مت رومني هل يأتي بجديد؟   
الثلاثاء 1429/1/1 هـ - الموافق 8/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:11 (مكة المكرمة)، 11:11 (غرينتش)

علاء بيومي

غرام الإعلام برومني
مواقف فريدة سلبا وإيجابا

العراق والطاقة والمؤسسات الدولية والمهاجرين
دعم المسلمين المعتدلين

أخبار المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية مت رومني (Mitt Romny) تطغى عليها خاصيتان، أولاهما طبيعة العلاقة الخاصة التي تربطه مع وسائل الإعلام الأميركية باعتباره ينحدر من عائلة سياسية معروفة جذبت اهتمام وسائل الإعلام الأميركية في النصف الثاني من القرن العشرين، وطبيعة رومني نفسه بصفته مرشحا مختلفا يحمل أجندة ذات سلبيات وإيجابيات، ولكنها تبدو فريدة نوعا ما بحكم خلفيته الشخصية والدينية وقلة خبرته في شؤون السياسة الخارجية.

غرام الإعلام برومني
هناك عدد غير قليل من المقالات المنشورة في أكبر وسائل الإعلام الأميركية التي تحكي قصة حياة رومني منذ أن كان جنينا في بطن أمه إلى يومنا هذا.

"
ولد جورج رومني والد مت في المكسيك أثناء هجرة المورمان إليها هربا من الاضطهاد ثم عاد إلى أميركا واستقر في ولاية ميتشيغان ولم يتمكن من إكمال تعليمه الجامعي بسبب فقره
"
فرومني المولود عام 1947، هو الطفل الرابع في عائلة تنتمي إلى الطائفة المسيحية المورمانية، والتي عانت من التمييز حتى فترة قصيرة باعتبارها طائفة مسيحية حديثة تأسست في النصف الأول من القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة، مما دفع الطوائف المسيحية الأقدم إلى اعتبارها بدعة، وحاربوا أهلها الذين هاجروا بأعداد كبيرة إلى المكسيك هربا من الاضطهاد، ثم عادوا مرة أخرى لأميركا ليتمركزوا في ولاية يوتا.

وبهذا الخصوص تتساءل مقالات مختلفة تكتب عن رومني عن إمكانية أن يقبل الأميركيون بصفة عامة، والجمهوريون بصفة خاصة، برئيس أو مرشح رئاسي ينتمي للمورمانية، خاصة وأن نسبة لا يستهان بها من الجمهوريين المحافظين دينيا يرفضون ذلك، وهي نسبة تتراوح بين الربع والثلث وفقا لبعض التقديرات، لكن رومني يعود ويؤكد أن الدين ليس المحك في الحكم على شخص ما، وأن الاختبار الحقيقي هو مواقفه.

ولد جورج رومني والد مت في المكسيك أثناء هجرة المورمان إليها هربا من الاضطهاد، ثم عاد إلى أميركا واستقر في ولاية ميتشيغان ولم يتمكن من إكمال تعليمه الجامعي بسبب فقره، ولكنه تمكن بعصامية من أن يكون رجل أعمال ناجح في مجال السيارات.

ثم تحول بعد ذلك للسياسة ليحكم ولاية ميتشيغان ويرشح نفسه للرئاسة الأميركية في عام 1968، ليقترب من الرئاسة الأميركية لولا تصريح أدلى به بخصوص حرب فيتنام، ذكر فيه أن سبب تأييده لحرب فيتنام في بدايتها كان تعرضه "لغسيل دماغ" من قبل السياسيين والعسكريين الأميركيين، وهو تصريح تلقفته وسائل الإعلام الأميركية وحولته إلى تعبير لا يغتفر وعلامة على ضعف جورج رومني مما دفعه للانسحاب، ولكن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عينه بعد ذلك في إدارته في منصب وزير الإسكان.

وأثناء ذلك لم ينس جورج رومني نشاطه الديني، ودوره في تنشئة أولاده تنشئة دينية صالحة على مذهب الطائفة المورمانية، أو أن يقوم بواجباته الأسرية بل إنه قام بدعوة صديقة ابنه مت -وتدعى آن- ونجح في إقناعها باعتناق المورمانية أثناء سفر مت إلى فرنسا للقيام بواجبه التبشيري لعامين ونصف، وهو نشاط يقوم به الشباب المورمان.

وقد رغب مت في أن يخدم في بريطانيا، ولكن قرعته ذهبت به إلى فرنسا في نهاية الستينات، حيث قضى عامين ونصف العام يدعو أهلها إلى المورمانية، ولم يتمكن إلا من إجادة الفرنسية ودعوة عدد قليل من الفرنسيين للإيمان بالدين الجديد.

ولما عاد -بعد تعرضه لحادث سيارة كاد ينهي حياته- وجد أن أباه قد نجح في تغيير ديانة صديقته المفضلة فتزوجها في عام 1968، وهو في الـ21 وهي في الـ19 من عمرها.

"
ساهم نجاح رومني في إعادة تنظيم دورة الألعاب الشتوية ببناء شعبيته على مستوى أميركا مما مكنه من الفوز بمنصب حاكم ولاية ماساتشوستس عام 2003
"
وبعد ذلك توجه مت إلى إنهاء دراسته الجامعية العليا حيث حصل على شهادات في القانون والأعمال، وتوجه إلى العمل كرجل أعمال وأثبت كفاءة في إنقاذ الشركات المتعثرة وتحويلها إلى ناجحة بفضل نشاطه الضخم، ويقظته ووعيه بالتفاصيل وقدرته على غربلة تلك الشركات وإعادة بنائها على أساس اقتصادي سليم.

وفي عام 1994 حاول رومني منافسة السيناتور الديمقراطي المعروف إدوارد كيندي على مقعده بمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ماساتشوستس، لكنه فشل بعدما تمكن كيندي بحنكته السياسية المعروفة من إبطال مفعول حملة مت رومني المنظمة.

وفي عام 2002 اكتسب مت رومني خبرة واسعة بعدما استعانت به اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الشتوية بمدينة سالت ليك بولاية يوتا الأميركية، والتي كادت تفشل بسبب سوء الإدارة والرشا وعجز الميزانية، لولا تدخل رومني ورئاسته للجنة المنظمة وإعادة بناء استعدادات الأولمبياد بنجاح.

وقد ساهم نجاح رومني في إعادة تنظيم دورة الألعاب الشتوية ببناء شعبيته على مستوى أميركا، مما مكنه من الفوز بمنصب حاكم ولاية ماساتشوستس -وهي ليبرالية التوجه- في عام 2003، وهي خطوة زادت من أسهمه السياسية وجعلته مرشحا منتظرا للرئاسة الأميركية 2008.

ويزيد من نجاحات رومني كونه أبا لخمسة أبناء وزوجا ناجحا على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وإنسانا متدينا صاحب دور نشط في الكنيسة المورمانية، بالإضافة إلى نجاحه في مجال الأعمال والاقتصاد، مما مكنه من تكوين ثروة تقدر بمئات الملايين من الدولارات، يعول عليها أحيانا في منافساته السياسية.

مواقف فريدة سلبا وإيجابا
خلفية رومني الدينية جعلته يقف ضد تقنين الإجهاض، وإن كان قد سبق لرومني إعلان تأييده لتقنين الإجهاض بعد وفاة إحدى قريباته في عملية إجهاض غير قانونية.

كما أنه يقف ضد حق الشواذ في الزواج ولكنه يساند حماية حقوق وحريات الشواذ الدينية، كما أنه ساند تشديد قوانين امتلاك الأسلحة الشخصية ثم عاد ليعارضها.

ويرى البعض في مواقف رومني السابقة علامة على تردده وعدم حسمه الأمور، وهي عيوب تضاف لبعض سلبياته الشخصية التي يتحدث عنها البعض، مثل عدم صبره على من هم أقل منه حظا في الحياة وكونه نشأ ثريا لا يعمل كثيرا.

"
أكد رومني أنه سيحرص إذا ما انتخب رئيسا للولايات المتحدة على منع إيران من امتلاك السلاح النووي وأنه لن يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق الهدف السابق
"
يضاف إلى ذلك عيب أهم وهو قلة خبرته في السياسة الخارجية على وجه التحديد، مما قد يجعله فريسة لجماعات الضغط المسيسة، ولكن الأمر ذاته قد يؤهله لاتباع سياسة خارجية فريدة تختلف عن الوضع القائم.

والواضح في خلفية رومني السياسية أنه يرتبط منذ فترة بخبراء من منظمة الإيباك الإسرائيلية (لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية) وهي أكبر منظمات لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة، والتي شجعته على زيارة إسرائيل منذ أن كان حاكما لولاية ماساتشوستس حيث رحب بالزيارة، وقام بها في أوائل عام 2007، وهي زيارة رأت وسائل إعلام أميركية مختلفة أنها تحقق هدفين، أولهما زيادة خبرة رومني الخارجية وثانيهما تقوية علاقة رومني بصفته مرشحا رئاسيا بالمنظمات اليهودية الأميركية التي يحرص على زيارتها والحديث إليها.

وأثناء تواجده في إسرائيل حرص رومني على حضور مؤتمر أمني والتأكيد على مواقفه المساندة لإسرائيل والمعارضة لإيران على وجه الخصوص، والتي يشن عليها جام غضبه السياسي، حيث يرى أن أميركا تواجه خطرين أساسيين في علاقتها بالعالم الإسلامي، أولهما خطر ما يسميه "الجهاد العنيف" أو "الجهاد الراديكالي"، والخطر الثاني هو الخطر الإيراني.

ويظهر في الخطر الأول سوء التسمية والنصيحة التي حصل عليها رومني من مستشاريه في مجال السياسة الخارجية، فاستخدام مصطلح الجهاد بهذا الشكل في الإشارة للجماعات المتشددة التي تستخدم الإسلام عنوانا لها يسيء للإسلام والمسلمين، فالجهاد مصطلح ديني محايد عزيز على المسلمين من ناحية ثم إنه مصطلح سياسي فضفاض من ناحية أخرى.

ويظهر في الخطر الثاني الاهتمام الذي يوليه رومني لإيران، والذي يعود إلى فترة توليه حكم ولاية ماساتشوستس عندما دعت جامعة هارفارد الأميركية الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للحديث لطلابها، وهي زيارة رفضها لوبي إسرائيل بدون شك، والذي يبدو أنه ضغط على رومني لمعارضتها، وهو ما تم.

وعلى غرار الموقف السابق عارض رومني بشدة زيارة الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد إلى نيويورك في شهر سبتمبر/أيلول 2007، وهي الزيارة الثالثة له، داعيا الأمم المتحدة إلى إحالته لمحكمة دولية بتهمة التهديد بممارسة الاستئصال العرقي بسبب تصريحاته ضد إسرائيل.

وهنا يؤكد رومني أنه سيحرص إذا أصبح رئيسا للولايات المتحدة على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وأنه لن يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق الهدف السابق.

كما يطالب رومني بصفة عامة بإخضاع إيران لعقوبات اقتصادية قاسية كتلك التي فرضت على جنوب أفريقيا أثناء ممارستها للتفرقة العنصرية، ويدعو الولايات المتحدة الأميركية إلى تحويل استثماراتها بعيدا عن الشركات المتعاونة مع إيران، كما يحث الدول العربية على وقف تدفق المساعدات المالية والعسكرية لحماس وحزب الله.

العراق والطاقة والمؤسسات الدولية والمهاجرين
يقر رومني بأن الحكومة الأميركية ارتكبت أخطاء في إدارة الحرب على العراق، ولكنه يحرص على عدم نقد الرئيس جورج دبليو بوش بشكل مباشر، كما يؤكد على ضرورة عدم التسرع في سحب القوات الأميركية من العراق، مطالبا بزيادة الدعم الشعبي الأميركي لتلك القوات ولأسرهم.

"
لم يخدم رومني في فيتنام لأسباب مختلفة منها الدراسة والحظ، كما أنه لم يتطوع أحد من أولاده الخمسة الذكور للخدمة العسكرية في العراق
"
وجدير بالذكر هنا أن رومني لم يخدم في فيتنام لأسباب مختلفة منها الدراسة والحظ، كما أنه لم يتطوع أحد من أولاده الخمسة الذكور للخدمة العسكرية في العراق، وهو أمر محل نقد بعض وسائل الإعلام الأميركية.

ويقوم تصور رومني للسياسة الخارجية على دعائم أساسية على رأسها زيادة القوة العسكرية الأميركية بزيادة الإنفاق ليصل إلى 4% من إجمالي الناتج القومي الأميركي، وزيادة أعداد الجيش الأميركي وتحديث عتاده.

كما يقوم على الاستثمار في "ثورة طاقة" للبحث عن بدائل مختلفة للطاقة تحمي أميركا من اعتمادها المتزايد على بترول الشرق الأوسط.

كما يقوم على إصلاح الأمم المتحدة التي ينتقدها رومني كحال غالبية المحافظين الأميركيين ولكن بدرجة أقل، كما يعتمد بشكل كبير على الناتو ويدعو إلى تحالفات جديدة ومؤسسات دولية قوية ومختلفة، على غرار المؤسسات الدولية التي بناها الأميركيون بعد الحرب العالمية الثانية.

ويقف رومني موقفا متشددا من الهجرة غير الشرعية، حيث يطالب بمعاقبة المدن الأميركية التي لا تطبق قوانين منع الهجرة غير الشرعية بحزم، وذلك عن طريق حرمان تلك المدن من بعض المساعدات المالية التي تقدمها الحكومة المركزية لها.

دعم المسلمين المعتدلين
وهنا يبدو رومني أقل تشددا تجاه الشرق الأوسط مقارنة بالمحافظين الجدد واليمينيين المتشددين، حيث يدعو رومني إلى العمل مع المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي لدعمهم وتقويتهم عبر تعزيز شراكتهم مع الولايات المتحدة على المستويين الاقتصادي والعملي، مؤكدا على أن اتفاقيات التجارة الحرة بين أميركا والدول العربية والإسلامية سوف تؤكد على نهاية المقاطعة العربية لإسرائيل.

كما يدعو لبناء منظمة إقليمية في الشرق الأوسط على غرار منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، والتي ساعدت على دمج دول شرق أوروبا مع نظيراتها بغرب أوروبا في نظام أمني واقتصادي متكامل.

ولعل بناء تلك المنظمة يعارض السياسة الأميركية الراهنة في الشرق الأوسط، والتي تقوم على علاقات أميركا الخاصة بكل دولة عربية منفردة، مما يضعف التنسيق والتعاون بين تلك الدول كما يرى بعض المتابعين الأميركيين.
ــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة