الهند وعشر سنوات من الاضمحلال   
الأربعاء 28/3/1435 هـ - الموافق 29/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:27 (مكة المكرمة)، 14:27 (غرينتش)
جاسوانت سينغ



مؤخرا، عقد رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ -الذي يوجد في منصبه منذ العام 2004- المؤتمر الصحفي الثاني فقط في ولايته الحالية ومدتها خمس سنوات، والتي تقترب بسرعة من نهاية شائنة.

وبما يشي بطموحه إلى زيادة معدلات شعبيته، قال سينغ للصحفيين المجتمعين إنه يتمنى أن يحكم التاريخ على ولايته بشكل أكثر عطفا من خصومه السياسيين.

ولكن هذه النتيجة تبدو غير مرجحة في أفضل تقدير، بل على العكس من ذلك، يعيش حزب المؤتمر الذي كان عظيما ذات يوم مأزقا سياسيا اليوم، وهو المأزق الذي لن يتمكن من الإفلات منه إلا إذا حرر نفسه من زعامته الأسرية المدمرة.

فبعد أكثر من نصف قرن في الحكم -وهو قسم كبير من حياة الهند الحديثة كدولة مستقلة- يبدو أن عصر هيمنة حزب المؤتمر قد انتهى.

يعيش حزب المؤتمر الذي -كان عظيما ذات يوم- مأزقا سياسيا اليوم، وهو المأزق الذي لن يتمكن من الإفلات منه إلا إذا حرر نفسه من زعامته الأسرية المدمرة

ولعل المؤشر الأكثر وضوحا لانحدار الحزب كان في ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما عانى من هزائم ساحقة في أربع انتخابات رئيسية لمجالس الولايات.

ففي راجاستان فاز الحزب بواحد وعشرين مقعدا فقط، في حين فازت ثاني أكبر قوة سياسية في الهند، حزب بهاراتيا جاناتا، بمائة واثنين وستين معقدا. ويمثل هذا تحولا هائلا عن انتخابات عام 2008، عندما حصل حزب المؤتمر على ستة وتسعين مقعدا، مقارنة بثمانية وسبعين مقعدا لصالح حزب بهاراتيا جاناتا.

وعلى نحو مماثل، حصل حزب المؤتمر على ثمانية مقاعد فقط من أصل سبعين مقعدا في دلهي بعد خمس عشرة عاما في السلطة، حتى إن شيلا ديكشيت أطول كبيرة وزراء خدمة خسرت مقعدها لصالح سياسي جديد، ولم يحتفظ حزب المؤتمر بأغلبيته إلا في ولاية ميزورام الصغيرة في شمال شرق البلاد.

وكانت هذه هزيمة غير مسبوقة، ولا تبشر بخير بالنسبة لحزب المؤتمر في الانتخابات الوطنية المقبلة.

ولكي نرى السبب -ولتحديد ما إذا كان الحزب قادرا على وقف اضمحلاله- فإن الأمر يتطلب فهم ما حدث منذ استعاد حزب المؤتمر الزعامة الوطنية من التحالف الوطني الديمقراطي بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا في عام 2004.

فباعتباره الحزب الأكبر، تحول المؤتمر إلى محور للتحالف التقدمي المتحد. ولكن وفي خطوة مفاجئة، رفضت زعيمة الحزب سونيا غاندي تولي منصب رئيس الوزراء ورشحت سينغ -وهو أكاديمي وموظف مدني يفتقر إلى الخبرة الانتخابية- الذي كان من اختيار التحالف التقدمي المتحد.

وبعد ما يقرب من أربعين يوما من الدراما السوداء، أدى سينغ اليمين الدستورية أخيرا، رغم أنه لم يفز بالتأييد الانتخابي المباشر في أي دائرة انتخابية.

وسرعان ما استفز هذا الترتيب غير الطبيعي تعليقات لاذعة، وعلى حد تعبير أحد المراقبين "عندما توجد السلطة، تغيب القدرة، ولكن عندما تتوفر بعض القدرة تغيب السلطة".

بات من الواضح أن حكومة سينغ كانت سيئة جدا، وكان من المحتم أن تنتهي إلى الفشل لأن قوة سينغ تكمن في الخدمة كتابع مطيع وقادر، وليس كزعيم قادر على تحديد الأجندة والتصرف بشكل حاسم

فرغم قدرات سينغ الأكاديمية فإن إمكاناته كأكبر سياسي في الهند كانت محدودة للغاية.

وبمرور الوقت، بات من الواضح أن حكومة سينغ كانت الأسوأ، وكان من المحتم أن تنتهي إلى الفشل لأن قوة سينغ تكمن في الخدمة كتابع مطيع وقادر، وليس كزعيم قادر على تحديد الأجندة والتصرف بشكل حاسم.

ولنتأمل هنا الدور الذي لعبه في إدارة التحول الاقتصادي في الهند عندما كان وزيرا لمالية البلاد في أوائل تسعينيات القرن العشرين، وهو الجهد الذي استشهد به أنصاره كثيرا بوصفه مثالا لبصيرته وقدرته.

وفي العام الماضي، كشف وزير الخارجية السابق ناتوار سينغ أن رئيس الوزراء آنذاك ناراسيمها راو -السياسي الداهية المخضرم من حزب المؤتمر- هو الذي دفع في واقع الأمر عجلة الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة في الهند.

أما سينغ، الذي كان محجما عن القيام بالمطلوب، فإنه ما كان ليحقق إلا أقل القليل لو لم يوفر له "راو" منصة انطلاق -والدعم السياسي المطلوب- لمتابعة تنفيذ أجندة الحكومة.

وفي وقت سابق، كانت هناك تنويهات إلى أن سينغ لا يمكن الاستهانة به كمتلاعب بالسياسة، أو المبالغة في تصويره كمدير اقتصادي فعّال.

ولكن عجز سينغ كزعيم كان واضحا بالفعل قبل الكشف عن الدور الذي لعبه راو. فلم يتوقف الإصلاح الاقتصادي بشكل كامل تقريبا منذ توليه منصبه فحسب، ولكنه رضخ أيضا لكل مطالب سونيا غاندي سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة.

ونتيجة لهذا فإن الحكم، وبالتالي الاقتصاد، كان في تدهور مستمر، وقد وقعت الهند رهينة هيئة غير دستورية تتألف من منظمات غير حكومية تم الجمع بينها تحت مظلة المجلس الاستشاري الوطني، الذي تتولى رئاسته غاندي.

وبعد أن أصبح مجلس الوزراء زائدا عن الحاجة، تحولت قرارات المجلس الوطني الاستشاري -بما في ذلك الأفكار غير المدروسة المستوحاة من دولة الرفاهة الأوروبية- إلى سياسات.

ونتيجة لهذا فقد أشرف سينغ على التباطؤ الاقتصادي الحاد والأسعار التي ارتفعت إلى عنان السماء، وخاصة أسعار الغذاء، ومن ناحية أخرى، تكاثرت الفضائح السياسية والحيل المالية والأنشطة الإجرامية في ظل حكم حزب المؤتمر منذ عام 2004.

الواقع أن نظام التحالف التقدمي المتحد نهب البلاد فعليا، وتسبب تفشي الفساد وانعدام المساءلة في تدمير مصداقية الحزب القائد في التحالف

والواقع أن نظام التحالف التقدمي المتحد نهب البلاد فعليا، وتسبب تفشي الفساد وانعدام المساءلة في تدمير مصداقية الحزب القائد في التحالف.

وخلال كل هذا، لم يكن سينغ الذي يفترض أنه بارع في إدارة الاقتصاد أكثر من متفرج صامت إلا قليلا، ولم يقدم إلا نفي المسؤولية عن حكومته أو تصريحات مبتذلة من منظور دخيل على السياسة.

ورغم أن إصلاح الضرر الذي لحق بالحزب يرجع إلى الحزب ذاته، فإن الأضرار التي ألحقها بمؤسسة رئاسة الوزراء بفعل عدم اكتراثه تمثل مشكلة بالنسبة لكل الهنود.

كانت فترة حكم سينغ المأساوية التي دامت عشرة أعوام تتسم بالضعف والاضمحلال. وسوف تعاني الهند من العواقب لسنوات مقبلة. وبعيدا عن تبرئته فإن المؤرخين سوف يعلمون من يستحق اللوم على وجه اليقين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة