عصر الردع الإلكتروني   
الجمعة 11/12/1433 هـ - الموافق 26/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:28 (مكة المكرمة)، 10:28 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون

أولا: ما الذي تعنيه حرب الفضاء الإلكتروني؟
ثانيا: نماذج من حرب الفضاء الإلكتروني

ثالثا: إعادة تعريف الردع

إنه عصر الردع الإلكتروني، هكذا يمكن تعريف الزمن الحاضر من المنظورين العسكري والإستراتيجي. هو عصر جديد في حسابات القوة والردع، ومفاهيم الحرب ذاتها. نحن الآن قد خرجنا للتو من المفهوم التقليدي للردع، الذي تعارف عليه الدارسون منذ عقود خلت. وخرجنا في الوقت نفسه من التقسيم الثلاثي للقوة: التقليدية وما فوق التقليدية والإستراتيجية. نحن اليوم بصدد نوع جديد من الحروب، هو حرب الفضاء الإلكتروني (أو حرب الشبكات)، يصاحبه سباق مستجد للردع، هو الردع الإلكتروني.

إنه تحول تاريخي في المنظور العسكري، وحضاري بمعيار العلم والتقدم التقني، وقيمي بمعيار مكانة الدولة. هذه المكانة التي تزحزحت مجددا للتو تحتاج معايير تحديدها وسبل قياسها، استنادا إلى تحول مقياس القوة نفسه.

أولا: ما الذي تعنيه حرب الفضاء الإلكتروني؟
لا تعد حرب الفضاء الإلكتروني تعبيرا رديفا للحرب الإلكترونية بمعناها التقليدي المتعارف عليه، بل هي نوع من الحرب يستهدف الشبكات الإلكترونية، التي قد تكون مدنية أو عسكرية. ويعد الفضاء الإلكتروني في وقتنا الراهن البعد الخامس للدفاع، بعد البر والبحر والجو والفضاء.

إذا كانت الحرب بمفهومها العام عبارة عن امتحان شامل للقوى المادية والمعنوية للدولة، فإن الأمر ليس بالضرورة كذلك بالنسبة لحرب الفضاء الإلكتروني, إنها حرب أدمغة بالدرجة الأولى

وإذا كانت الحرب بمفهومها العام امتحانا شاملا للقوى المادية والمعنوية للدولة، فإن الأمر ليس بالضرورة كذلك في حرب الفضاء الإلكتروني. إنها حرب أدمغة بالدرجة الأولى. وهي قد تنشب بين دولتين أو مجموعة دول. أو بين دولة وجماعة مدنية أو عسكرية. أو حتى بين دولة وبضعة أفراد.

هذه الحرب تستهدف على المستوى العملي تدمير شبكات دولة أو هيئة معينة، أو التجسس على محتوياتها، أو تعريضها للعطب أو الحجب أو الخداع.

ويمكن لبرمجيات التجسس المكوث في شبكات الجهة المستهدفة لسنوات طويلة وتجديد نفسها تلقائيا دون أن يشعر بها أحد. وفي فترة الاشتباك العسكري يمكن لحرب الفضاء الإلكتروني شل الاتصالات بين الجيوش وقياداتها، وإضعاف شبكات النقل والإمدادات اللوجستية.

وفي الفترات كافة، يمكن لهذه الحرب تدمير أو عطب الشبكات الخاصة بالبنية التحتية، العسكرية والمدنية. وهو ما يعني تعطيل دورة الإنتاج والخدمات. وتعريض الأمن القومي لمستوى عال جدا من الأخطار.

ومن هنا، بدأت حرب الفضاء الإلكتروني تأخذ موقعها المتقدم في حسابات المخططين العسكريين والإستراتيجيين. وتشير التقارير الدولية إلى أنه من بين أكبر 15 جيشا في العالم، هناك اليوم 12 جيشا قام بإنشاء برامج خاصة بحرب الفضاء الإلكتروني.

وقبل نحو عقد من الزمن، بدأت كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وإسرائيل في تطوير قواعد أساسية للهجوم الإلكتروني. بيد أن أيا منها لم يبلور بصورة كاملة كيفية دمج هذه القدرات في العمليات العسكرية. 

ورغم عدم البلورة هذه، فإن الأسلحة الإلكترونية سوف تستخدم قبل أو أثناء الصراعات المسلحة، بهدف عطب شبكات العدو الحيوية. وقد تستخدم هذه الأسلحة أيضا في ذروة توتر سياسي أو نزاع تجاري.

وثمة أسئلة لا تزال دون حل بشأن آفاق حرب الفضاء الإلكتروني، ترتبط بصفة أساسية بماهية قوانينها، وقواعد الاشتباك الخاصة بها. وفي أي ظروف تشن؟ وكيف يمكن تجنيب المدنيين أضرارها الجانبية؟ كضمان ألا يتسبب هجوم إلكتروني في شل أنظمة مستشفى مدني. وهناك أيضا سؤال حول من له الحق في الدول المختلفة باتخاذ قرار شن حرب الفضاء الإلكتروني، أهو المستوى السياسي أم القادة العسكريون؟

وبطبيعة الحال، نحن الآن أمام فراغ نظري على صعيد قوانين وأحكام وشروط حرب الفضاء الإلكتروني. ولا يزال العلم العسكري نفسه بعيدا عنها. وربما نبقى على هذا الحال لعقد من الزمن أو عقدين. وهذا بالطبع ما لم تندلع قريبا حرب فضاء إلكتروني، تكون لها تداعيات مادية و/أو بشرية واسعة، إذ حينها سيكون الإنتاج المعرفي نتيجة أخرى للحدث.

ثانيا: نماذج من حرب الفضاء الإلكتروني 
في يوم آت، سوف يحدد المؤرخون العسكريون تاريخ اندلاع أول حرب فضاء إلكتروني. وحتى يحين ذلك التاريخ، يمكن القول إن الفيروس ستكسنت (Stuxnet) قد مثل في العام 2010 أول انطلاقة غير رسمية لهذه الحرب.

وقد استخدم هذا الفيروس في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، واستطاع أن يتغلغل في أنظمتها، مستفيدا من فجوات لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت في نظام ويندوز. ويعتقد أن ستكسنت قد أصاب نحو 100 جهاز من أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم.

كما اعتبر الفيروس فليم (Flame) أكثر ضررا من ستكسنت، بيد أنه لا يستهدف تدمير الأجهزة، بل سرقة بياناتها. وقد وجه الفيروس فليم، في مايو/أيار 2012 لأجهزة كمبيوتر خاصة بعدد من المسؤولين الإيرانيين. 

وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2012، رصدت نسخة جديدة من هذا الفيروس في أجهزة كمبيوتر، في كل من إيران ولبنان وفرنسا. وقد أطلق على هذه النسخة اسم "ميني فليم". وقدر عدد الهجمات التي تمت بواسطتها في أنحاء العالم بما بين 50 و60 هجوما.

في الجهة المقابلة، تعتقد الولايات المتحدة أن إيران ربما تقف خلف عدد من الهجمات الإلكترونية، التي استهدفت مؤسسات مالية أميركية، في أكتوبر/تشرين الأول 2012. وكانت إيران قد أعلنت في العام 2011 عن بناء وحدة عسكرية إلكترونية خاصة بها.

ورغم ذلك، تشير تقديرات الهيئات الأميركية إلى أن قدرات حرب الفضاء الإلكتروني لدى إيران لا تزال في بداياتها، وهي لا تقارن بتلك الموجودة لدى الصين وروسيا، اللتين تقفان، حسب واشنطن، خلف عدد كبير من الهجمات على الشركات والوكالات الحكومية الأميركية.

وتحدثت الولايات المتحدة عن مئات آلاف الهجمات الإلكترونية التي تشن عليها يوميا، وتعرضت بعض المؤسسات الأميركية في الأشهر الأخيرة لما يسمى هجمات منع الخدمة، حيث يستخدم متسللون قدرا كبيرا من الرسائل الواردة لتأخير المواقع الإلكترونية أو تعطيلها. وقد زادت هذه الهجمات في الربع الثالث من العام 2012 بنسبة 88%، قياسا بما كانت عليه في الفترة نفسها من العام 2011.

وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2012 قال وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا إن بلاده تواجه "تهديدا عسكريا مستجدا تماما"، هو حرب الفضاء الإلكتروني. وعليها أن توليه انتباهها الشديد، "لأنه ساحة حرب المستقبل".

بانيتا:
أميركا تواجه تهديدا عسكريا مستجدا تماما"، هو حرب الفضاء الإلكتروني, وعليها أن توليه انتباهها الشديد، لأنه ساحة حرب المستقبل

ويسعى البنتاغون حاليا لبناء خريطة مفصلة للفضاء الإلكتروني العالمي، تضم مليارات المواقع الإلكترونية، وتعمل على تحديث نفسها تلقائيا. كما طلب من القوات الجوية تقديم مقترحات لإدارة حرب الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك القدرة على شن هجمات على أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، وصد الهجمات الانتقامية.

وتتكون قاعدة الاتصالات العالمية للقوات العسكرية الأميركية، في الوقت الراهن، من 15 ألف شبكة إلكترونية، وسبعة ملايين جهاز حاسوب، موزعة عبر المئات من المنشآت، وفي العشرات من البلدان. وهناك أكثر من 90 ألف شخص يعملون بدوام كامل للحفاظ على هذه القاعدة التقنية.

وفي الغالب، تتحفظ الولايات المتحدة على الحديث عن خططها الخاصة بحرب الفضاء الإلكتروني، وذلك خشية إثارة سباق عالمي في هذا المجال. بيد أنها تبحث حاليا فكرة الإعلان عن قدراتها الهجومية الإلكترونية لتكون عامل ردع في مواجهة الأعداء المحتملين أو الافتراضيين.

ولم تستخدم واشنطن حتى اليوم عبارة هجوم في حديثها المقتضب عن برنامجها الخاص بحرب الفضاء الإلكتروني. وتركز بدلا من ذلك على عبارات مثل الدفاع عن مصالح الأمة، والتصدي للنمط الجديد من الأخطار.

وجاء التعليق الأكثر إثارة للانتباه من الوزير بانيتا في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2012، حين أوضح أن الولايات المتحدة قد تستخدم قدراتها الهجومية في حرب الفضاء الإلكتروني إذا اكتشفت أن هناك تهديدا إلكترونيا وشيكا من شأنه التسبب في قتل مواطنين أميركيين، أو إلحاق أضرار مادية جسيمة بالبلاد.

ثالثا: إعادة تعريف الردع
أيا تكن السياقات، فإن حرب الفضاء الإلكتروني قد فرضت نفسها على مقاربات الفكر الإستراتيجي العالمي، وباتت تشغل حيزا كبيرا من اهتمامات المخططين العسكريين حول العالم.

نحن بصدد تطور جديد على مستوى الفكر العسكري، واستتباعا فن الحرب، وسيرمي هذا التطور بتداعياته عميقة الأثر على مقاربة مفهومي القوة والردع، ويعيد صياغة الكثير من النظريات الخاصة بهذين المفهومين. والأكثر من ذلك ربما نكون بحاجة لإعادة بناء مفهوم التوازن الإستراتيجي برمته. 

إن المفهوم الكلي لقوة الدولة قد شهد متغيرا كبيرا في اللحظة التي ظهرت فيها حرب الفضاء الإلكتروني، وبات لزاما على الدول المختلفة إعادة تقييم قوتها استنادا لهذا المتغير.

ورغم ذلك، ليس الوزن الكلي للقوة هو الأهم في إطار هذه المقاربة، إن البعد الأهم هو موقع الردع فيها.

إن الردع قد شهد اليوم ولادة جديدة، أو لنقل قد دخل عصرا جديدا، وهذا هو المتغير التابع للمتغير المستقل، المتمثل في حرب الفضاء الإلكتروني. إنه تطور قد حدث للتو، وارتسمت معه معالم فجر جديد.

وحتى وقت قريب، كنا نتحدث عن الردع النووي، وما فوق التقليدي، والتقليدي-الصاروخي بوجه خاص، وكانت الإستراتيجيات العسكرية للدول المختلفة تجري بلورتها بلحاظ هذا الترتيب، وكانت تجري، خاصة، صياغة الردع في ضوء توازن القوى، وارتكازا عليه. 

ومنذ أكثر من قرن مضى، نظر إلى الردع باعتباره مفهوما متفرعا عن توازن القوى نفسه. بيد أن هذا الشق من المفهوم قد سقط للتو، وأصبح جزءا من الماضي القريب، وهذا ما يجب أن يلحظه اليوم دارسو النظرية العسكرية والفكر الإستراتيجي عامة.

منذ أكثر من قرن مضى، نظر إلى الردع باعتباره مفهوما متفرعا عن توازن القوى ذاته. بيد أن هذا الشق من المفهوم قد سقط للتو، وأصبح جزءا من الماضي القريب

ما الذي يعنيه ذلك؟
يعني هذا المتغير أن أي دولة محدودة القدرات بالمفهوم الكلي للقوة، ولم تشهد تطورا عسكريا لديها وغير قادرة على بناء معادلة ردع نووي أو فوق تقليدي أو تقليدي يمكنها اليوم أن تفرض نفسها من خلال نوع جديد من الردع هو حرب الفضاء الإلكتروني. وذلك في اللحظة التي تنجح فيها في بناء قاعدة دفاعية وهجومية لهذه الحرب. 

وهب أن دولة صغيرة لا تمتلك قدرات هجوم عسكرية متقدمة من أي نوع، ولا تنتمي إلى أي حلف دفاعي، لكنها نجحت في بناء قاعدة متطورة لحرب الفضاء الإلكتروني، هل ثمة دولة يمكنها حينها أن تتجرأ على قصفها بالمدفعية أو الصواريخ، أو مهاجمتها بالطائرات؟ بالطبع كلا؟ 

إن هذه الدولة، ذات القدرات العسكرية المتواضعة، التي نجحت، رغم ذلك، في بناء قاعدة متطورة لحرب الفضاء الإلكتروني، قد أضحت لديها قوة ردع يحسب لها ألف حساب. هذه الدولة يمكنها، في طرفة عين، وقف أو تضليل شبكة اتصالات العدو، وشل منظومته الرادارية، والدخول على شبكة دفاعه الجوي، وتضليلها على النحو الذي يدفعها لضرب قوات بلادها، أو الاشتباك فيما بينها.

ليس هذا وحسب، بل إن هذه الدولة قادرة، إن أرادت، على وقف أو عطب كل شبكات البنية التحتية المدنية للعدو، بما في ذلك شبكات الماء والكهرباء والطاقة النووية وسكك الحديد، والقطاعات الإنتاجية المختلفة، والمصارف وأسواق المال. هذا هو الردع في سياقه الجديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة