هل لحملات التنصير جدوى؟!   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ محمد سليم العوَّا

يتصل الحديث هذا الشهر بحديثنا في الشهر الماضي عن الحوار الإسلامي المسيحي، فقد وقفنا في ذلك الحديث على الجهود المبذولة للحوار بين الفاتيكان والمسلمين، وذكرنا أنه يضر بها ويذهب بثمرتها استغراق منظمات لا تحصى في جهود تبذل لتنصير المسلمين؛ وضربنا مثلا واحدا هو المنظمة التي تسمي نفسها "رابطة الرهبان لنشر الإنجيل" وتنفق سنويا نحو 500 مليون دولار على محاولات التنصير في بلاد المسلمين ووقف المد الإسلامي في العالم كله!!

والمتابعون لهذا الأمر يلاحظون أن حملات التنصير التي تجري بشراسة مستمرة في الأراضي التي غالبية سكانها مسلمون، وتواجه حتى الآن بالخطب المنبرية، أيام الجمع، التي تتحدث إلى المسلمين دون سواهم، والتي تلقى -في الغالب- في بلاد لا يجري فيها ذلك النشاط التنصيري أصلا، أو لا يجري فيها نشاط تنصيري معلن أو ملحوظ.

وتواجه بكتب تؤلف وتنشر عادة باللغة العربية يهتم كاتبوها بمناقشة مسائل تتصل بالعقيدة والتاريخ الديني للمسيحية والإسلام. وهي كتب لا يشتريها عادة إلا مسلمون مؤمنون بدينهم، فهي لا تزيدهم علما ولا تحميهم من تنصير محتمل، أو يشتريها المشتغلون بهمة ونشاط في جانب التنصير نفسه ليقفوا على أقوال المسلمين ومناهج تفكيرهم ويحاولوا الولوج منها إلى الترويج لما يفعلون بالتشكيك في ما يقوله المسلمون بتحريف كلمة هنا أو اصطياد خطأ هناك.

وتواجه حملات التنصير عندما يكتشف أمرها بنقمة نفسية هائلة، لاسيما عند الشباب، الذين يرون هذه الجهود أعمال عدوان لا تقل خطرا عن العدوان بالسلاح أو الاحتلال بالقوة الغاشمة، وجميع هذه الطرق في مواجهة حملات التنصير لا تجدي، وبعضها قد يكون ضارا، أما عندما يتصدى للقيام به، قولا أو كتابة، بعض ضعاف الحجة من ذوي الحماس المتقد فيقدمون سلاحا لخصومهم بدلا من أن ينزعوا بعض سلاحه أو يبطلوا مفعوله.


تواجه حملات التنصير عندما يكتشف أمرها بنقمة نفسية هائلة لاسيما عند الشباب الذين يرون هذه الجهود أعمال عدوان لا تقل خطراً عن العدوان بالسلاح أو الاحتلال بالقوة الغاشمة
وإما عندما يقف الأمر عند الغضب النفسي الذي يجعل المصاب به ينقم على كل مسيحي ولو لم يكن من المنصرين، ويتخذ موقفا عدائيا من أبناء وطنه المسيحيين بظن -أو بزعم- أنهم لا بد أن يكونوا راضين عما يفعله المسيحيون الآخرون في السعي الحثيث لتنصير المسلمين، وإن لم يكونوا مشاركين فيه بطريقة لا يوقف على تفصيلاتها!!

والدور الفعال الذي يجب القيام به لمواجهة حملات التنصير في بلاد المسلمين ذو شقين، أولهما يتصل بتنمية الوعي الديني لدى العامة، والاهتمام في هذا الشأن بالشباب والأطفال بوجه خاص، وثانيهما يتصل بالخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية والترفيهية المعدومة أو التي تكاد تكون كذلك في تلك البلاد.

وتنمية الوعي الديني تقتضي العمل على إعداد المرشدين الدينيين الذين يحسنون العلم بالدين -أحكاما آدابا- ويحسنون العلم بما يجري في الدنيا من تقدم في المجالات الإنسانية والعلمية والفنية كافة، ثم إن هؤلاء لن يستطيعوا أن يؤدوا ما ندبوا إليه من عمل إلا وقد كفلت لهم حياة كريمة تجعل هم الرزق لا يؤرقهم والخوف من الفاقة لا يوردهم موارد إعطاء الدنية أو قبولها.

وقد كان الأمل كبيرا في مؤسسات العمل الخيري الإسلامية أن تتوسع في العمل على إعداد هؤلاء الدعاة لاسيما في المناطق المحرومة من معاهد العلم الشرعي في آسيا وأفريقيا. ولكن الضربات الموجعة التي أصابت هذه المؤسسات تنفيذا للتعليمات الأميركية بعد 11/9 أدت إلى فقدان الأمل في أن تتمكن هذه المؤسسات الخيرية من أداء أي دور في المستقبل القريب لا على الصعيد التعليمي وحده وإنما على الصعيد الإنساني كذلك.

والدول المسماة بالإسلامية لديها همومها الداخلية والخارجية، ونظم الحكم فيها مشغولة بأشياء لا تحصى ليس من بينها لدى أي منها العمل في مجالات إعداد الدعاة الجامعين بين علمي الدين والدنيا، والإنفاق عليهم حيث يجب أن يقيموا ويعملوا ليواجهوا الذين يرفعون شعار "مليون ضد محمد"!

بقى نوعان من العمل، نوع فردي يستطيع أن يقوم به العلماء الأفراد وذلك بتعليم الناس مباشرة ليتخرج منهم النابهون الذين يسلكون طريق الدعوة إلى الله على نحو ما كان يجري في القرون الأولى قبل أن تسيطر الدول الحديثة على المدارس والمساجد والزوايا(!)

وهذا النوع من الإعداد يحتاج من العلماء إلى البذل من جهدهم ووقتهم -وأحيانا من أموالهم- لكي ينقلوا إلى من بعدهم من الأجيال العلم الإسلامي النافع، ويعلموهم كيف يطلبون معه العلم الدنيوي الضروري للدعوة والأسوة معا، وبهذا النوع من البذل يتحقق في العلماء أنهم ورثة الأنبياء، وأنهم "العدول" الذين يحملون العلم في كل جيل فينفون عنه "تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". وهؤلاء العلماء موجودون في كل جيل، ولا بد، كما أنبأنا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وثم نوع منظم يجب أن تقوم به المنظمات التي لا تحوم حولها شبهة من الشبهات التي اصطنعها الأميركيون وقرناؤهم ليضربوا بها العمل الخيري الإسلامي، وأعني بها أمثال المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، والمنظمة العربية للتربية والعلم والثقافة، ومكتب التربية العربي لدول الخليج، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجامع اللغة العربية في بلدان العالم العربي والإسلامي، وجمعيات الحفاظ على اللغة العربية كجمعية لسان العرب وجمعية حماة العربية وجمعية التعريب في مصر، ومثيلاتها في سائر البلدان العربية والإسلامية.

إن المهمات الأساسية لهذه المنظمات والجمعيات تتسع بلا ريب لإنشاء مراكز تدريب، وتنظيم ورش عمل متتابعة، وإعداد كتب نافعة، واقتراح مناهج محكمة للإعداد العلمي لمن يقومون بالدعوة الإسلامية أو يشرفون عليها ويعيدون تدريب الدعاة في بلدانهم على ما تعلموه هم في مراكز التدريب وورش العمل وصور التلقي المختلفة التي أمكنهم أن يحصلوا منها العلم في المجالات كافة.


الدور الفعال لمواجهة حملات التنصير في بلاد المسلمين ذو شقين، أولهما يتصل بتنمية الوعي الديني لدى العامة، وثانيهما يتصل بالخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية والترفيهية المعدومة أو شبه المعدومة
وهذان النوعان من الجهد لن يتركا حرين دون رقيب ولا حسيب، فهناك الجهات الداخلية التي مهمتها الشك والريبة والتشكيك في كل عمل يهدف إلى خدمة الدعوة الإسلامية أو اللغة العربية.

وهناك الجهات الخارجية -التي على رأسها مؤسسات التنصير ذات النفوذ الدولي- التي يسوؤها، ويحبط خططها، أن تنجح محاولات التعليم الإسلامي في تخريج دعاة يواجهون نشاطها التنصيري, والوقوف في وجه هذه الجهات لا يتم بشجاعة من المسؤولين السياسيين عن الشأن الديني والتربوي والاجتماعي الذين تتبعهم هذه النشاطات ليكفوا غائلة الجهات الأمنية عنها، وليرفضوا الضغط الأجنبي -سواء أكان بالترهيب أم بالترغيب- الذي يرمي إلى بقائنا كما نحن في شأن مواجهة التنصير، إن لم يستطع دفعنا إلى موقع أكثر تخلفا على حين يكسب التنصير مواقع متقدمة في ما ينشئه من مؤسسات ويخدمه من هيئات.

ولا يتم الجهد الإسلامي في هذا المجال إلا بجهد مماثل في مجالات التعليم والترفيه والرعاية الاجتماعية والصحية والأسرية يشعر المسلمين الذين يتعرضون لحملات التنصير أنهم ينتمون إلى أمة مثلها كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

أمة هي في حرص بعضها على بعض واهتمام بعضها بأمر بعض كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وهذا الدور هو واجب رجال المال وأهل الثراء عملا بالأمر النبوي بالجود بالفضل وإنفاقه، فإن الذي ينفقه صاحبه هو الذي يبقى، والذي يمسكه هو -في الحقيقة- الذي يذهب هباء ويكون في الآخرة عبئا عليه ووبالا.

فإذا عدنا من حيث بدأنا إلى الحوار الإسلامي المسيحي فإن مسألة التنصير يجب أن تدرج على جدوله فورا, وفي كل اجتماع بين المسلمين والمسيحيين المشتغلين به، أعني المسيحيين الغربيين الذين يجندون له مئات الآلاف أو الملايين ينفقون عليه كأنهم ينفقون بغير حساب.

إنني لست ممن يخافون من جهود التنصير أن تنال من أمة الإسلام، فالذين يدخلون في النصرانية -على الرغم من كل ما بذله المنصرون- قلة قليلة لا تؤثر في المسيحية بالزيادة ولا تؤثر في الإسلام تقليلا للمؤمنين به، وإنما الذي آبه له وأكترث به ويؤرقني أحيانا هو البغضاء التي يسببها النشاط التنصيري للمسيحيين في نفوس المسلمين.

إن القرآن الكريم يتحدث عن القساوسة والرهبان، بل عن المسيحيين بوجه عام حديثا جميلا عندما يصفهم رب العزة بقوله "... ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون". وهذا الشعور بالقرب والمودة الذي يصنعه القرآن في نفس المؤمنين به تهدمه مشاعر العداوة والتحدي والبغضاء التي يصنعها التنصير وجهود القائمين به، فمن الكاسب ومن الخاسر؟ ولمصلحة من يتم هذا النوع من النشاط الذي لا يأتي بخير؟

الإسلام والمسيحية هما الدينان الوحيدان اللذان يعتقد المؤمنون بهما أنهما صالحان للعالم كله، وقادران على إقناع البشر كافة بالتقرب إلى الله بالإيمان بهما، والعقل والحكمة تقتضي من المؤمنين بهذين الدينين التوجه إلى غير المؤمنين بدين أصلا، وإلى الوثنيين الذين لا يزالون يملؤون بقاعا ممتدة من الأرض، وإلى المنكرين في الغرب والشرق معا لإقناعهم بالدخول في نعمة الإيمان بالله تعالى والخضوع له والتصديق بأنبيائه ورسله.


ما يجري الآن من محاولات تنصير المسلمين بتجنيد الملايين لذلك وإنفاق المليارات في سبيله هو جهد ضائع ومال مفقود لأنه لا يثمر ولا يجدي ولا ينبت إلا العداوة والبغضاء بين أمتين الأصل في علاقتهما التواد
ولو كان لهذين الدينين من قيادات واعية برسالتها الربانية لاتفقت على عدم المنافسة، وعلى العمل -كل حيث يمكنه النجاح- لدعوة الناس إلى الدين الذي يمثله كل فريق. إن هذا التوجه يزيد في النهاية من المؤمنين بالله على أصل صحيح ولو في الجملة. ويركز الجهود على تقديم النور الإلهي إلى الذين حرموا منه أصلا، وتقريب الهداية إلى الذين لا يزالون في ضلال الوثنية أو تيه الإنكار والإلحاد.

وفي مثل ذلك يجب أن يتنافس المتنافسون وله فليعمل العاملون، أما ما يجري الآن من محاولات تنصير المسلمين بتجنيد الملايين لذلك وإنفاق المليارات في سبيله فهو جهد ضائع ومال مفقود لأنه لا يثمر ولا يجدي ولا ينبت إلا العداوة والبغضاء بين أمتين الأصل في علاقتهما بوضعها الإلهي أن تكون علاقة تواد.

عندما كنت في زيارة لبعض جامعات الفاتيكان ومؤسساته في مارس/ آذار 1999، بدعوة وترتيب قام به السيد حسين الصدر السفير المصري آنئذ لدى الكرسي الرسولي زرت المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، وبعد المقابلة الرسمية مع رئيسه وبعض الأساتذة فيه قال لي رئيس المعهد إن هناك عددا من المسيحيين متوسطه (11) شخصا يدخلون الإسلام في روما كل شهر، فلماذا يمارس الدعاة المسلمون هذا النشاط التبشيري في بلد الفاتيكان؟ وألا يضر ذلك بالعلاقات الإسلامية المسيحية؟

أجبت الحبر المحترم بسؤال قلت فيه، من أين أتى هؤلاء الناس إلى الإسلام؟ هل أتوا من الكنائس والأديرة والمؤسسات الكاثوليكية الأخرى؟ أم إنهم يأتون من الشوارع، ومن بين المدمنين والضائعين الذين لم تعد لهم بيوت تؤويهم ولا كنائس تبحث عن حل لمشكلاتهم؟

فقال إنهم لم يأتوا قطعا من الكنائس ولكن من تلك الأوساط التي ذكرتها، فقلت له: على الكنيسة إذن أن تبحث عن دورها المفقود بينهم، وعندئذ لن يدخل منهم أحد دينا آخر، أو على الأقل لن تكون آفته النفسية التي أهملت، أو فاقته التي يدفعها أحد هي سبب هدايته إلى الإسلام, وتوقف الحديث عند ذلك, وانتهت الزيارة.
ــــــــــــــــــ
رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة