والأمن الإنساني، لاسيما بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار والمواطن كإنسان في ظل الحق والعدل.

أخيراً، لا يمكن الحديث عن عروبة متطورة دون التعبير وجدانياً عن هوية مقترنة بمواطنة، وهذه الأخيرة في دولة عصرية تحترم الحقوق والحريات، مثلما تقرّ بالتنوع الثقافي والتعددية القومية والدينية في دول متعددة الهويات في إطار الهوية العامة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة