فوبيا الخوف من الإسلام.. وقفة متأنية   
الثلاثاء 1425/9/20 هـ - الموافق 2/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:04 (مكة المكرمة)، 10:04 (غرينتش)

 
رغم مرور ثلاثة أعوام على هجمات 11 سبتمبر/أيلول فإن نوبة الخوف من الإسلام تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة انتشار النار في الهشيم، وأصبح ذكر الإسلام والمسلمين مقترنا إلى حد بعيد بمصطلحات من قبيل الإرهاب والعنف وما شاكلهما.
 
ولكن إلى أي حد تتسم هذه النظرة بالموضوعية، وهل تخضع لتمحيص حقيقي يتجرد من الإملاءات المغرضة أو الادعاءات الكيدية أو المكاسب السياسية.. إلخ.
 
"
أكثر الادعاءات ضررا عن المسلمين بالنرويج لا تصدر فقط من زعيم الحزب التقدمي المعروف بعدائه للأجانب، وإنما أيضا من أكاديميين يفترض فيهم العلم والتمحيص والموضوعية

"
في النرويج التي أعيش فيها على سبيل المثال لا زال الخوف من الإسلام يشكل هاجسا يتزايد يوما بعد يوم. وأكثر الادعاءات ضررا حول المسلمين لا تصدر فقط من كارل إفار هاغن زعيم الحزب التقدمي المعروف بعدائه للأجانب، وإنما تصدر أيضا من أكاديميين يفترض فيهم العلم والتمحيص والموضوعية.
 
أخطر الادعاءات وأكثرها انتشارا في أيامنا هذه داخل المجتمع النرويجي هي أن الإسلام والديمقراطية لا يلتقيان، وهو ادعاء يتكرر باستمرار.
 
"النظرة للمادة كجزء من المجتمع والسياسة لا تتفق مع الإسلام"، هذا ما أكده أستاذ تاريخ الكنيسة بارنت أوفتستاد في مقال له بصحيفة آفتن بوسطن الصادرة في 10 أغسطس/آب 2004 تحت عنوان "القوى الليبرالية المادية تتعارض مع الإسلام". وهذا الادعاء الباطل الذي سوق له أوفتستاد صار مسلّما به في سياق الحوار النرويجي عن الإسلام.
 
أما بروفيسور علم الاجتماع شيرباك فقد كتب بأن الموافقة على الديمقراطية في العالم الإسلامي ليس بدافع التعلق بالديمقراطية وإنما بسبب الضغوط الثقافية التي تدفع في هذا الاتجاه.
 
ومن سوء حظ هذين الادعاءين أنهما يتعارضان مع استنتاج الأمم المتحدة إثر صدور التقرير الجديد عن التطور الإنساني الذي يقول "إن الحقائق تؤكد أن الدول الإسلامية يمكن أن تظهر نفس الجدية التي أظهرتها الدول غير الإسلامية في التعامل مع الديمقراطية". والواقع يؤكد ذلك حيث إن نصف عدد المسلمين في العالم (1.4 مليار نسمة) يعيشون في دول ديمقراطية وتحكمها حكومات ديمقراطية مثل إندونيسيا وماليزيا وبنغلاداش والهند.
 
"
نصف عدد المسلمين في العالم يعيشون في دول ديمقراطية وتحكمها حكومات ديمقراطية مثل إندونيسيا وماليزيا وبنغلاداش والهند

"
فإندونيسيا التي تعد أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان ويقطنها أكثر من 200 مليون نسمة، أقامت نظاما ديمقراطيا بعد أن تخلصت من الدكتاتورية العلمانية، واستطاع الشعب أن ينتخب امرأة لرئاسة البلاد هي ميغاواتي سوكارنو بوتري في انتخابات سابقة.
 
من جانب آخر نجد أن تركيا وهي الدولة العلمانية خطت خطوات في الديمقراطية أهلها للتفاوض مع الاتحاد الأوربي حول طلب العضوية.
 
كما نجد هذه الأمثلة في أفريقيا مثل السينغال حيث تظهر الديمقراطية العلمانية الإسلامية هناك. وقد شهدت السينغال سنة 2000 انتخابات ديمقراطية تم على إثرها التداول على الحكم بشكل سلمي.
 
في حين تبدو مالي المسلمة في ديمقراطيتها مثل المكسيك أو كرواتيا رغم أنها تعد واحدة من أفقر الدول في العالم.
 
النرويج تبدو ألف مرة أفضل من السعودية في مجال الديمقراطية ولكن الدولتين لا تمثلان المسيحية ولا الإسلام كما يبدو الأمر في الحوار النرويجي.
 
ويمكن في مجال المقارنات بين الدول أن نذكّر بموقف القبارصة الأتراك –وغالبيتهم مسلمون- الذين قبلوا بالوحدة مع القبارصة اليونانيين –وغالبيتهم مسيحيون- وقالوا في الربيع الماضي نعم للوحدة استجابة لطلب الاتحاد الأوربي ومنظمة الأمم المتحدة، فيما رفض القبارصة اليونانيون ذلك.
 
"
في عام 1990 كانت البوسنة "المسلمة" تناضل من أجل الحفاظ على قيم التسامح الأوروبية فيما كان المتطرفون الكروات والصرب "المسيحيون" يذبحونهم

"
وفي عام 1990 كانت البوسنة المسلمة تناضل من أجل الحفاظ على قيم التسامح الأوروبية فيما كان المتطرفون الكروات والصرب المسيحيون يذبحونهم.
 
من جانب آخر فإن جمهورية قرغيزستان المسلمة تمثل قدوة سيئة، لكن الأسوأ منها هي روسيا البيضاء التي تعد أسوأ دكتاتورية في أوروبا.
 
إلى جانب هذا فإن المسلمين يشكلون قوة إيجابية للديمقراطية في أوروبا وفي شمال أميركا وآسيا. ولا يبدو الدين مؤثرا حقيقيا في توجه الدولة التي تختار الديمقراطية أو الدكتاتورية كأساس لنظام حكمها.
 
لهذه الأسباب لا نجد ما يبرر الادعاءات القائلة بأن الديمقراطية والإسلام لا يلتقيان. وهي لا تخالف الحقيقة فقط بل تمثل خطرا لأنها تدعم خطاب أسامة بن لادن القائم على التصادم.
 
ولعل من بين أظهر المشاكل النرويجية في الحوار حول الإسلام هي مشكلة التعميم بشأن الشريعة والعادات والسياسة والثقافة. وعندما بدأ تاريي تفيدت حواره حول علاقة المثقفين بالأصولية، ادعى في مقاله بصحيفة آفتن بوسطن أنه يصعب الاعتقاد بقدرة الإسلام على التخلص من آثار القرون الوسطى مثلما فعلت المسيحية، بينما ادعى الفيلسوف شيرباك أن غياب العلمانية عن الإسلام يعد ضعفا.
 
وإزاء هذه الادعاءات المتكاثرة وغير الموضوعية أتساءل عن شعور الشباب المسلم عندما يتعرض يوميا لمثل هذه الأوصاف التهميشية علة صفحات الصحف ومن قبل أذكى الأدمغة في المجتمع.
 
"
لا نجد ما يبرر الادعاءات القائلة بأن الديمقراطية والإسلام لا يلتقيان، وهي لا تخالف الحقيقة فقط بل تمثل خطرا لأنها تدعم خطاب أسامة بن لادن القائم على التصادم

"
بعد ثلاثة أعوام على أحداث الإرهاب في الولايات المتحدة نحتاج إلى التخلص من الكثير من الأساطير إزاء المسلمين والتي يصوغها مع الأسف الأكاديميون وأصحاب الرأي النرويجيون.
 
لقد ظل المسلمون محل ريبة إثر حوداث الإرهاب التي كانت تقع. ففي 12 فبراير/شباط كتبت أستاذة العلوم السياسية جنا هولند متلاري في صحيفة آفتن بوسطن النرويجية أن الدول الإسلامية هي التي تذنب عندما يتعلق الأمر بخرق حرية المعتقد في العالم. وتنهي كلامها بالقول إن موسوليني -الذي لم تتعود الاستدلال به- أجاب مرة أميرا من السعودية حين طلب منه السماح له ببناء مسجد في روما بما يلي: "فكرة ممتازة! دعنا نفتتح في نفس اليوم الذي نفتتح فيه مسجدا في روما كنيسة في مكة".
 
وهنا أخطأت متلاري وموسوليني معا، فالأمر أولا وقبل كل شيء يقتضي أن تتم المقارنة بين مكة ودولة الفاتيكان لما لها من دور ديني مثل مكة، ولا يوجد مساجد في الفاتيكان.
 
ثانيا كان من المفروض مقارنة روما بالقاهرة مثلا وليس بمكة. وفي العاصمة المصرية توجد عشرات الكنائس لملايين المسيحيين الذين يمثلون 10% من السكان. وظلت الكنائس تبنى هناك منذ عام 300م حتى يومنا هذا، دون أن نغفل ذكر أكبر كاتدرائية في أفريقيا التي تم بناؤها في عام 1970. وفي مقابل ذلك لا يوجد في روما إلا مسجد واحد.
 
وفي كل عام تقدم دولة السينغال مساعدات للمسيحيين الكاثوليك لزيارة الفاتكان كما يحصل المسلمون على مساعدات لزيارة مكة.
 
وفي بلدان أخرى مثل ألبانيا وإندونيسيا يمارس المسيحيون طقوسهم وأعيادهم الدينية دون أي مضايقات.
 
وظلت المسيحية على امتداد 14 قرنا عنصرا حيا وفعالا في المجتمع المسلم. من جهتها كانت الإمبراطورية العثمانية ملجأ لمائتي ألف يهودي فروا عام 1492 من البطش المسيحي.
 
"
بعد ثلاثة أعوام على أحداث الإرهاب في الولايات المتحدة نحتاج إلى التخلص من الكثير من الأساطير إزاء المسلمين التي يصوغها مع الأسف الأكاديميون وأصحاب الرأي

"
ولهذا يمكن القول بأن الصورة التي يرسمها تفيدت وشيرباك ومتلاري عن عدم تسامح المسلمين تفتقد لأدلة واقعية. وإذا كانوا يعتمدون في ذلك على إيران فإن إيران تمثل نموذجا للدكتاتورية التي تسيء استخدام الإسلام، وهذا لا يعفي السلطات النرويجية وشركة النفط ستات أويل من المسؤولية عندما يدفعون سنويا أموالا طائلة لدعم هذه الدكتاتورية ضد شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام وضد أعضاء البرلمان المنتخبين من الشعب.
 
ويمثل المسلمون في النرويج 1.5% من الشعب النرويجي، لكنهم يعيشون تهميشا من المجتمع. ولم يكن أسوأ منهم إلا اليهود بما لقوه في الثلاثينيات في هذه البلاد.
 
وللأسف فإن الاستهلاك الإعلامي مهتم بتحقيق بعض المصالح ولا يهمه الصورة الحقيقية للأقلية المسلمة في النرويج وفي العالم. وفي حال استمرار هذه الحملة التشويهية فسنتحمل جميعا المسؤولية إذا ما تعرضت النرويج لردود فعل القاعدة.
 
وإذا أردنا مواجهة الأوقات الصعبة، فعلينا من الآن أن نعد أنفسنا إعدادا جيدا بتوفير أكثر ما يمكن من الحقائق وأقل ما يمكن من الأساطير.
ـــــــــــ
كاتب نرويجي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة