وثيقة الإصلاح.. وتجديد الحياة السياسية الكويتية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/محمد الرميحي

قد يبحث المتابعون عن الأسباب الأساسية التي دفعت أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح لتكليف وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بتشكيل الوزارة الواحدة والعشرين، والتي كانت رئاستها محسومة تقليديا لولي العهد منذ بدأ تشكيل الوزارة في الكويت مع العمل بالدستور القائم والصادر سنة 1962.


بعد تحرير الكويت أصدر بعض أفراد الأسرة الحاكمة من الشباب وثيقة طالبوا فيها بالكثير من الخطوات الإصلاحية، وأشاروا إلى أن الكويت تدخل بعد التحرير مرحلة "الدولة الثانية"
الحقيقة الأساس هي مرض ولي العهد الكويتي الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح الذي لم يمكنه من متابعة مسؤوليات حكم البلاد، وهو الرجل الذي أجمع الكويتيون سابقاً على ما له من قدرة على المتابعة وماله من جلد طويل. وقد كان دوره أثناء الغزو العراقي للكويت مميزا، حيث خف في الساعات الأولى لاصطحاب أمير البلاد إلى المملكة العربية السعودية، ولولا فعله ذاك لتمكنت قوات الاحتلال من تنفيذ خططها ضد الشرعية الكويتية.

لقد تقلد الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح رئاسة الوزراء بعد وفاة الشيخ صباح السالم الصباح في 31 ديسمبر/ كانون الأول 1977، وارتقاء الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح (الأمير الحالي، وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء آنذاك) سدة الحكم، أي أنه بقي في رئاسة الوزراء ما يناهز ستة وعشرين عاما متصلة خطت فيها الكويت خطوات كبيرة وصادفت أزمات قاسية.

واكب كل هذه السنوات الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وهو أقدم وزير للخارجية في العالم حتى اليوم والذي تسلم رئاسة الوزراء في الكويت مؤخرا. ويعد الشيخ سعد والشيخ صباح من أقدم أهل الحكم في الكويت، إذا استثنينا أمير البلاد. أما باقي الوزراء حتى من الأسرة الحاكمة فهم جدد نسبيا على الحكم فلم يستقروا فيه سنوات إلا ليتغيروا بعدها، الأمر الذي جعل الكثير من المراقبين السياسيين في الكويت يدعون إلي تهيئة جيل جديد قادر على مواصلة المسيرة كما ارتضاها الكويتيون، متسامحة ودستورية نظيفة اليد والقلب، تراعي مصالح الطيف الاجتماعي الكويتي المتنوع دون تحيز أو تفرقة.

ومنذ أن تم تحرير الكويت من الاحتلال العراقي سنة 1991، بات الأمر القائم أكثر إلحاحا، إلى درجة أن بعض أفراد الأسرة الحاكمة من الشباب أصدروا وثيقة بتاريخ 13 يوليو/ تموز 1992 (أي قبل إحدى عشرة سنة من تاريخ تكليف الشيخ صباح بتولي رئاسة الوزراء)، طالبوا فيها بالكثير من الخطوات الإصلاحية، وأشاروا إلى أن الكويت تدخل بعد التحرير مرحلة "الدولة الثانية".

ونصت الوثيقة على اثني عشر بندا، منها المطالبة بنبذ أي تمييز طائفي أو عائلي أو مذهبي، وأن الكويت كل واحد، فيه المواطنون سواسية، وكذلك أن الدستور الذي اتفق عليه أهل الكويت قد أنصف الحاكم والمحكوم. ولابد من التمسك به والحفاظ عليه، ومن ثم فإن الحرية والديمقراطية مسألة تتطلب التواؤم و التلاؤم معها بعقل أكثر انفتاحا وبمنهج أكثر انضباطا وحيادا.

وتذهب تلك الوثيقة الهامة لتطالب بتوسيع القاعدة الانتخابية في الكويت وتهيئة المجتمع لحقوقه وواجباته، وذلك يتطلب في رأي الوثيقة (وعيا كاملا لأبناء النظام) بالدستور والقوانين، ثم المطالبة ببناء دولة المؤسسات حيث لا تتغير السياسات بتغير الأفراد.

لقد كانت تلك الوثيقة حديث الشارع الكويتي وقتها ونشرت على نطاق واسع، وبعد فترة زمنية قصيرة دخل بعض موقعيها من أبناء الأسرة الحكومة، أو أصبح بعضهم أكثر تأثيرا في قراراتها.

لقد كانت تلك الوثيقة دليلا على تململ في أوساط الشباب من الأسرة ومحاولة للحث على التغيير، ليس في الأشخاص فقط ولكن في الرؤى والاقتراب من المشكلات لمجتمع يتغير بسرعة وتتغير متطلباته الحياتية، وهو رأي لم يكن بعيدا عن التجمعات السياسية والأفراد الواعين في المجتمع ككل.

إلا أن جوهر تلك المطالبات لم يتحقق حتى الآن، فالانتخابات النيابية الأخيرة (5 يوليو/ تموز 2003) جرت على قاعدة ضيقة للكويتيين. وفقط 15% من الكوبيتين كان يحق لهم الانتخاب، إذا استثنيت المرأة نصف المجتمع، والمواطنون فوق سن الثامنة عشرة ودون الواحدة والعشرين، والعاملون في قطاع الشرطة والجيش. فالمساواة القانونية لم تتحقق بعد بشكل كامل، والكويت هي الوحيدة في العالم التي تسمح للانتخاب وتمنع نصف مجتمعها من ذلك وهو المرأة.

ولقد انتشر لغط كبير لا يزال يناقش في الصحف الكويتية حول الانتخابات الأخيرة، فمعظم النواب الذين وصلوا إلي سدة البرلمان لم يكن حظهم أكثر (في الأغلب الأعم) من 20% من الأصوات في الدوائر المختلفة، وفقط مرشح واحد حصل على 40% من الأصوات في دائرته. يعني ذلك أن الذين قدر لهم الوصول إلي البرلمان هم في الحقيقة يمثلون أقلية في دوائرهم بسبب تشتت الأصوات، كما أثير لغط كبير -نشر أيضا في الصحف- حول طرق مالية وخدمية مختلفة أوصلت البعض إلي مقعد البرلمان.


المجتمع الكويتي يريد التغيير إلي الأفضل، ولديه القدرة لصناعة المجتمع الجديد المأمول الذي طالبت به وثيقة شباب الأسرة مما ينقل الكويت من مجتمع ريعي إلي مجتمع منتج
حقيقة القول إن كثيرا من المراقبين للمشهد السياسي الكويتي يرون أن هناك استحقاقات كبيرة لابد أن تواجه في الساحة السياسية الكويتية عاجلا، منها أولا إصلاح قوانين الانتخاب عن طريق تمكين أغلبية المجتمع من المشاركة (المرأة والمواطنين فوق سن الثامنة عشرة) وتوسيع الدوائر الانتخابية، إما بجعل الكويت دائرة واحدة أو العودة إلي الدوائر العشر السابقة التي بدأت بها التجربة الكويتية. ومن ثم اشتراط نسبة معينة معقولة من الأصوات لتمكين المرشح من دخول الندوة البرلمانية، وبالتالي يصبح هذا الجسم البرلماني هو قاعدة حقيقية للتشريع بدلا مما هو قائم. وحسب تصريح نائب رئيس مجلس الأمة السابق وعضو مجلس الأمة الحالي الأستاذ مشاري العنجري، فإن الوضع البرلماني الحالي في الكويت هو أن "النائب رهينة الناخب والوزير رهينة النائب" وهو قول يوافق عليه كثيرون في الكويت.

ولا يوجد نقص في الرجال أو العقول في الكويت من أجل مواجهة التحدي الكبير الذي ينتظرها من الداخل والخارج ولا سيما فهم المتغيرات والتحديات الكبيرة، والتغيير في العراق هو أحدها، كما أن التغيير في رؤية المواطنين لما حولهم هو تحد آخر.

لقد تسرع البعض في الحكم على البرلمان الجديد، بعد انتخابات الخامس من يوليو الحالي، فقال بعضهم إن هناك خسارة كبيرة لليبراليين، وقال البعض إن هناك خسارة للإسلام السياسي، والبعض قرأ النتائج وكأنها انتصار للإسلام السياسي المعتدل إذا صح التعبير. إلا أن القراءة الحقيقية هي أن الناس توجهت على قلة حيلتها إلي التغيير، وأن الكثيرين من الذين فازوا لم يكن يفصلهم عن المهزومين -الذين جاؤوا بعدهم مباشرة في الترتيب- إلا عدد قليل من الأصوات. فأصوات هؤلاء قريبة من المهزومين بدرجة خطيرة تتراوح فروقها في الغالب بين عشرين صوتا ومائة صوت فقط. أما الظاهرة الأخرى فإن الكثير من الناخبين فضلوا التصويت للتغيير وانتخبوا الشباب أيضا.

من هذه القراءة يستطيع المتابع أن يستنتج أن المجتمع الكويتي يريد التغيير إلى الأفضل، ولديه من الثروة البشرية اليوم ما يمكنه من فعل ذلك. بقيت الخطوة السياسية الأهم وهي تمكين هذه القدرة البشرية على خلفية قانونية ومساواتية بأن تقوم بدورها في صناعة المجتمع الجديد المأمول، والذي طالبت به وثيقة شباب الأسرة منذ حوالي عشر سنوات لتفعيل دور الكويت السياسي والحضاري، الذي بدأ مع الاستقلال مشعا ورائدا في مجالات كثيرة ثقافية وعلمية وسياسية واجتماعية. ذلك هو التحدي الكبير الذي ينقل الكويت كما تريد الأغلبية من مجتمع يعيش على الريع إلي مجتمع منتج متفاعل تحوطه ديمقراطية متسامحة وترعاه قلوب وعقول متيقظة، فهل يفعل؟
ــــــــــــــــــ
* كاتب كويتي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة