الجماعات الإسلامية في الخليج العربي   
السبت 1431/11/16 هـ - الموافق 23/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:11 (مكة المكرمة)، 14:11 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون


أولا: بين الجماعة والحزب
ثانيا: خارطة القوى الإسلامية
ثالثا: الإسلاميون وثنائية التشدد والاعتدال

أين يقف الإسلام السياسي في الخليج العربي؟ كيف تبدو بنيته التنظيمية؟ وما خياراته الراهنة؟

أولا: بين الجماعة والحزب
إن أول توصيف يمكن تقديمه للقوى الإسلامية الراهنة في الخليج العربي يتمثل في كونها جماعات وليست أحزابا، فهي غير معترف بها رسميا على هذا النحو، كما أنها لم تتشكل وفق أسس حزبية بالمعنى النظامي للمصطلح.

ويختلف هذا الوضع عن تجربة العقدين السابع والثامن من القرن العشرين، على سبيل المثال، عندما سادت الساحة الخليجية أحزاب إسلامية معارضة، تعمل تحت الأرض وفوقها، في تشكيلات هرمية وعنقودية مغلقة وحديدية، مستوحاة من فلسفة الأحزاب الماركسية. وكانت لتلك الأحزاب حينها واجهاتها الدينية والاجتماعية، التي مثلت الخط الأول في اختبار الأحداث والتفاعل معها.

"
القوى الإسلامية الراهنة في الخليج لا تتمتع ببنية حزبية بالمفهوم المتعارف عليه، حيث يغيب فيها التسلسل القيادي التقليدي، وتغيب عنها معايير العضوية والتشكيل الفرقي والمناطقي المعتمدة حزبيا
"
إن هذه القوى الإسلامية الراهنة في الخليج لا تتمتع ببنية حزبية بالمفهوم المتعارف عليه، حيث يغيب فيها التسلسل القيادي التقليدي، وتغيب عنها معايير العضوية والتشكيل الفرقي والمناطقي المعتمدة حزبيا.

كذلك، تفتقر هذه القوى، في الغالب، للأدبيات التي توضح منطلقاتها وأهدافها ورؤيتها السياسية والاجتماعية.

وكما لا يصح وصف القوى الإسلامية في الخليج بالأحزاب، كذلك لا يمكن نعتها بالتيارات بالمعنى النظامي للمصطلح. فهذا المصطلح يشير إلى قاعدة شعبية عريضة، ذات قواسم أيديولوجية وسياسية مشتركة، لا تجمعها بالضرورة آليات أو أطر حركية موحدة أو منسقة.

ويمكن أن نطلق على الجماعات الإسلامية في الخليج مجتمعة مصطلح التيار الإسلامي، وذلك مقابل التيارين القومي والماركسي.

إن القوى الإسلامية الراهنة في الخليج العربي يمكن وصفها بـ"الجماعات"، وذلك بالمعنى المجمل للمصطلح، الذي يقع بين مصطلحي الحزب والتيار.

والجماعة مصطلح ديني، تماما كما الحزب ذاته. وهو يشير بالمعنى الحركي إلى مجموعة شبه حزبية، مؤتلفة في إطار تنظيمي أكثر مرونة من الحزب.

وقد شهد التاريخ الإسلامي منذ العهد الأموي الكثير من التجارب التي تأطرت فيها مجموعات فكرية وسياسية تحت مسمى الجماعة. وأبرز حركة دينية راهنة التصق بها اسم الجماعة هي حركة الإخوان المسلمين، التي أسسها الإمام حسن البنا في العام 1928.

ثانيا: خارطة القوى الإسلامية
تقليديا، تشكلت الساحة الخليجية من ثلاثة تيارات سياسية رئيسية، هي: الماركسي والقومي والإسلامي. وقد انحسر الأول وتراجع الثاني. أما الثالث فيعيش اليوم عصره الذهبي.

وينقسم التيار الإسلامي في الخليج العربي إلى قسمين، الأول سني والآخر شيعي.

على المستوى الإسلامي السني، يبرز خطان رئيسيان: هما الإخوان المسلمون والخط السلفي.

تأسس خط الإخوان المسلمين في دول الخليج العربي عن طريق المدرسين العراقيين الذين وفدوا للتدريس في هذه الدول اعتباراً من ثلاثينيات القرن العشرين. كما ساهم المدرسون المصريون والسوريون في مرحلة التأسيس هذه، وكذلك بعض من العلماء الأزهريين.

"
تأسس خط الإخوان المسلمين في دول الخليج العربي عن طريق المدرسين العراقيين الذين وفدوا للتدريس في هذه الدول اعتبارا من ثلاثينيات القرن العشرين, كما ساهم المدرسون المصريون والسوريون في مرحلة التأسيس هذه
"
وبعد عقود من العمل الدعوي، دخل الإخوان المسلمون العمل السياسي في المنطقة. وبرز ذلك، على وجه الخصوص، بعد حرب الخليج الثانية، مع تأسيس جناح سياسي لهم في الكويت، نجح في الوصول إلى مجلس الأمة في العام 1992. وتكرر الأمر ذاته في البحرين في انتخابات عام 2002 النيابية، التي أعقبت إطلاق المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد. حيث شكل الإخوان جناحا سياسيا جديداً.

وكانت وجوه مقربة من الإخوان، أو محسوبة عليهم، قد شاركت منذ مراحل مبكرة في العملية السياسية، بشقيها التشريعي والتنفيذي. وربما حدث ذلك بصفة شخصية.

على صعيد الخط السلفي، يُعدّ هذا الخط هو الآخر قديما في المنطقة. وهو سابق على خط الإخوان بمعيار الحضور الفكري.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه فيما يتعلق بالعمل المؤسسي، فإن الخط السلفي أخذ يتسع أفقيا بصفة خاصة خلال العقود الثلاثة الماضية. وهذا بالطبع مع استثناء حالة المملكة العربية السعودية.

ومن الناحية السياسية، ارتبط تطوّر حضور الخط السلفي على الساحة الإقليمية بالتداعيات العميقة الأثر التي أفرزها الغزو السوفياتي لأفغانستان في العام 1979.

ولاحقاً، جاءت حروب البوسنة وكوسوفو والشيشان لتدفع باتجاه المزيد من التسييس في مسار هذا الخط، إن على الصعيد الخليجي أو الصعيد العام.

وفي الوقت الراهن، يحتفظ الخط السلفي بمقاعد نيابية في كل من الكويت والبحرين. ولعل هاتان الدولتان هما الأكثر بروزا لناحية حضور الجماعات السلفية في الخليج العربي، بعد السعودية ذاتها.

في المقابل، تمثل سلطنة عُمان أقل الساحات الخليجية استيعاباً لهذا الخط. ويرتبط ذلك، ضمن أمور أخرى، بخلفيات مذهبية وحساسيات تاريخية تطورت في سياق صراع إقليمي.

وإضافة إلى خطيّ الإخوان والسلف، يضم التيار الإسلامي في الخليج الخط الشيعي.

على صعيد تاريخي، ينحدر الخط السياسي الشيعي في الخليج من فرعين رئيسيين، متباينين إلى حد ما.

تشكل الفرع الأول من حزب الدعوة الإسلامية، الذي تأسس في العراق في العام 1957 على يد الإمام محمد باقر الصدر (أو في ظلال مرجعيته الفكرية والروحية). وقد وجد هذا الحزب أنصارا له بين الطلبة الخليجيين المبتعثين إلى الجامعات العراقية، إضافة إلى طلبة مؤسسات التعليم الديني في النجف. وقد عاد هؤلاء الطلبة من العراق ليؤسسوا خلايا للحزب في دولهم.

الفرع الثاني في الخط السياسي الشيعي في الخليج تشكل في الستينيات (أو بداية السبعينيات) من قبل مجموعة من طلبة العلوم الدينية، كانت تتلقى تعليمها في حوزة الإمام محمد الحسيني الشيرازي في مدينة كربلاء بالعراق. وقد تمركزت هذه المجموعة لاحقاً في مدرسة الرسول الأعظم في الكويت.

تجسد التباين الرئيسي بين الفرعين الشيعيين في اعتماد الأول، أي حزب الدعوة، نهجاً يقترب من خط الإخوان المسلمين، ويقول بضرورة تركيز العمل الدعوي على التربية الفكرية والروحية، وبناء المجتمع الإسلامي المتماسك الذي سيحمل يوماً راية الإصلاح السياسي.

"
مثّل حزب الدعوة الإسلامية، في عقدي الستينيات والسبعينيات، القوة الرئيسية في ساحة العمل السياسي الشيعي في المنطقة. وكان ينشط خلف واجهات اجتماعية وثقافية
"
أما الفرع الثاني فتبنى نهجاً يقترب كثيرا من نهج حزب التحرير الإسلامي، ويقول بأولوية التغيير السياسي، وضرورة تقديمه على العمل الاجتماعي والثقافي.

وقد مثل حزب الدعوة الإسلامية، في عقدي الستينيات والسبعينيات، القوة الرئيسية في ساحة العمل السياسي الشيعي في المنطقة. وكان ينشط خلف واجهات اجتماعية وثقافية.

حدث التحوّل الأساسي في الخط الإسلامي الشيعي في الخليج في العام 1979 مع انتصار الثورة الإيرانية. فاعتبارا من ذلك العام دخلت القوى السياسية الشيعية في مراجعات حركية وفكرية واسعة، أفضت بعد بضع سنوات إلى ظهور خط ثالث، يستمد جذوره من حزب الدعوة الإسلامية، لكنه قال بالعمل السياسي، وأعاد تأطير نفسه حركيا. وهذا الخط هو مبدئيا الخط الرئيسي الراهن في الساحة الشيعية في الخليج.

وكما حقق الإخوان والسلفيون، يحتفظ الخط السياسي الشيعي بعدد من المقاعد في كل من مجلس الأمة الكويتي والبرلمان البحريني.

وربما مثلت سلطنة عُمان استثناءً، حيث إن الوجود الشيعي فيها تأثر تقليدياً بالعلماء والمفكرين الشيعة في الهند، أكثر من تأثره بالعراق، وذلك خلافاً للوضع الحاصل في الكويت والسعودية والبحرين.

ثالثا: الإسلاميون وثنائية التشدد والاعتدال
لقد واجه الإسلاميون في الخليج، بمختلف خطوطهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية، قضية التشكيك في اعتدالهم السياسي. وكان عليهم مواجهة هذه التهمة وإثبات نقيضها.

منذ مطلع السبعينيات، على وجه الخصوص، دخل إسلاميو المنطقة في سجال مديد حول ما إذا كان تجب ممارسة الإصلاح الاجتماعي والثقافي من خلال مؤسسات الدولة أو بمنأى عنها.

هذا السجال لم يحسم على نحو كامل حتى اليوم، وإن بدا الإخوان، ومن بعدهم السلفيون، أكثر ميلاً لمنطق التغيير من بوابة الدولة. وهو ما انتهى إليه أيضا قسم من الخط الشيعي، وبعض الدعاة والعلماء الشيعة الذين عملوا منذ البدء على نحو مستقل بعيدا عن الخطوط السياسية السائدة.

بعد عقود أربعة، بدا الإسلاميون في الخليج وقد امتلكوا الكثير من أدوات التأثير الاجتماعي والثقافي، وجاءت ثورة الاتصالات والمعلومات لتخدم، على نحو مجمل، مشروعهم الدعوي. وهنا، تراجع السجال حول ما إذا كان يجب العمل، اجتماعياً وثقافياً، من خلال الدولة أو بمنأى عنها.

"
خيار المشاركة من خلال مؤسسات الدولة الذي سلكه الإسلاميون في الخليج لإحداث التغيير يشير على نحو لا لبس فيه إلى نضج سياسي ورؤية متوازنة تدرك موازين القوى وحدودها
"
هذا في الشق التربوي والاجتماعي للدعوة، أما في شقها السياسي فقد انتهت كافة الخطوط الإسلامية الرئيسية في المنطقة للقول بالتغيير من خلال الدولة ومؤسساتها. وهنا، دخل القبة البرلمانية كل من الإخوان والسلفيون والشيعة. وحدث هذا، كما سبقت الإشارة، في كل من الكويت والبحرين. كما حسم شيعة عُمان منذ البدء خيارهم، فالتحقوا بالدولة وباتوا جزءاً من بنيتها.

إن هذا الخيار الذي سلكه الإسلاميون في الخليج يشير، على نحو لا لبس فيه، إلى نضج سياسي ورؤية متوازنة تدرك موازين القوى وحدودها.

هذا هو السياق العام لوضع التيار الإسلامي في المنطقة الخليجية، بخطوطه السنية والشيعية على حد سواء.

وعلى الرغم من ذلك، ثمة استثناءات في الصورة القائمة، فهناك اتجاهات فكرية ترى أن الإصلاح الاجتماعي يمر حصراً عبر المسجد والمدرسة الدينية ومجلس العالم (أو شيخ القبيلة). ولا معنى والحال هذه للالتحاق بمؤسسات الدولة لتحقيق هذه الرسالة.

وهناك، من جهة أخرى، من يرى أن الإصلاح الاجتماعي والسياسي لا يتحقق في مراحله الأولى عبر الدخول في مؤسسات الدولة، لأن ذلك قد يعبر عن رضى بما هو سائد على الأرض. وهذه وجهة نظر لا يختص بها الإسلاميون، بل هي قائمة لدى عدد من الاتجاهات السياسية داخل العالم الإسلامي وخارجه.

وأيا يكن الأمر، فإن المطلوب اليوم هو تحصين المكتسبات القائمة وضمان ديمومتها والعمل من أجل المزيد منها، فالإصلاح الاجتماعي والسياسي عملية طويلة بحاجة إلى السير دون كلل. إنه نتاج تراكمي لنضالات الشعوب وتضحياتها.

في المنتهى، فإن الطليعة الإسلامية في هذه المنطقة قد قدمت، على مدى عقود من الزمن، الكثير من التضحيات من أجل رسالتها المتمثلة في حماية المرتكزات الروحية للمجتمع ودفع عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة