الاغتيال في الصراع الروسي الشيشاني.. مصير الشتات   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ عاطف معتمد عبد الحميد

في ليلة باردة من مطلع العام 2000 التف ملايين المواطنين الروس حول شاشات التلفاز يتابعون مشهدا مروعا يقطع فيه أحد المقاتلين الشيشان أصابع جندي روسي وقع في الأسر! وقبل ذلك بأشهر قليلة كانت روسيا تعيش أحداث سبتمبر/ أيلول قبل أن يعرف العالم هذا المصطلح، فقد اغتيل مئات السكان في العاصمة موسكو بتفجير البنايات على ساكنيها ونسبت التهمة أيضا للمقاتلين الشيشان.


باستثناء أصوات ضعيفة رأت أن التخلص من يندرباييف يتفق مع التوجهات الجديدة في قطر، وباستثناء أصوات مماثلة رأت أن ذلك تصفية لحسابات بينه وبين المقاتلين يصب النهر الأكبر للاغتيال في المحيط الروسي
وكان المشهدان كفيلين بأن يمسخا أدمغة المواطنين بأن روسيا تواجه خطرا بالغا ليس على أبنائها فحسب بل وعلى هويتها ومغزى وجودها، وكان لا بد أن تمر سنوات أربع قبل أن تدحض هذه القصص. ولكنها هكذا بدأت الحرب الثانية.

انتهت حرب الشيشان الثانية (1999-2002) بنقل جغرافية الصراع بين الطرفين من موقع المعارك في الشيشان أو الجمهوريات القوقازية المجاورة إلى قلب العاصمة موسكو. وفتح المقاتلون الشيشان -الذين اكتسح الجيش الروسي تحصيناتهم ومعاقلهم- كتاب فنون الحرب مع عدو بحجم قوة عالمية على أبسط الدروس وأخطرها: الهجمات الانتحارية.

وتحولت بسرعة من عمليات ضد العسكريين إلى عمليات تستهدف المدنيين في الحفلات الموسيقية والمناسبات القومية والمسارح ووسائل المواصلات. وكان الهدف الرئيس لفت الانتباه العالمي للقضية الشيشانية، وتوصيل رسالة للكرملين فحواها "يمكنكم أن تفوزوا بالشيشان وتعينوا حكومة موالية، لكن لن تهنؤوا بذلك".

ولم يكن خبر اغتيال الرئيس الشيشاني الأسبق سليم خان يندرباييف يوم الجمعة 13/2/2004 في العاصمة القطرية الدوحة قادرا على تهدئة فوبيا المناطق العامة التي انتابت المواطنين الروس في أعقاب حادث التفجير المروع قبل ذلك بأسبوع في إحدى محطات مترو الأنفاق. وبات المواطن الروسي على يقين بأن صراع الكرملين مع الشيشان أعقد من أن يسطح في حادثة اغتيال وأطول من أن ينتهي بموت رئيس سابق أو زعيم لجماعة مقاتلين.

وباستثناء أصوات ضعيفة رأت أن التخلص من يندرباييف يتفق مع التوجهات الجديدة في قطر، وباستثناء أصوات مماثلة رأت أن اغتيال الرجل تصفية لحسابات بينه وبين المقاتلين، يصب النهر الأكبر للاغتيال في المحيط الروسي. ويبدو أن لدى موسكو إجابة على ثلاثة تساؤلات:

الأول: إلى أي مدى يفيد اغتيال يندرباييف الحكومة المعينة من قبل الكرملين في الشيشان؟ فعلى رأس هذه الحكومة المفتى السابق أحمد قديروف الذي تعرض لأربع محاولات اغتيال كانت واحدة منها فقط كفيلة بأن تجعل مصيره كمصير يندرباييف. الأولى في فبراير/ شباط 2001 والثلاث الباقية في مارس/ آذار ومايو/ أيار ويونيو/ حزيران من العام الماضي وفى كل مرة يسقط عشرات القتلى والجرحى من حراسه وأعوانه وينجو قديروف بمعجزة.

وقد يثار التساؤل هنا، هل التخلص من يندرباييف يقر مبدأ "اغتيال باغتيال، ورئيس برئيس"؟. ولقد أعلن قديروف عقب اغتيال يندرباييف "لن تجدوا أحدا في الشيشان يأسى لموت هذا الرجل، هناك المئات بل والآلاف الذين يتمنون موته من أقارب قتلى وجرحى نشاطاته الإرهابية في الشيشان".

الثاني: هل من رد على من يتهمون المخابرات الروسية بتدبير الاغتيال بهدف ترسيخ مبدأ جديد في الصراع وهو الاغتيال خارج الحدود؟ وإذا كان بعض المراقبين الغربيين يرون في الاغتيال والعمليات الانتحارية فلسطنة للقضية، فإن فريقا من المحللين الروس يؤكدون على ضرورة تبنى المنهج الإسرائيلي في ملاحقة المقاتلين الشيشان خارج الحدود.

ولعله ليس مصادفة أن تراجع بعض الصحف في تحليلها لاغتيال يندرباييف سجل الموساد الذي اغتال الكوادر الفلسطينية على مدى 30 عاما خارج الحدود بدءا من النرويج مرورا بتونس ولبنان وانتهاء بالأردن.

ولا ننسى في هذا الصدد ما صرح به سيرجى ميرنوف رئيس المجلس الفدرالي الروسي منذ أكثر من عام من أنه "علينا أن نتعلم من إسرائيل التي لا تنتظر وقوع الحدث بل تسعى وراء أهدافها، دعونا نتعلم كيف تعرف ضرباتنا الوقائية أين يختبئ الإرهابيون".

ولا يمنع هذا من أن يصرح الناطق باسم المخابرات الروسية ومديرها السابق الجنرال بوريس لابوسوف بالقول "لا علاقة لنا بما حدث فى قطر، لقد توقفنا عن تنفيذ عمليات خارج الحدود منذ العام 1959 بعد عملية ستيبان باندير زعيم القوميين الأوكرانيين في ألمانيا".

الثالث: هل كان يندرباييف في قطر يشكل تهديدا لروسيا؟ لا شك أن المراقب للشأن الروسي سيجد أن أربعا من دول العالم العربي حاضرة على الدوام في الإعلام الروسي: السعودية والإمارات وقطر والأردن.

وإذا كانت الأردن تمثل واحدة من أكبر مواطن الجالية الشيشانية وتصنف كرافد أساسي للمتطوعين العرب، فإن الدول الثلاث الأولى توضع لدى هذا الإعلام في مثلث "تمويل الإرهاب في روسيا".

ويلفت انتباهنا في هذا المجال تعمد بعض وسائل الإعلام الروسي الترويج لفكرة أن الدول الخليجية هي التي تخلصت من يندرباييف بسبب تشابك علاقاته مع المتطرفين الذين يهددون أمنها، ولتحسين صورتها لدى الغرب، ولتوثيق علاقتها بموسكو، فهكذا تجرأت صحيفة إزفيستيا واقترحت في عددها الصادر في 14/2/2004 سيناريو مشاركة السعودية في اغتيال يندرباييف!

وبعد اغتيال يندرباييف في الدوحة، لا بد أن بعض الدول ستراجع ملف اللاجئين الشيشان على أراضيها قبل أن تتكرر لديها الظاهرة. وتصنف روسيا مثل هذه الدول إلى مجموعتين، دول تقدم دعما أدبيا وإعلاميا بالغا كألمانيا والنرويج والمملكة المتحدة وفرنسا، ودول تسميها "الرعاة الرسميين" التي تقدم دعما ماليا للمقاومين، وتشمل غالبية دول الشرق الأوسط.


يبدو أن كثيرا من ملامح علاقة روسيا بعديد من الدول المضيفة للشتات الشيشاني ستتغير في الفترة القريبة القادمة إدراكا لظروف تاريخية جديدة في مقدمتها الإنجازات العسكرية التي حققتها موسكو
فتركيا ترفض ومنذ ثلاث سنوات تسليم مولادى أود وجوف أحد المنظرين الروحيين لفكرة قيام دولة إسلامية في القوقاز -مركزها الشيشان- والإفلات بها من تبعية موسكو. ورغم إعلان تركيا تحديد إقامته إلا أن روسيا تعترض من فترة لأخرى عقب ظهور تغطيات صحفية ومقابلات لأودوجوف في دول إسلامية آسيوية وأفريقية.

كما أن تركيا تجد صعوبة في حل مشكلة تثار من فترة لأخرى تخص وجود عدد لا بأس به من المنظمات الإنسانية والثقافية المهتمة بالقضية الشيشانية بحكم وجود أعداد كبيرة من قوقازي الشتات على أرضها.

وفي المملكة المتحدة حصل أحمد زكاييف وزير الثقافة الشيشاني في حكومة أصلان مسخادوف على حق اللجوء السياسي، رغم توتر العلاقة بين موسكو ولندن إثر ذلك. كما أن فرنسا منحت من قبل اللجوء السياسي للمتحدث الإعلامي باسم الحكومة الشيشانية ميربك فاتشاجييف.

كما تتهم موسكو جورجيا باستضافة بعض القادة بشكل غير رسمي وهددتها من قبل بشن الحرب. بل وضربت القوات الجوية الروسية في أغسطس/ آب 2002 أراضي جورجية صنفتها وزارة الدفاع الروسية معاقل للمقاومة الشيشانية.

ويبدو أن كثيرا من ملامح علاقة روسيا بعديد من الدول المضيفة للشتات الشيشاني ستتغير في الفترة القريبة القادمة إدراكا لظروف تاريخية جديدة. وفي مقدمة هذه الظروف أن الإنجازات العسكرية التي حققتها موسكو -وإن جاءت على جثث عشرات الآلاف من الشيشانيين وآلاف من الجنود والمواطنين الروس- أثمن من أن يُفرط فيها تحت أي ظرف سياسي.

كما أن موسكو تعي جيدا حجم الصراع الداخلي في عديد من دول الشتات الشيشاني بين الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية. ويمكن مراجعة الوضع في بعض الدول العربية التي وجهت قبلتها إلى الاتجاه العكسي، لدرجة فوجئ معها مواطنوها ليس فقط بوقف عمل جهات جمع التبرعات لإغاثة الشيشان بل وحجب عديد من مواقع الإنترنت المتحدثة باسم الانفصاليين. وبالمثل تحول الدعاء الجماعي في مساجد بعض هذه الدول عن "اللهم انصر الشيشان ودمر الروس والأميركان" إلى دعاء أكثر استئناسا مثل "اللهم انصر المسلمين في كل مكان".

ويفيد المنهج السياسي الجديد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فتح قنوات متشعبة تسقط مفهوم "الدولة الخصم" وتتعاون بواقعية وحرفية عالية مع دول الشتات الشيشاني. ومن دلائل هذا النجاح استقبال أحمد قديروف -الرئيس الشيشاني المنشق عن حركة المقاومة- ضيفا مرحبا به لدى أرفع مستوى في دولتين محوريتين من دول التماس مع القضية، الأردن والسعودية.

وبالإضافة إلى تجمد منابع الدعم المالي ومضايقة موسكو لدول الشتات، تنكمش الرقعة الجغرافية أمام نشاطات حركة المقاومة الشيشانية، ويعتبر مسح الموقع الجغرافي الذى مثلته أفغانستان من خريطة حركة المقاومة، والتحول الأيديولوجى في السلطة الباكستانية بمثابة إغلاق لمحطتين مقدستين لحركة الانفصال الشيشاني، وهو ما يعد إحدى أهم الثمار التي جنتها روسيا بعد أحداث سبتمبر/ أيلول.

ثمة علاقة أخرى معقدة بين القيادات الشيشانية في الخارج والولايات المتحدة التي يبدو أنها تتمنى لو قدمت دعما ولو بشكل مستتر، ويكفى مراجعة تصريحات أليكسندر فيرشبو السفير الأميركي في موسكو قبل اغتيال يندرباييف بيومين التي عبر فيها عن موقف بلاده المتناقض من القضية بقوله "صحيح أن الانفصاليين الشيشان متورطون في علاقة بتنظيم القاعدة، ولكنهم يقومون بحركة قومية داخل حدود وطنهم، ولا بد أن تجري موسكو الحوار معهم". ورغم هذا التناقض يعتبر موقف الولايات المتحدة أقل كثيرا مما كان عليه قبل أحداث سبتمبر/ أيلول.

ولا ننسى تلك النكتة اللاذعة التي رويت عام 1998 وجسدها أحد نجوم الكوميديا في التلفاز الروسي، وتحكي عن حوار دار بين أحد ضباط المخابرات الأميركية وأحد القادة الشيشانيين في الشتات يطلب فيها الأخير الدعم من واشنطن فيجيبه الضابط الأميركي "هل تريدون سلاحا أم أموالا؟" فيرد القائد الشيشانى ساخرا "نشكركم، السلاح حصلنا عليه من الجيش الروسي، والأموال جمعناها من الخارج، نحتاج إمدادنا بقنبلة ذرية لضرب موسكو".


تبقى المأساة الشيشانية قائمة بعد عشر سنوات من الغزو الروسي ومن تبقى من هذا الشعب يظل تواقا لأن يتحقق حلم أبنائه بالأمن والاستقرار قبل الاستقلال والانفصال
وقد كانت مثل هذه النكات تسمع حينما كان الشعب الروسي يتابع المعارك بريموت كنترول التلفاز في الغرف الدافئة قبل أن تصل العمليات الانتحارية إلى مواقع شديدة الحساسية فتسقط مئات القتلى والجرحى. وبات كل فرد في العاصمة موسكو يخشى أن يكون الهدف القادم.

ومع ما تشهده روسيا يوما بعد يوم من مصرع عشرات السكان لإهمال في معايير الأمن والسلامة في عديد من البنايات والمنشآت، تعول الحكومة الروسية على صبر المواطن الروسي (وربما أكثر على يقينها بأنه لن يعترض) حتى يمر ذلك المخاض العسير وتنضوي الشيشان تحت جناح الفدرالية، حتى وإن اختنقت.

وسينسى التاريخ الروسي -المرهق بالمآسي والنكبات- انفجار هنا أو هناك، وفى المقابل سيسطر ذلك التاريخ بأحرف من نور اسم أولئك الذين "حافظوا" على أرض الشيشان التي سعت لاقتناصها "عصابات إجرامية" (حسب المصطلحات المستخدمة في الإعلام الروسي ولدى كثير من ساسة الكرملين) . وربما لا يعرج التاريخ الروسي طويلا على سقوط نحو 10 آلاف جندي روسي دفعوا إلى الحرب في الشيشان، ولو خيروا ما ذهبوا.

وتبقى المأساة الشيشانية بعد عشر سنوات من الغزو الروسي بسقوط 100 ألف قتيل وجريح، وعشرات الآلاف من اللاجئين وبلدان وقرى دمرتها أسلحة ثقيلة من ميراث الحرب العالمية الثانية، فضلا عن مخاوف من الاغتيال والاعتقال بتهمة التعاون مع المقاومة. ومن تبقى من هذا الشعب يظل تواقا لأن يتحقق حلم أبنائه بالأمن والاستقرار قبل الاستقلال والانفصال، وهذه هي القصة من أربعة قرون.
ــــــــــــــــــ
باحث مصري خبير في الشؤون الروسية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة