القاعدة في اليمن مصدر قلق للغرب   
الخميس 17/7/1435 هـ - الموافق 15/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:40 (مكة المكرمة)، 14:40 (غرينتش)
عارف أبو حاتم


الهاجس الأمني
الحرب في العاصمة
الحرب ساحة مفتوحة
الحوثي.. خطوات وقائية

إحدى أكبر إشكاليات تعامل الغرب مع اليمن أنه لا يراها إلا مشكلة أمنية تهدد مصالحه في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

ولو لم تكن اليمن في هذا الموقع الإستراتيجي المطل على بحر ومحيط، والمسيطر على مضيق باب المندب الذي يمر منه 60% من نفط العالم، وهذه الجغرافيا القريبة من شرايين النفط الممتدة على جسد الجزيرة العربية، لولا ذلك لما التفت الغرب إلى الحالة اليمنية، وتركها شأنا داخليا، يتقاتل أبناؤها باستمرار كأية دولة في وسط أفريقيا.

الهاجس الأمني
تمثل اليمن هاجسا أمنيا مزعجا للغرب، حيث يراها أشبه بمخزن بارود، فبقدر ما في هذا البلد من التسامح والتعليم والمؤسسات المدنية وكرم الأخلاق والضيافة والتدين الوسطي، فيه أيضا ستون مليون قطعة سلاح بيد المواطنين، و25 مليون مواطن نصفهم تحت خط الفقر، وتسيطر الأمية على أكثر من 60% من السكان.

التحكيم الباذخ الذي قدمته الدولة استرضاء لقبائل الحموم بحضرموت فتح شهية آل شبوان بمأرب، وسيفتح مستقبلا شهية قبائل شبوة التي تدور رحى الحرب ضد تنظيم القاعدة على أراضيها
والمعنى أن كل حركة تمتلك المال والسلاح تستطيع استثمار هذه الظروف لصالحها، وتشكل نواة لتهديد الدولة اليمنية، أو تهديدا مباشرا لمصالح الغرب في اليمن، أي أن صراع الدولة مع تنظيم القاعدة أو مع الحركة الحوثية المتمردة هو صراع وجود، وليس صراع حدود، فإما أن تكون الدولة حاضرة أو سيكون الحضور لهذه الكيانات المسلحة.

ومع فجر الخميس الثامن من مايو/أيار الجاري كان الجيش اليمني يمشط مديرية عزان بمحافظة شبوة الجنوبية، آخر معاقل تنظيم القاعدة، وشملت فرحة النصر مهرجانا شعبيا حضره وزير الدفاع ومحافظ شبوة ورئيس جهاز الأمن القومي، فالقاعدة رحلت بعناوين نظامها المختلفة من نيابات ومحاكم ومكاتب تسيير لشؤون الدولة، ويبقى الدور الباقي على الحكومة اليمنية، وما الذي أعدته لهذه المناطق في مرحلة ما بعد النصر، حتى لا يحن شخص لعهد القاعدة، فليس لها من إيجابيات سوى استقرار الأمن، وسرعة البت في قضايا الناس.

وفرار عناصر القاعدة من محافظة شبوة يثير المخاوف أكثر مما يستدعي الفرح، ذلك أن العناصر الجهادية هي مشاريع موت مؤجل، ومستعدون للموت في أي مكان وتحت أي ظرف، وفي شبوة توزعت المجاميع المتطرفة بين القبائل، كون بعضهم من المنتمين لها، وبعضهم اتجه شرقا نحو حضرموت، المحافظة التي تشكل ثلث مساحة اليمن، وبعضهم ذهب إلى الشمال الشرقي نحو مأرب، المحافظة التي تنتج 45% من نفط اليمن، و95% من الغاز المسال، وكامل كهرباء العاصمة والمحافظات الشمالية.

وهنا تزداد المخاوف مع معرفة أن للقاعدة حضورا نسبيا في مأرب، ذات الطبيعة القبلية البدوية المسلحة، وأي تفكير من القاعدة بالهجوم على المنشآت الحيوية هناك سيغرق البلاد في الظلام، والفقر أيضا، فتصريحات الحكومة في 2013 أن عمليات تفجير أنابيب النفط كلفت الدولة ملياري دولار، ومليار دولار كلفة إصلاح أبراج الكهرباء المضروبة في ذات المحافظة، غير أنه لم يكن بين أعضاء القاعدة من ارتكب تلك الجرائم، وكان الفاعلون مواطنين يريدون الضغط على الدولة للإفراج عن أقاربهم المسجونين بصنعاء بتهم جنائية.

وبعض أبناء مأرب احترفوا تجارة اختطاف الأجانب ورجال الأعمال، مستغلين ضعف الدولة، وتواطؤ وجاهات مأرب القبلية، وسخاء المستجيبين لمطالبهم.

الحرب في العاصمة
كما كان متوقعا، امتدت حرب القاعدة إلى العاصمة صنعاء بعد فرارها من شبوة الجنوبية، وبدأت الأخبار الرسمية تتوالى عن ضبط عناصر إرهابية قبل تنفيذ عملياتها. وفي وقت سابق، أعلنت اللجنة الأمنية مقتل "شائف الشبواني" بالقرب من قصر الرئاسة، بعد أن بدأ إطلاق النار على دورية أمنية كانت ترصده.

القاعدة كتنظيم بدأت بالتفكك والهروب إلى أكثر من مكان، متأثرة بضربات الجيش وملاحقة طائرات "الدرونز" الأميركية التي تجوب سماء اليمن منذ أكثر من عامين
وجاء في نص الخبر الذي بثه موقع وزارة الدفاع "الشبواني أحد عناصر القاعدة ومتورط في عدة جرائم إرهابية". وبعد ساعات قليلة بدت الأجهزة الأمنية هي المتورطة، فقد تراجعت عن وصف الشبواني بالإرهابي، وأرسل الرئيس هادي لجنة وساطة رفيعة يقودها رئيس جهاز المخابرات "جلال الرويشان" إلى آل شبوان بمأرب، ليفتح بذلك الباب أمام الشائعات التي تحدثت عن مطالب تعجيزية لآل شبوان، يحتاج تنفيذها إلى ميزانية دولة، بل يستدعي خروج الدولة من مأرب.

تلك الحادثة تعيد إلى الأذهان مقتل نائب محافظ مأرب جابر الشبواني الذي قتلته طائرة أميركية بدون طيار، في مايو/أيار 2010، وخوفا من تكتل قبائل مأرب ضد الدولة أو إلحاقهم ضررا بمنشآت النفط والغاز والكهرباء، أسرع الرئيس صالح إلى إرسال غمد جنبيته "العسيب" مع زوج ابنته عصام دويد، و150 مليون ريال (سبعمائة ألف دولار) تكاليف مراسيم الدفن، كنوع من العرف القبلي الذي يعني الاعتراف بالخطأ، ولاحقا تم دفع قرابة خمسة ملايين دولار دية لآل شبوان، ومغازلتهم بتسمية المولود الجديد للعميد أحمد علي عبد الله صالح بـ"جابر".

والحقيقة التي يجب أن تقال هي أن التحكيم الباذخ الذي قدمته الدولة استرضاء لقبائل الحموم بحضرموت في مقتل الشيخ سعد بن حبريش في ديسمبر/كانون الأول 2013 فتح شهية آل شبوان بمأرب، أكثر مما كانت، وسيفتح مستقبلا شهية قبائل شبوة التي تدور رحى الحرب ضد تنظيم القاعدة على أراضيها، وغدا ستقول إن العشرات من أبنائها قضوا بالخطأ على يد الجيش.

الحرب ساحة مفتوحة
قبل يوم من احتفال الجيش بتطهير مديرية عزان من القاعدة، أعلن المتحدث باسم الحكومة اليمنية راجح بادي أنه تم رصد وقتل "وائل الوائلي" المتهم الرئيسي بقتل ضابط الأمن الفرنسي بصنعاء، في الخامس من مايو/أيار الجاري مع ثلاثة من أعضاء خليته الإرهابية، وغير ذلك تم ضبط وقتل عناصر من القاعدة في صنعاء والبيضاء وإب، مما يعني أن القاعدة كتنظيم بدأت بالتفكك والهروب، إلى أكثر من مكان، متأثرة بضربات الجيش وملاحقة طائرات "الدرونز" الأميركية التي تجوب سماء اليمن منذ أكثر من عامين، ترصد وتضرب العناصر المدانة والمشتبهة، وتخلف وراءها الكثير من الأخطاء، بحق أبرياء تزامن مرورهم أثناء الضربات الجوية، وهو ما يزيد من حنق الشارع اليمني، خاصة في المناطق ذات العصبيات القبلية.

وأن يجتمع مجلس الأمن بعد ساعات قليلة من مصرع المواطن الفرنسي بصنعاء، وقبلها تداعى الغرب إلى مؤتمر أصدقاء اليمن بلندن لتدارس الوضع الأمني اليمني بعد أيام من إحباط محاولة النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب تفجير طائرة أميركية مدنية أثناء رحلتها من أمستردام إلى نيويورك عشية الاحتفال بعيد الميلاد 2009، فهذا دليل على أن اليمن لا تمثل غير مصدر قلق أمني للغرب.

لقد استشعرت أميركا جدية التهديدات التي أطلقها زعيم القاعدة في جزيرة العرب ناصر الوحيشي في منتصف أبريل/نيسان الماضي أثناء حفل علني باستقبال 19 عنصرا من جماعته فروا من السجن المركزي بصنعاء في فبراير/شباط الماضي.

وأن يكون للجماعات الإرهابية دولة مفترضة في محافظة شبوة، فهذا أمر يغري كثيرا من الجهاديين في السعودية والخليج للنزوح مع عائلاتهم إلى اليمن، التي بدت لهم بيئة حاضنة وآمنة، مما استدعى الدولة إلى الدخول في معركة إثبات وجود، في ظل ظروف اقتصادية بالغة القسوة، واعتزام الحكومة رفع الدعم عن المشتقات النفطية، من أجل سد العجز الحاصل في الميزانية البالغ قرابة أربعة مليارات دولار، ومديونية داخلية بلغت 12 مليار دولار، وهنا يبرز السؤال عمن يدفع فاتورة الحرب ضد القاعدة؟

رغبة الحوثي لا تخفى في تفتيت قوة الجيش وإنهاكه في حروب مع أشباح في جبال وصحاري الجنوب، ومن ثم يخلو الجو للحركة الحوثية، لتحقيق طموحاتها في شمال الشمال
وبالتأكيد، فإن الولايات المتحدة مارست ضغوطا كبيرة على دول الخليج -وفي مقدمتها السعودية- من أجل سداد تلك الفاتورة باهظة الكلفة.

الحوثي.. خطوات وقائية
بيانات جماعة الحوثي المؤيدة للجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية في الجنوب لم تكن بريئة أو صادقة في تأييدها لجيش الدولة، الذي قتلت منه ستين ألف جندي باعتراف عضو المكتب السياسي للحوثيين محمد البخيتي عبر قناة الجزيرة في العاشر من أبريل/نيسان الماضي، وتأييد الحوثي للجيش كان مناورة تكتيكية، تأتي في سياق التأكيد على أربع نقاط:

أولا: أراد أن يدفع عن نفسه صفة العنف والإجرام التي صارت صفة لصيقة بالحركة الحوثية منذ تأسيسها.

ثانيا: أراد مغازلة الغرب وأميركا ولجنة العقوبات الأممية بسلمية الحركة الحوثية ونبذها كل فعل إجرامي وعنف بحق الآخرين.

ثالثا: لدى الحوثي رغبة جامحة في تصفية عناصر القاعدة ذات التوجه الوهابي السني، وهو ذو ميول شيعية جعفرية، وبالتالي يخاف من أن تقوى شوكة القاعدة وتثأر من الحوثيين ردا لما اقترفوه بحق سلفيي دماج الوهابيين.

رابعا: لا تخفى رغبة الحوثي في تفتيت عضد الجيش وإنهاكه في حروب مع أشباح في جبال وصحاري الجنوب، حتى تُرهق المؤسسة العسكرية، ومن ثم يخلو الجو للحركة الحوثية، لتحقيق طموحاتها في شمال الشمال.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة