العراق في الرؤية الأميركية الجديدة   
الأحد 1433/12/27 هـ - الموافق 11/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:19 (مكة المكرمة)، 10:19 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون



أولاً: سحب القوات مصلحة مشتركة
ثانياً: هل تعود قوات تدريب أميركية للعراق؟
ثالثاً: العراق وأمن الطاقة الأميركي
رابعاً: الحرب الأهلية زلزال إقليمي

كيف تبدو البيئة الراهنة للعلاقات الأميركية العراقية؟ هل لا تزال الولايات المتحدة تنظر للعراق باعتباره رصيداً إستراتيجياً؟ وما هي الرؤى والتصورات المتداولة حول المستقبل وآفاقه؟

أولاً: سحب القوات مصلحة مشتركة
ثمة قناعة مفادها أن انسحاب القوات الأميركية من العراق قد مثل علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، فقد أيد 78% من الأميركيين قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بسحب القوات في ديسمبر/كانون الأول 2011.

وقد رأى بعض المحللين في واشنطن أنه على الرغم من المخاطر التي أثيرت بشأن سحب القوات، فإن هذه الخطوة لم تخلو من مزايا بالنسبة للولايات المتحدة، أهمها: إنهاء حرب فقدت شعبيتها بين الأميركيين، ووقف النزيف البشري بين الجنود، وفسح الطريق أمام علاقات إيجابية متطوّرة مع الشعب العراقي.

على الرغم من المخاطر التي أثيرت بشأن سحب القوات الأميركية من العراق، فإن هذه الخطوة لم تخلو من مزايا بالنسبة لواشنطن أهمها إنهاء حرب فقدت شعبيتها بين الأميركيين

ورأى هؤلاء أنه بانسحاب القوات يكون الوقت قد أصبح مؤاتياً للتأكيد على أدوات القوة الناعمة، الاقتصادية والثقافية، لبناء علاقات أميركية عراقية جديدة، قوية ومزدهرة. وساد شعور لدى النخبة الأميركية مفاده أن الولايات المتحدة فعلت ما في وسعها للعراق، وأن الوقت قد حان للانتقال إلى تحديات أخرى في العالم.

وبالنسبة لهذه النخبة، فإن الرئيس أوباما عمل بقراره سحب القوات على إغلاق أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام في التاريخ الأميركي. كما أنه سعى بهذا القرار لإعادة التوازن إلى الأولويات القومية الأميركية، في الخارج والداخل. وبالنسبة للولايات المتحدة عامة، يقع العراق اليوم في نقطة وسط بين فيتنام وكوريا.

في هذا العراق، الموصوف بالجديد، ليس ثمة سلطة مناوئة للولايات المتحدة، كالتي ولدت في هانوي/سايغون المتحدة عام 1975. كما لا يوجد، في الوقت ذاته، دور أميركي رئيسي أو كبير، كالذي ثُبت في سول بعد 1953.

إن اتفاقيتي وضع القوات والإطار الإستراتيجي، الموقعتين عام 2008، قد منحتا العراق خصوصية أمنية وسياسية على صعيد علاقته بالولايات المتحدة، إلا أن هذه الخصوصية بقيت في إطار ما يُمكن وصفه "بالحد الأدنى"، قياساً بالتجارب الأميركية في كل من كوريا واليابان وألمانيا، بل حتى إيطاليا.

وعلى الرغم من كونها "حداً أدنى"، فإنها جعلت من العراق رصيداً هاماً في الحسابات الكونية للولايات المتحدة. وهنا، لم يكن سحب القوات في نهاية العام 2011 تعبيراً عن عزوف أميركي.

ومن المفيد أن نشير في هذا السياق إلى أنه قد حدث في الثلاثينيات من القرن العشرين أن قامت الولايات المتحدة ببناء وإعداد القوات الأمنية في كل من هايتي وجمهورية الدومنيكان، لكنها تركت هذين البلدين بمجرد انتهاء هذه المهمة.

وبالطبع، فإن العراق ليس نسخة من تلك التجربة، ولا يقع في سياقها السياسي، إلا أن بعض القواسم المشتركة يُمكن تلمسها الآن.

ثانياً: هل تعود قوات تدريب أميركية للعراق؟
على صعيد الحالة العراقية، لم تنجح المفاوضات الخاصة بإبقاء بعثة تدريبية واستشارية، على النحو الذي جرى الحديث عنه، لأن بغداد لم تقر مبدأ الحصانة القضائية لأفراد هذه البعثة. وهذا هو السبب المباشر أو المتداول.

وعلى الرغم من ذلك، يُمكن للمرء أن يقرأ ما بين السطور ما هو أبعد من قضية الحصانة. ففي المفاوضات التي جرت بشأن توقيع "اتفاقية وضع القوات"، لم يمنح العراق حصانة قضائية، إلا أن الاتفاقية أقرت في نهاية المطاف. وكانت الأساس الذي بني عليه الانسحاب.

لا ريب أن الوقت كان ضاغطاً على المفاوضين في كل من بغداد وواشنطن. فقد كان للجانب العراقي حساباته الداخلية والإقليمية. وكان للطرف الأميركي جدوله الزمني، الذي حرص على أن يكون صارماً لا يتغيّر، باعتباره أحد التزامات أوباما أمام ناخبيه.

وبين حسابات بغداد واعتبارات واشنطن، كانت ثمة فرصة تتدحرج بعيداً عن اللاعبين. فرصة لم تتضح ضرورتها على نحو فوري، لكنها بدت اليوم كثيرة الوضوح. أو هذا على الأقل ما خلصت إليه مقاربات الساسة والمحللين.

وترتبط هذه المقولة، بوجه خاص، بالتعاون الذي كان بالمقدور تعزيزه في مجالات التدريب العسكري وصيانة الأسلحة، وكذلك الخبرات والتكنولوجيا الأمنية ذات الصلة بمواجهة العنف الداخلي.

إن أحد الأسئلة التي جرى طرحها هو: كيف يُمكن للعراق الارتكاز إلى التسليح الأميركي دون وجود مستشارين وفنيين لهم خبرتهم بهذا السلاح؟

وكما بات واضحاً الآن، فإن سلاح المدرعات العراقي سوف يرتكز إلى الدبابة "أبرامز"، في حين سيعتمد سلاح الجو على مقاتلة الجيل الرابع المتعددة المهام (F-16). ويعتزم الجيش العراقي تسليح 60 فوجاً مدرعاً. وهذا يشير مبدئياً إلى نحو 2100 دبابة، ستكون غالبيتها أميركية.

أما القوة الجوية، فتتألف في الوقت الراهن من بضع عشرات من الطائرات الخفيفة، كثير منها مخصص لأغراض المراقبة والاستطلاع. وقد ضاعف العراق صفقة مقاتلات (F-16) لتصل إلى 36 طائرة.

وساعدت الولايات المتحدة الأميركية بغداد على إعادة افتتاح كلية الطيران في تكريت، كما دعمت برنامجاً حكومياً يقوم على تدريب أكثر من 100 طيار عراقي في الأراضي الأميركية، استعداداً لقيادة مقاتلات (F-16).

وفي التاسع عشر من أغسطس/آب 2012، قال رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارتن دمبسي إن العراق أظهر استعداداً لتعزيز العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، وأبدى رغبة في إجراء تدريبات مشتركة، وتدريب ضباط عراقيين لدى المؤسسات الأميركية. ورأى دمبسي أن العراق أدرك أن قدراته بحاجة إلى تطوير، وأنه أضاع فرصة لبناء علاقات أوثق مع الولايات المتحدة.

ويبلغ عدد عناصر الجيش الأميركي المتبقين في العراق حالياً أقل من 200 عنصر، يعملون لمصلحة مكتب التعاون الأمني، الذي أقيم داخل السفارة الأميركية بهدف تنسيق العلاقات العسكرية، وخاصة مبيعات السلاح.

ثمة خطط تسليح أميركية للجيش العراقي، تفوق تكلفتها الإجمالية العشرة مليارات دولار, وتقدم واشنطن بعض الأسلحة للعراق بأسعار مخفضة، أو في صورة هبات

وكان قد تقرر مع خروج القوات الأميركية الاعتماد على خمسة آلاف متعاقد لدى شركات أمنية خاصة لحراسة المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وتوفير مواكب حماية، والقيام بعمليات الإجلاء في حالات الطوارئ،  وإنقاذ الدبلوماسيين الأميركيين في حال تعرضهم لهجوم.

وفيما بدا مساراً جديداً للتعاون، عقد في واشنطن بين 22 و24 مايو/أيار 2012 الاجتماع الأول للجنة الأميركية العراقية للتنسيق الدفاعي والأمني. وصدر عن الاجتماع بيان مشترك، جاء فيه: أن الولايات المتحدة أكدت التزامها بتدريب وتجهيز وتعزيز قدرات القوات المسلحة العراقية، لمواجهة التهديدات الخارجية ومكافحة الإرهاب. وأن البلدين ناقشا عدداَ من خيارات التعاون، منها إجراء مناورات عسكرية مشتركة.

وهناك خطط تسليح أميركية للجيش العراقي، تفوق تكلفتها الإجمالية العشرة مليارات دولار. وتقدم الولايات المتحدة بعض الأسلحة للعراق بأسعار مخفضة، أو في صورة هبات.

ثالثاً: العراق وأمن الطاقة الأميركي
منذ انسحاب القوات من العراق، شكل مستقبل العلاقات الأميركية العراقية محور اهتمام عدد كبير من مؤسسات البحث والتحليل في الولايات المتحدة. وتشير خلاصة الدراسات الصادرة عن هذه المؤسسات إلى أن العراق سيبقى محتفظاً بمكانته المتقدمة في الإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة. وأن واشنطن لا تزال ترتبط ببغداد بعلاقات واسعة، في مجالات الدفاع والاقتصاد والثقافة. وهي علاقات معززة هيكلياً، ويشرف على مسارها عدد كبير من اللجان المشتركة.

وثمة إشارات متكررة إلى "العراق النفطي" الجديد، ودوره المرتقب في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك). وثمة تأكيد على أن موقفه داخل المنظمة سيكون حيوياً لمستقبل السوق النفطية، فهو إما يدفع باتجاه استقراره، وإما يزيد من حالة الاضطراب السائدة فيه. ومن هنا، تبدو ضرورة التعاون الأميركي العراقي في سياسات الطاقة، كما تشير المقاربات الأميركية.

وترى هذه المقاربات أنه عند هذه النقطة تتقاطع مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الدول العربية الأخرى في الخليج، في رؤية عراق معافى، يحقق استقراراً نفطياً، ويعزز أمن الطاقة العالمي.

ويملك العراق احتياطاً مؤكداً من النفط يبلغ 115 مليار برميل. وهو يحتل المرتبة الرابعة عالمياً على هذا الصعيد. وقد أعلن العراق في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2010 أن احتياطاته النفطية ارتفعت إلى 143 مليار برميل.

ووفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن إنتاج العراق النفطي سيتجاوز الستة ملايين برميل يومياً بحلول العام 2020، ارتفاعاً مما يزيد قليلاً على ثلاثة ملايين برميل في أكتوبر/تشرين الأول 2012. ويُعد هذا التقدير متواضعاً، قياساً بتصوّر العراق في الوصول إلى عشرة ملاين برميل يومياً بحلول العام 2017. 

وعلى الرغم من ذلك، فإن المغزى يبقى واحداً على صعيد مقاربة موقع العراق كقوة نفطية في حسابات الولايات المتحدة.

رابعاً: الحرب الأهلية زلزال إقليمي
وعلى الرغم من منظورها المتفائل إجمالاً لمستقبل العراق، تشير بعض هذه الدراسات إلى أن أحد السيناريوهات الذي يجب العمل على تجنبه يتمثل في اندلاع حرب أهلية في العراق، تكون عواقبها كارثية على مصالح الولايات المتحدة.

وتفسر ذلك بالقول إن مثل هذه الحرب قد تقود إلى بروز العراق كدولة ضعيفة وفاشلة، أو حتى مجزأة. وهي قد تولد، من جهة أخرى، حربا أهلية في دولة مجاورة. وربما تقود إلى حرب إقليمية على أشلاء العراق. ويشير الباحثون إلى أنه من المهم للعراق وللمصالح الأميركية، على حد سواء، أن تركز الولايات المتحدة جهودها على تأمين مسار سلمي ومعافى للسياسة الداخلية العراقية.

المهم للعراق وللمصالح الأميركية، على حد سواء، أن تركز الولايات المتحدة جهودها على تأمين مسار سلمي ومعافى للسياسة الداخلية العراقية

في سياق مواز، يدعو الباحثون إلى تعزيز البعد العسكري في اتفاقية الإطار الإستراتيجي. ويرون أن واشنطن يُمكنها أن تبدأ فوراً في تقديم الدعم الأمني التقني للعراق. كما يُمكنها البدء في الإعداد لمناورات عسكرية مشتركة، يكون هدفها التأكد من استعدادات الجيش العراقي لمواجهة هجوم خارجي محتمل. وكذلك مساعدته في تأمين منشآت صادراته النفطية في الخليج العربي.

وتؤكد المقاربات السائدة، من جهة أخرى، على ضرورة أن تشجع الولايات المتحدة على اندماج العراق الكامل في الهياكل العربية القائمة. وترى أن من شأن ذلك المساهمة في تطوير القدرات المؤسسية للدولة العراقية، وتأكيد الهوية القومية المشتركة بين السنة والشيعة في البلاد، على النحو الذي يعزز فرص التعايش الأهلي بين العراقيين.

وإقليمياً أيضاً، ثمة دعوة إلى تعزيز العلاقات العراقية التركية من أجل مساعدة العراق على تحقيق استقراره الداخلي، وتعايشه الأهلي. ويُمكن للولايات المتحدة، في هذا  السياق، أن تستخدم نفوذها في كل من بغداد وأنقرة للدفع باتجاه علاقات أفضل بين البلدين الجارين.

ويجدر التنويه إلى أن تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بمقدورها أن تكون قناة للعراق للحصول على مساعدات الحلف المختلفة، بما في ذلك التكنولوجيا الأمنية المتاحة لدى دوله، والتي يُمكنها أن تدعم الجهود العراقية الخاصة بمواجهة التهديدات الداخلية.

وفي المجمل، هناك تأكيد أميركي مستمر على أهمية انخراط دول الناتو، والأسرة الدولية عامة، في علاقات وثيقة مع العراق، باعتبار ذلك طريقاً فعّالاً لتحقيق استقراره الوطني وأمنه الاجتماعي، وعودته للنهوض بدوره الكامل كدولة ذات سيادة.  

وما يُمكن استنتاجه اليوم هو أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن دورها في العراق. وأن هذا الدور قد جرت إعادة إنتاجه على نحو ينسجم وعودة بلاد الرافدين كدولة كاملة السيادة. وأن إعادة ترتيب سلم أولويات السياسة الخارجية الأميركية لم تحد من مكانة العراق فيها. وإن هذه المكانة لا تزال تتصف بمضمون إستراتيجي فائق ومتقدم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة