الوطن أم الإنسان لتحقيق الحداثة العربية؟   
الخميس 1425/11/19 هـ - الموافق 30/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 10:08 (مكة المكرمة)، 7:08 (غرينتش)
 

تتكرر في الأدبيات السياسية العربية منذ بداية القرن الماضي جملة من المفردات، مثل الإصلاح والتنمية والثورة والتحرير وكذلك التقدم، لتحيل إلى طبيعة الأسس المفهومية لهذا الخطاب. فالمتتبع لخفاياه يلاحظ دون عناء أن مختلف هذه المفردات النمطية تدور في فلك مفهوم مركزي واحد هو الوطن.
 
فنحن نثور لنحرر الوطن، ونعمل على تقدم الوطن كما نقدم أنفسنا فداء له.. لقد صار الوطن بالنسبة إلينا عبارة عن بداية التاريخ ونهايته.
 
مقابل هذه المفردات المؤطرة داخل مجال هيمنة الوطن، يبرز الإنسان -كمفهوم وكقيمة- بحضوره المحتشم أحيانا أو حتى بنفيه. لقد حددت له مهمة خدمة هذا الوطن، وأريد له أن يكون وسيلة لتحقيقه، وهي حسب رأينا إشكالية ذات ثقل لفهم بعض أسباب قصور العرب عن إنجاز حداثتهم.
 
مقاربة نظرية لثنائية الإنسان والوطن
ما هو مصدر هيمنة مفهوم الوطن على مفهوم الإنسان؟ لابد هنا من الرجوع إلى بداية تبلور الخطاب السياسي العربي، أي العودة إلى السياق الاستعماري من تاريخ البلاد العربية.
 
"
الحضارات تتراجع كلما دخلت شعوبها في مرحلة الدفاع عن النفس والانغلاق أمام الخارج
"
يجب أن نعي هنا بأن مسألة الوطن والبناء الوطني -بالمعنى الحديث لهذه المفردات- هو إرث أخذناه من التجربة الاستعمارية الأوروبية، لأننا وجدنا في هذا المفهوم إمكانيات واسعة لمحاربة الآخر بسلاحه، إنه سلاح الوطن والذات الوطنية.
 
هذا يعني أننا لو عدنا إلى جذور تبلور هذا المفهوم في الحالة العربية لوجدناه مرتبطا إلى حد كبير بالمعانات المتولدة عن هيمنة الاستعمار، أي سلب الأراضي والاعتقالات والتعذيب والقتل، وكل الحالات المرتبطة بتجربة الاحتلال والمؤسسة على نكران حق وجود الآخر، على عكس الحالة الغربية التي كان فيها وعي الإنسان بالوطن امتدادا لوعي الإنسان بذاته.
 
فمن الطبيعي أن تولّد مثل هذه الوضعية توجها عاما لأفراد الشعب نحو البحث عن أسس الوجود المشترك الضامن للوقوف في وجه استعمار يهدد بالزوال، فوجدوا ضالتهم في مقولة الوطن بما يعنيه من محتوى ثقافي وتاريخي ووجداني، أي ذلك الفضاء الجغرافي الذي يجسد الوعي بالذات الجمعية في مواجهة الآخر.
 
وهنا يكمن الانعكاس الأول وربما الخطير لمقولة الوطن، إنها تحول الوعي بالذات إلى وعي بالآخر، أي تحويل الوعي من عملية تفكير في الذات إلى تفكير في الآخر.
 
ارتباط نشوء البناء الوطني والوعي الوطني بحضور الآخر كان من بين انعكاساته كذلك فرض نوع من العودة العاطفية للذات ولجذورها، أي استرجاع الذاكرة وتبجيل زمن الأسلاف والانغلاق في الأنا كوسيلة لمواجهة الآخر المعتدي.
 
هنا تكمن النتيجة الثانية لهذا النوع من بناء الوطن، أي ذلك الوطن المتولّد عن مواجهة الخطر الخارجي، أي تحجيم إمكانيات الاستفادة من التواصل مع الآخرين.
 
فتاريخ الشعوب في أنحاء العالم يبين أن الحضارات تتراجع كلما دخلت شعوبها في مرحلة الدفاع عن النفس والانغلاق أمام الخارج.
 
والتاريخ العربي والإسلامي من بين الأمثلة الشديدة الدلالة على ذلك، فقد أعطى الإسلام للعرب دفعا هاما للخروج من انغلاق الذات والانخراط في التاريخ العالمي، أي حداثة تلك الفترة. ولم تتراجع هذه الوضعية ويبدأ الانحطاط إلا مع هيمنة الفكر المتشدد الداعي إلى الاكتفاء بتقاليد السلف، وذلك منذ بروز خطر التتار من الشرق والخطر المسيحي من الغرب.
 
"
الرهان الأساسي في المواجهة الفلسطينية مع إسرائيل هو رهان الإنسان أولا ثم الأرض أي الوطن ثانيا
"
كما لم تحقق اليابان نهضتها إلا عند خروجها من انغلاقها مع عهد الميجي في منتصف القرن التاسع عشر. نفس الوضع بالنسبة للصين وبطبيعة الحال بالنسبة لأوروبا.
 
تشترك مختلف هذه الحالات في نقطة أساسية وهي أن الوعي بالآخر كان نتيجة طبيعية للوعي بالذات أي للوعي بالإنسان كقيمة. على عكس الواقع العربي الحالي حيث إن الوعي بالذات -الذي اتخذ شكل البناء الوطني- كان امتدادا للخوف من الآخر وطغى بالتالي على بعد الإنسان وعلى كل المفاهيم التي يمكن أن ترتبط به مثل الحرية والمواطنة والحقوق.
 
البناء الوطني والإنسان.. نماذج عربية
تتلخص الحالة الفلسطينية -إن أمكن تلخيصها- في معاناة شعب من جراء احتلال ربما كان من بين الأسوأ في تاريخ الاستعمار الحديث. وككل الحالات المماثلة فإن إستراتيجية الاحتلال الإسرائيلي وأيدولوجيته اعتمدت على إزاحة مفهومين أساسيين من الفلسطينيين: مفهوم الشعب ومفهوم الوطن.
 
غير أنني أعتقد أن الخطر الحقيقي وراء الخطاب الاستعماري الإسرائيلي يكمن في محاولته قتل مفهوم مركزي يتعارض مع الأيدولوجية الصهيونية، إنه مفهوم الإنسان الفلسطيني كقيمة تجسد الكيان في سياقه التاريخي والثقافي العام.
 
هنا يمكننا أن نفهم حرص السياسيين والإعلاميين الإسرائيليين على ربط الفلسطيني بصورة الإرهاب أو التحجر الفكري، كما يمكننا أن نفهم كذلك حرمان الأطفال من التعليم وهدم المنازل والزج بالعائلات في مخيمات أشبه بالمعتقلات الضخمة.
 
إن الغاية النهائية هي هدم إنسانية الإنسان الفلسطيني وربط طموحاته في بعض المطالب الحياتية الدنيا.
 
هذا يعني حسب رأيي أن الرهان الأساسي في المواجهة الفلسطينية مع إسرائيل هو رهان الإنسان أولا ثم الأرض -أي الوطن- ثانيا.
 
لكن الطرف الفلسطيني اختزل مشروعه النضالي في تحقيق الوطن مهما كان الثمن، بحكم هيمنة هذا المفهوم على واقعه المباشر، وأخطر من ذلك أن كل العملية النضالية الفلسطينية منذ تأسست اتجهت بشكل يكاد يكون مطلقا نحو قضية الوطن ولم يحتل تشكيل الإنسان -ما عدا المناضل الفدائي- سوى حيز هامشي من الاهتمام.
 
ومن بين انعكاسات ذلك تبجيل رموز النضال السياسي أي رموز الوطن، مثل منظمة التحرير والرئيس الفلسطيني ثم السلطة الفلسطينية رغم ثبوت الفساد داخلها.
 
وعلينا أن نتساءل بصراحة هنا، إن كان تحقيق وطن للفلسطينيين -أي دولة فلسطينية- سيؤدي إلى حل مشكلة الإنسان الفلسطيني، فليس هناك أي ضامن لتأكيد ذلك.
 
إن مظاهر الفساد التي تنخر السلطة الفلسطينية الحالية تؤشر لتواصل المعاناة الفلسطينية حتى بعد تحقيق الدولة الوطن.
 
أعتقد أنه لابد من استحضار الفلسطيني الإنسان كقيمة عليا للنضال ومن خلاله تصور وطن ما لهذا الإنسان.
 
لابد للمجهود النضالي الفلسطيني أن يركز على هذا المفهوم الذي تريد سلطة الاحتلال تغييبه، مفهوم الإنسان المتجاوز لمقولة الوطن الجغرافي.
 
"
لن يكون الهدف النهائي مجرد الحصول على رقعة جغرافية وإنما تحقيق الإنسان عبر أشكال نضالية مبتكرة وعبر أطر ومؤسسات تستحضر وتحترم هذا الإنسان كقيمة
"
على هذا الأساس لن يكون الهدف النهائي مجرد الحصول على رقعة جغرافية ما، وإنما تحقيق الإنسان عبر أشكال نضالية مبتكرة وعبر أطر ومؤسسات تستحضر وتحترم هذا الإنسان كقيمة.
 
لابد من مراجعة دور المؤسسات والرموز والشعارات الحالية، ولابد كذلك من تغيير أساليب النضال لنحافظ على الإنسان.
 
كما يتطلب هذا التصور أنسنة نظرة الفلسطيني لعدوّه أي الطرف الإسرائيلي. وهذا يعني في جانب ما اعتبار اليهود والثقافة اليهودية ضحايا بدورهم للأيدولوجية الصهيونية، فالثقافة اليهودية جزء من المشهد الثقافي العام للشرق ولابد من الدفاع عنه كمكوّن للمخزون الفلسطيني المتنوع.
 
إن القصد النهائي لمثل هذا الطرح هو نقل الصراع مع الجانب الإسرائيلي من الأرضية العسكرية والمجالية إلى فضاء الإنسان، مما يحقق اختراقا قويا للأيدولوجية الصهيونية، وهذا ما يخشاه السياسيون الإسرائيليون.
 
كانت الجزائر قد عاشت بدورها نفس الوضع الفلسطيني اليوم،  فقد هيمنت فكرة الوطن -وكذلك مفهوم الأمة- على الخطاب النضالي الجزائري بحكم قسوة الاستعمار الفرنسي وعنفه.
 
لم يكن من الممكن تصور انبعاث موقف إنساني ما لدى الجزائريين في ظل لاإنسانية الاستعمار. لقد كانت الصورة الأقرب بالنسبة للجزائري العادي هي فهم الصراع على أنه حرب خارجية على الوطن وعلى الأمة، وليس في عمقها الفلسفي أي أنها حرب وطنية (فرنسية) على الإنسان.
 
في سياق هذا الفهم أصبح أي شيء يمكن أن يشكك في مقولة الوطن هو بالضرورة تهديد للإنسان الجزائري نفسه، وبالتالي لابد من إزاحته.
 
هكذا خيم الفكر السياسي الإطلاقي المؤسس على التفاف الأفراد حول الوطن، وكل اختلاف كان ينظر إليه بعين الريبة، بل يخون كل شخص يجد نفسه في دائرة هذا الشك، أو أنه يقصى كأي عدو للثورة والوطن.
 
لا غرابة أن يزخر التاريخ الجزائري كباقي حالات النضال الوطني بأمثلة تخوين وتصفية وجوه أخلصت لأوطانها.
 
"
مبدأ المقاومة وحده لا يمكنه أن يشرع أي نموذج لمجتمع بديل
"
لقد بقي هذا الإرث قائما طوال بناء دولة الاستقلال في الجزائر مؤطرا بكل صرامة كل أفراد الشعب صفا وراء الوطن، إنها دولة الوطن والثورة التي لم تترك مكانا للإنسان، أو أنه بقي محاصرا منذ الاستقلال ليعبر عن وجوده خلال أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988. إنه من حقنا أن نسائل التاريخ: ما قيمة تحرير الوطن ليجد الإنسان نفسه سجين هذا الوطن؟
 
نفس هذا السؤال نطرحه في الحالتين الأفغانية والعراقية. فما قيمة الوطن الأفغاني وما قيمة تحريره لنضع الإنسان الأفغاني يواجه موت المجاعة وآلة الحرب الأهلية؟ وما قيمة الوطن العراقي المحرر من الاحتلال لنضع الإنسان العراقي في مواجهة مصير مجهول أمام الطائفية والتطرف الديني؟ إن مبدأ المقاومة وحده لا يمكنه أن يشرع أي نموذج لمجتمع بديل.
 
أنظمة الحكم وتطويع الوطن لحصار الإنسان
بعد موجة الاستقلال صعدت إلى سدة الحكم في البلدان العربية نخب سياسية جديدة بنت شرعيتها على عنصري النضال وكذلك الوطن الذي أصبح القيمة العليا التي تدور حولها حياة المجتمع.
 
لقد تمثل الهاجس الأول لهذه النخب في بناء شرعيتها من ناحية ثم مراقبة المجتمع -أي الإنسان من ناحية ثانية- عبر شعارات ربح التنمية وتحقيق التقدم.
 
خلال هذه المرحلة أصبح كل من يعارض خيارات الدولة أو يفصح عن أفكار مخالفة لما يسود رسميا، عرضة لتهمة خيانة الوطن. هذا ما يفسر سعي الأنظمة لمواجهة المعارضين عن طريق اختلاق تهمة إقامة علاقات مع جهات أجنبية، مما يعني تخوينهم، حتى ولو كانت لهذه الأنظمة علاقات صريحة مع هذه الأطراف الخارجية المدانة.
 
في البلدان العربية اليوم يحيل مفهوم الوطن بالضرورة إلى فكرة النظام ليصبح حبّ الوطن إقرارا بنظام الحكم كحالة سياسية وكجهاز للإدارة بعيدا عن تدخل المجتمع الذي يجب أن ينكب على تحقيق أدنى الشروط المادية لعيش الإنسان. مقابل هذا لم يمثل الإنسان -كقيمة- مصدر انشغال هذه الأنظمة، كما أنه لم يمثل إشكالية مركزية للمفكرين والمبدعين إلا نادرا.
 
توجد أمثلة أخرى من الواقع العربي تجسد تحريك الوطن كوسيلة لمحاصرة الإنسان. وربما كان ميدان التعليم هو المجال الأكثر دلالة على ذلك.
 
تتمثل مهمة التعليم في بلداننا في مواكبة التقدم التقني لا بهدف التقدم في حد ذاته بل لما يوفرّه من فرص للدعاية الرسمية، ثم من ناحية ثانية إعادة إنتاج هيمنة الوطن على المجتمع عبر تأطير وعي الأفراد.
 
على سبيل المثال نذكر إدراج التدريب العسكري في مناهج التعليم الثانوي والجامعي في أكثر من بلد، لأنها نموذج التربية الأكثر فعالية في محاربة إمكانية قيام وعي بالإنسان الفرد الحر.
 
نلاحظ فاعلية أكثر لهذه السياسة في حالات الدول التي اتخذت من مواجهة إسرائيل وسيلة لشد انتباه مواطنيها إلى الالتفاف حول الوطن المهدد. لا أعتقد أن حالة الطوارئ في هذا البلد أو ذاك مرتبطة فعلا بأي تهديد خارجي بقدر ارتباطها بارتياب الأنظمة من مجتمعاتها.
 
نلاحظ في مجال التعليم كذلك حرصا رسميا على تطوير ودعم العلوم الصحيحة والتقنيات الحديثة، والهدف المعلن لذلك هو مواكبة التقدم العالمي في هذه الميادين.
 
قد يكون هذا صحيحا، لكنه لا ينفي اتخاذ هذا النوع من التعليم وسيلة لمحاربة قيام وعي بالإنسان، خاصة أن دعمها الحالي يتم على حساب معارف أخرى قد تحمل في طياتها مثل هذا الوعي، أقصد العلوم الإنسانية.
 
فمن المعروف أن العديد من العلوم الصحيحة تفتقر إلى الوعي بذاتها، أي تفتقر إلى ذلك الجانب الإبستيمولوجي الخلاق الذي يربط مباشرة بين طبيعة المعارف المنتجة والإنسان كإشكالية فلسفية.
 
"
الصحوة من خمرة الوطن والهوية لمواجهة واقع الإنسان شرط أساسي لتحقيق الحداثة العربية
"
هنا نفهم هذه التضحية بالعلوم الاجتماعية والإنسانية بدعوى محدودية حاجة المجتمع لهذه المعارف. والواقع أنها علوم محاصرة، مثل الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والعلوم السياسية، لما توفره من قدرة على خلق وعي بالإنسان ككائن سياسي واجتماعي بعيدا عن دائرة مراقبة السلطة.
 
وفي أغلب الحالات تدرس هذه المواد بخلط واضح مع التربية الدينية، لتصبح المعارف في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية وسيلة إضافية لفهم الدين أكثر منها منهجا لتحليل وفهم الإنسان، أي أنها لا تدرّس لذاتها.
 
لقد أردنا من خلال هذه المحاولة إثارة الانتباه لأحد مستويات أزمة الواقع العربي الحالي، أي غياب الإنسان كموضوع للتفكير وكمركز للخطاب، مما يفسر غياب مفاهيم الحريات والمواطنة والحقوق أمام إشكاليات الهوية والوطن.
 
فلابد من الخروج من خمرة الوطن والهوية لمواجهة واقع الإنسان، هذا حسب رأيي شرط أساسي لتحقيق الحداثة العربية. وهذا لا يعني نفي الوطن، بل نريده أن يكون جزءا مكوّنا للإنسان وامتدادا له وليس وعاء لاحتوائه. إنها خطوة ضرورية للانخراط في معركة الإنسان، هذه القيمة الثابتة للحداثة وما بعد الحداثة.
_________
كاتب تونسي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة