هل جاء دور الحكومة الصومالية في الانقسام؟   
الاثنين 1429/8/10 هـ - الموافق 11/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:20 (مكة المكرمة)، 13:20 (غرينتش)


مهدي حاشي

أسباب الصراع والمفاوضات
القشة التي قصمت ظهر البعير
تداعيات الصراع

بعد أن تابعنا في الأشهر والأسابيع الماضية فصول معركة كسر العظام التي جرت بين أقطاب تحالف التحرير وانتهت بانشقاقه إلى جناحين في كل من أسمرا وجيبوتي جاء الآن دور الحكومة الانتقالية الهشة لكي تتشظى هي الأخرى إلى زعامات يتصارعون على أنقاض بلد يرزح تحت الاحتلال وحكومة لا تملك إلا الاعتراف الدولي وتفتقر إلى الشعبية خاصة في العاصمة وما حولها.

يأتي هذا بعد أن وصل الصراع إلى ذروته باستقالة معظم وزراء الحكومة الانتقالية احتجاجا على ما سموه فسادا وسوء إدارة رئيس الوزراء حسن حسين نور عدي للبلاد.

هذا ما أعلنوه لوسائل الإعلام، لكن العارفين وحتى الملمين بالخريطة السياسية الصومالية الفريدة من نوعها التي تتداخل فيها المصالح الشخصية التحالفية بالنزاعات العشائرية الخفية والتدخلات الأجنبية بالولاءات لهذه الدولة أو تلك يدرك أن الفساد هو آخر ما من شأنه أن يستقيل بسببه السادة الوزراء.

أسباب الصراع والمفاوضات
"
عشية انطلاق الجولة الثانية بين تحالف التحرير والحكومة الانتقالية في جيبوتي اختلف هرما السلطة (الرئيس ورئيس الحكومة) على من يمثل الحكومة في المفاوضات, وتقول بعض التحليلات إن تدخلا خارجيا حسم الجدل لصالح الأخير الذي يملك شبكة علاقات واسعة
"
فمنذ عين رئيس الوزراء -لكونه المرشح المفضل لدى عشيرة سلفه التي خصص لها هذا المنصب– حاول أن يظهر بمظهر الساعي إلى الحوار مع المعارضة خاصة مع تحالف التحرير.

ولم يكن الرئيس عبد الله يوسف في بادئ الأمر مرتاحا لتحركات وزيره الأول لأسباب كثيرة, وقد أطلق عدة مرات تصريحات نارية كان من شأنها أن تنسف مبادرته ودعواته إلى الحوار, وظهر إلى السطح ما سمي في حينه بتباين وجهات النظر بين المسؤولين بشأن المصالحة المرتقبة لكنها في الحقيقة كانت خلافات حقيقية تظهر حينا وتختفي أحيانا أخرى.

وعشية انطلاق الجولة الثانية بين تحالف التحرير والحكومة الانتقالية في جيبوتي اختلف هرما السلطة (يوسف وعدي) حول من يمثل الحكومة في المفاوضات، حيث أصر الرئيس يوسف على ترؤس وزير المصالحة عبد الرزاق أشكر المقرب منه في حين أبدى رئيس الوزراء نور رغبته في تولي نائبه ووزير الإعلام أحمد عبد السلام الذي يعد الساعد الأيمن لنور عدي ومهندس عملية المصالحة، وبعد شد وجذب استقر الأمر على أن يرأس عبد السلام وفد الحكومة إلى جيبوتي.

وتقول بعض التحليلات إن تدخلا خارجيا حسم الجدل لصالح عبد السلام الذي يملك شبكة علاقات واسعة على أن يطلع يوسف بنفسه على مطبخ جيبوتي والترتيبات والسيناريوهات التي كانت جارية هناك بخصوص التعامل مع تحالف التحرير حيث توجه إلى جيبوتي لهذا الغرض وللقاء وفد مجلس الأمن والوسطاء الدوليين.

وتوجه بعده مباشرة رئيس الوزراء نور عدي إلى جيبوتي ليدير المفاوضات بين تحالف التحرير وحكومته بنفسه رغم ترؤس وزير إعلامه لوفد الحكومة في حين كان يراقب الوضع عن كثب الحاكم الفعلي للعاصمة الصومالية الجنرال الإثيوبي" جبري" الذي شوهد في أكثر من مرة في الفندق الذي كان يسكنه الوفدان المتفاوضان.

ومن المعروف أن الرئيس يوسف لم يكن راضيا عن الطريقة التي أدارها الوزير الأول للمفاوضات مع المعارضة، رغم أن النتيجة كانت لصالح الحكومة بفضل الضغوط الدولية التي مورست على زعماء التحالف الذين تعرضوا لابتزازات وربما تهديدات رغم نفيهم المتكرر لوجود هذا النوع من الضغوط.

وينظر زعماء متنفذون من الحكومة الانتقالية بعين الريبة إلى اتفاقيات جيبوتي والعلاقة الحميمية التي نشأت بين وفد رئاسة الحكومة وزعماء تحالف التحرير بعد العناق الذي نقلته شاشات التلفزيون بين الغرماء الذين كانوا يرفضون إلى الأمس القريب حتى الحديث المباشر والجلوس على طاولة واحدة.

"
من المفترض أن تشهد المرحلة الثانية من مفاوضات جيبوتي عملية تقاسم للسلطة بين الطرفين (تحالف التحرير والحكومة) ما يعني ضخ دماء جديدة شابة ولها نفوذ على الأرض إلى مراكز القرار الأمر الذي سيشكل تهديدا حقيقيا للكثير من المسؤولين
"
ويعتقد الكثير أن تغييرات كبيرة ستطرأ على الخريطة السياسية وموازين القوى بعد أن يصار إلى تطبيق بنود اتفاق جيبوتي وما سيتمخض عنه من تقاسم للسلطة، ومن شأن هذا أن يطيح شخصيات من الحرس القديم ليجدوا أنفسهم خارج دائرة الحكم الذي دفعوا من أجله الغالي والرخيص بعد أن تأتي ثماره ويشهد البلد استقرارا نسبيا إن تحقق ذلك.

ذلك أن من المفترض أن تشهد المرحلة الثانية من مفاوضات جيبوتي بين التحالف والحكومة الانتقالية عملية تقاسم للسلطة بين الطرفين، ما يعني ضخ دماء جديدة شابة ولها نفوذ على الأرض إلى مراكز القرار، الأمر الذي سيشكل تهديدا حقيقيا للكثير من المسؤولين الذين سيضحى بهم.

ومن الواضح أن زعماء التحالف يسعون بجدية إلى تقاسم السلطة مع الحكومة الانتقالية، ولن يزهدوا عنها بعد أن حسموا خياراتهم بالاعتماد على المفاوضات سبيلا للوصول إلى أهدافهم التي يأتي في مقدمتها إخراج القوات الإيثوبية من الصومال ومن ثم القفز أو الزحف إلى مراكز القرار في هذا البلد الممزق الذي لم يعرف حكومة مركزية منذ ما يقارب العقدين.

القشة التي قصمت ظهر البعير
وكانت إقالة محمد عمر جبيب (محمد طيري) عمدة العاصمة مقديشو ورئيس محافظة بنادر القشة التي قصمت ظهر البعير في الخلافات التي كانت تدور خلف الكواليس بين الرئيس يوسف ورئيس الوزراء نور عدي وهما يمثلان تيارين موجودين داخل هرم الحكومة بكل مؤسساتها الهشة.

ويعتقد الكثير من المراقبين أن هناك اتفاقا غير معلن بين رئيس الوزراء وزعماء تحالف التحرير الذين وقعوا معه الاتفاق في جيبوتي في التاسع من الشهر الماضي الذي يقضي بأن يقوم نور عدي بخطوات عملية لبناء الثقة بين الجانبين من شأنها أن تساعد تحالف التحرير في جيبوتي للمضي قدما في عملية المصالحة التي تلقى معارضة شرسة من أطراف عديدة بينها جناح أسمرا للتحالف وغيره من جماعات المقاومة الأخرى المنقسمة على نفسها.

وتتمثل هذه الخطوات بإزاحة الشخصيات المثيرة للجدل التي تشكل عقبة في سبيل الوصول إلى مصالحة حقيقية ولا تلقى ترحيب سكان مقديشو الذين ذاقوا الويلات وتعرضوا للتشريد في فترة الحرب، ما سيساهم في تخفيف الاحتقان بين أوساط سكان العاصمة تجاه الحكومة التي يتحفز زعماء التحالف إلى المشاركة فيها.

ولا شك أن خطوات من هذا القبيل من شأنها أن تشجع زعماء التحالف (جناح جيبوتي) على مواصلة مشوار مسيرة المصالحة وتمهد الطريق للدخول في المرحلة الثانية من المفاوضات كما أنها سترفع شعبيتهم في أوساط سكان مقديشو الذين سينظرون إليهم مخلصين من أسر الحرب والبؤس الذين يقاسون منهما.

"
باستقالة تسعة وزراء من حكومة نور عدي بذريعة الفساد وسوء الإدارة يصل الصراع بين هرمي السلطة إلى ذروته ما ينذر بتداعيات كبيرة بالنسبة لمستقبل الحكومة الانتقالية وكذلك لعملية المصالحة التي يعتبر نور عدي عرابها
"
ويتخوف زعماء التحالف من أنهم إذا تقاسموا السلطة مع الحكومة المؤقتة دون أن يتغير شيء على الأرض خاصة لسكان مقديشو المؤيدين لهم فإنهم سينظر إليهم على أنهم لا يكترثون بمعاناتهم ويلهثون وراء المناصب والنفوذ فقط.

وعلى خلفية هذه التفاهمات (المفترضة) قام رئيس الوزراء نور عدي بإقالة محمد طيري بإصدار مرسوم يقضي بتجريده من منصبيه وقوبلت هذه الخطوة من قبل سكان المخيمات البائسة في ضواحي مقديشو بترحيب واسع عندما قاموا بمظاهرات كبيرة تأييدا لطرد زعيم الحرب السابق المحسوب على إثيوبيا والمتهم من قبل المشردين بالتسبب في مأساتهم الراهنة، وكان من المتوقع أن تطير رؤوس أخرى أمنية لولا التداعيات التي خلفتها الخطوة الأولى.

وعلى غير العادة رحب الزعيم المقال بخطوة نور عدي مؤكدا أنه كغيره من المسؤولين يمكن عزله إلا أنه استدرك بأن تجريده من المنصب يتطلب توقيع الرئيس يوسف لمرسوم الإقالة الأمر الذي فهم أن الأخير يعارض إقالته.

وكانت ردة فعل يوسف الذي يعد عمدة العاصمة المقال أقرب حلفائه أقوى وأسرع مما توقعه نور عدي، فقد رفض خطوته وأعاد تعيين محمد طيري معززا مكرما، ولم يكتف بذلك بل رد له الصاع صاعين بالتعاون مع فريقه.

كما طرد عددا من المسؤولين في الشرطة من قبل وزير الداخلية في عملية عدت جزءا من صراع النفوذ بين الرئيس ورئيس وزرائه رغم الضبابية التي تحيط هذه القضية بالتحديد.

إلا أن الرسالة الأقوى والأكثر وضوحا كانت تحريك البرلمان لمشروع قرار بمحاسبة رئيس الوزراء وحجب الثقة عنه، والسؤال هو هل عرف البرلمان فجأة أن نور عدي مقصر في إدارة شؤون الحكومة لكي يطالب محاسبته أم أنهم أوعز إليهم من قبل أصحاب القرار.

وللحقيقة كانت هناك محاولات فردية لطرح مشاريع مماثلة أمام البرلمان إلا أنها كانت على في غالبيتها للمزايدات والحصول على بعض الامتيازات أو حتى لإيصال رسائل للوزير الأول لها علاقة بالوضع الاقتصادي للنواب أنفسهم.

وباستقالة تسعة وزراء  من حكومة نور عدي بذريعة الفساد وسوء إدارة يصل الصراع بين هرمي السلطة إلى ذروته ما ينذر بتداعيات كبيرة على مستقبل الحكومة الانتقالية وكذلك لعملية المصالحة الذي يعد نور عدي عرابها.

تداعيات الصراع
في أول تعليق لرئيس الحكومة على تقديم أغلب وزراء حكومته الاستقالة الجماعية أكد أن الاستقالات لن تؤثر على عمل حكومته، منوها إلى أن الخطوة ستلقي بظلالها على عملية المصالحة التي أبرمت بين حكومته وتحالف التحرير.

من الواضح أن التصعيد سيكون سيد الموقف بين الجانبين في القادم من الأيام، لكن الأمر يتوقف أولا وأخيرا على دور "الرجل القوي في مقديشو الذي يتلقى الجميع منه الأوامر الضابط الإثيوبي جبري" وسوف يتدخل حتما إذا رأى أن الخلاف يضر بمصلحته ومصلحة بلده وسيحظى بثقته الطرف الأجدر.

حتى الآن يبدو الفريق المناهض لنور عدي الأقوى على مستوى مؤسسات السلطة الانتقالية، رغم أن رئيس الوزراء كما يقال يتمتع بثقة الدول الأوروبية التي تحاول إيجاد موطئ قدم في هذا البلد الممزق، كما يحظى بمباركة نسبية من زعماء العشائر التي تشكل الأغلبية في العاصمة.

ومن غير المستبعد أن يتدخل المجتمع الدولي المعني هذه الأيام بتحريك القضية الصومالية بما لا يتنافى مع مصالحهم الإستراتيجية لوضع حد لتجاذبات المسؤولين المتصارعين على البلد المشلول في كل مرافقه الحيوية.

"
من غير المستبعد أن يتدخل المجتمع الدولي في هذه الأيام بتحريك القضية الصومالية بما لا يتنافى مع مصالحهم الإستراتيجية لوضع حد لتجاذبات المسؤولين المتصارعين على البلد المشلول في كل مرافقه الحيوية
"
لكن بعض المراقبين يتوقعون أن يلقى نور عدي مصير سلفه رئيس الوزراء السابق محمد علي جيدي الذي كان رجل إثيوبيا بامتياز وتخلت عنه بعد أن اصطدم مع يوسف رغم جولاته المكوكية إلى أديس أبابا واضطر أخيرا إلى تقديم استقالته على وقع تهديد البرلمان بسحب الثقة عنه إن لم يقدمها طوعا.

طبعا إذا لم تحدث مفاجآت وهي غير مستبعدة في الصومال خاصة إذا تدخلت الدول المعنية بإيجاد حل توافقي يحفظ الحكومة القائمة بإشراك الإسلاميين المعتدلين فيها بعد إخراج القوات الإثيوبية العسكرية من الصومال.

ومن المؤكد أن الخلافات الأخيرة ستؤثر سلبا على مسيرة المصالحة التي تواجه أصلا عقبات كبيرة لترجمتها على الأرض، بعد أن أبدت عدة فصائل معارضتها رغم مصادقة أغلبية تحالف التحرير في جيبوتي.

ذلك أن الصراع الجاري بين أقطاب الحكومة له علاقة وثيقة بترتيبات المصالحة نفسها التي تداخلت العوامل العشائرية بالتحالفات بين الأطراف المختلفة بطريقة جعلت الوضع أكثر تعقيدا, والعارفون ببواطن الأمور في الصومال يدركون قوة العامل القبلي في تفاصيل المشهد السياسي الصومالي وفي كل الأطياف والاتجاهات دون استثناء وإن بدرجات متفاوتة.

في الختام يمكن القول إن الخلافات والانشقاقات أصبحت السمة التي تميز هذا البلد الممزق أصلا بين قبائل وعشائر وزعامات متناحرة، في حين أن شعبه تجمعه كل عوامل الوحدة من لغة وعرق ودين وحتى مذهب, وإن الخروج من النفق المظلم ليس قريب المنال حسب المعطيات المتوفرة حتى الآن إلا إذا حدثت تغيرات دراماتيكية ليس فقط على مجريات الأحداث وإنما في عقلية من أصبح مصير الأمة بأيديهم.
ـــــــــــــ
كاتب صومالي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة