السودان وتداعيات 11 سبتمبر   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ د. عبد الوهاب الأفندي*

- حكومة "الإنقاذ" والجوار العربي
-
الإسلاميون والسعودية التقاء فاختلاف
- بن لادن في حقبته السودانية
- تعاون وثيق بين الخرطوم وواشنطن


حكومة "الإنقاذ" والجوار العربي

بدأت العلاقة بين أسامة بن لادن والحكومة السودانية على خلفية التوتر في العلاقات السودانية
-السعودية بسبب الموقف من حرب الخليج. وكانت الخلافات قد سبقت الحرب في الحقيقة، إذ كان للسعودية ومصر وعدد من الدول العربية المشرقية موقف من حكومة الصادق المهدي (1986 - 1989) بسبب علاقاتها الوثيقة مع ليبيا وإيران وما كان يعتقد أنه تعنتها الذي أدى إلى استمرار الحرب الأهلية.

وزاد الخلاف بعد دخول الإسلاميين ممثلين في الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي في حكومة الصادق الائتلافية في صيف عام 1988. وقد أدى ذلك إلى حجب الدعم العربي الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي عن تلك الحكومة مما كان له أثر مهم في انهيارها.

ولكن الترحيب العربي بحكومة الفريق عمر حسن أحمد البشير التي وصلت إلى السلطة في يونيو 1989 في انقلاب تحت مسمى ثورة الإنقاذ الوطني تحول إلى ريبة وحذر

الترحيب العربي بحكومة البشير التي وصلت إلى السلطة في يونيو 1989 تحول إلى ريبة وحذر بعد تزايد الدلائل على دور الإسلاميين فيها
بعد تزايد الدلائل على دور الإسلاميين فيها. وكانت الحكومة السودانية اتهمت بعض الدول العربية، أبرزها مصر والكويت بدعم المعارضة السودانية، مما زاد في توتر العلاقات. وفي المقابل كان العراق هو الدولة العربية الوحيدة التي واصلت تقديم الدعم العسكري للحكومة السودانية، ولهذا السبب فإن السودان اتخذ موقفا معارضا للتحالف الذي قادته أميركا ضد العراق.
ولعب الدكتور الترابي دورا مهما مع بعض قادة الحركة الإسلامية في الجهد الشعبي والدبلوماسي المعارض للحرب، حيث قام بجولات مكوكية شملت العراق وإيران والأردن والسعودية، ولم تقتصر لقاءاته هناك على المسؤولين، بل شملت لقاءات مع قادة وأعضاء الحركات الإسلامية في تلك البلدان.

الإسلاميون والسعودية التقاء واختلاف

وفي الوقت الذي أغضبت فيه تلك المواقف السودانية الحكومات العربية المنضوية تحت لواء التحالف، فإنها لقيت قبولا لدى الإسلاميين السعوديين، وكان غزو العراق للكويت قد أوقع الإسلاميين السعوديين في قدر كبير من الحيرة، لأنه وضع على المحك موقفهم المعتاد المؤيد للحكومة السعودية. وقد كانت للإسلاميين العرب عموما والسعودية خصوصا أسباب كثيرة للتقارب مع السعودية، التي وقفت في الستينيات ضد الحكومات الراديكالية التي اضطهدت الإسلاميين، كما أنها منحت المأوى للإسلاميين. وظلت تطبق الشريعة الإسلامية، مطلب كل الإسلاميين، وتدعم القضايا الإسلامية حول العالم.

وإذا كان بعض الإسلاميين خارج السعودية اختلف معها على موقفها من الثورة الإيرانية ودعمها للعراق في حربه ضد إيران، فإن الإسلاميين السعوديين ذوي التوجه السلفي كانوا في انسجام تام مع الموقف الرسمي في هذا الهدف وقد زاد هذا الانسجام بسبب موقف السعودية من الحرب في أفغانستان وتشجيعها للجهاد ضد الروس هناك.

ونظرياً لم يكن الموقف من غزو الكويت يشكل أي معضلة للإسلاميين السعوديين فالعراق دولة علمانية، إن صح تأييده ضد إيران الشيعية من منطلق مذهبي، فإن الأمر يختلف في حال الكويت قاطعاً وحاسماً في هذا الخصوص. وقد واجه موقف السعودية بعض الاضطراب لحين تدخل سفر الحوالي بمحاضرة شهيرة جعل فيها الوجود الأميركي، لا الغزو العراقي، محور النقاش. وقد تبلور الموقف الإسلامي السعودي خاصة بعد نهاية الحرب في ربيع عام 1991، وأصبح معارضاً بوضوح للوجود الأميركي والسياسة الرسمية السعودية، مما مهد لصدام مع الحكومة لم يتأخر.

بن لادن في حقبته السودانية

تابع أسامة بن لادن تلك التطورات، وتحول موقفه بسرعة من مؤيد للموقف السعودي الرسمي لدرجة أنه عرض التطوع لدعم المجهود الحربي إلى معارض محظور عليه السفر إلى الخارج. وفي نهاية عام 1991 وبداية 1992 تمكن بن لادن من الحصول على إذن بالسفر بحجة الذهاب إلى أفغانستان لتسوية بعض أموره المالية، ولكنه توجه من هناك إلى الخرطوم.

وليست هناك معلومات مؤكدة عن اتصالات مسبقة بين بن لادن والمسؤولين السودانيين قبل قدومه إلى الخرطوم، ولكن الدعاية السعودية الكثيفة المعادية للسودان في الإعلام الرسمي كانت وحدها كافية لإقناع أي معارض سعودي بأن السودان يصلح ملاذاً آمناً، وبالفعل فإن أحد الطيارين السعوديين لجأ بطائرته الحربية إلى الخرطوم أثناء حرب الخليج تحديداً بسبب تصوير الإعلام السعودي السودان بأنه بلد مناوئ. وعلى كل حال فإن بن لادن لم يكن في تلك المرحلة قد جهر بالعداء للنظام السعودي.

وكان السودان قد اتخذ عدة خطوات في مطلع عام 1992 جعلته يبدو ملاذاً طبيعياً لكل الإسلاميين المضطهدين، حيث قام بإلغاء تأشيرة الدخول عن كل المواطنين العرب، وفتح أبوابه للمستثمرين العرب. وفي نفس تلك الفترة تم إنشاء المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي أبريل 1992 مظلة للتنسيق بين التنظيمات الإسلامية والقومية العربية من كل الدول العربية وأكثر من ثلاثين دولة إسلامية أخرى.

تحفظات وتباينات
وإذا كانت هذه التطورات خلقت مناخاً مناسباً لتعميق الصلات مع الحركات الإسلامية حول العالم، فإن الأمر لم يكن كذلك تلقائياً مع الحركة الإسلامية السعودية.

  • أولاً لأن هذه الحركة لم تكن مسيسة ولا موحدة أو متماسكة.
  • وثانياً لأن التوجه السلفي السائد في السعودية لا يتماشى تماماً مع الوضع السوداني الذي يغلب فيه التدين الصوفي، وتتميز حركته الإسلامية بكثير من التسامح مع الصوفية من جهة ومع المفاهيم الغربية والليبرالية من جهة أخرى.
  • وثالثاً لأن التحالف الإسلامي القومي الذي سعى السودان لإنشائه كان صادماً لكثير من التيارات الإسلامية، بسبب اشتماله على فصائل ماركسية من فلسطين واليمن وقومية كأحزاب البعث في سوريا والعراق إضافة إلى أحزاب حاكمة مثل اليمن، وليبيا، والعراق، إلخ..

دعم مشروط.. وحذر

كان قدوم بن لادن إلى السودان مسعى للإقامة والاستثمار، ولم يكن له نشاط سياسي معروف، سواء ضد السعودية أو أي بلد آخر. ولم تكن الحكومة قلقة بصورة خاصة لوجوده هناك، بل إن أول عمل كبير يساهم فيه كان بناء مطار بورتسودان، وهو مشروع مدعوم بقرض سعودي رسمي. فالمأخذ الأكبر على بن لادن لم يكن من السعودية، بل من مصر
لكل هذا فإن دعم التيار السعودي الإسلامي للوضع في السودان كان حذراً ومشروطاً، واقتصر في أول الأمر على قيام بعض الشخصيات ذات الميول الإسلامية باستثمارات في السودان لفائدة الطرفين، وهو تقليد مقبول عند النظام السعودي منذ أن أنشأ الأمير محمد الفيصل بنك فيصل الإسلامي في الخرطوم عام 1976 وتبعه كثيرون للاستثمار في البلاد.

وقد كان قدوم بن لادن إلى السودان في أول أمره في إطار هذا التقليد حيث سعى للإقامة والاستثمار، ولم يكن له نشاط سياسي معروف، سواء ضد السعودية أو أي بلد آخر. ولم تكن الحكومة قلقة بصورة خاصة لوجوده هناك، بل إن أول عمل كبير يساهم فيه كان بناء مطار بورتسودان، وهو مشروع مدعوم بقرض سعودي رسمي. فالمأخذ الأكبر على بن لادن لم يكن من السعودية، بل من مصر، ذلك أن بن لادن استقدم مجموعة من رفاقه السابقين في الجهاد الأفغاني ووظفهم في أعماله في السودان. وقد واصل هؤلاء الذين كانوا ينتمون لتنظيمات مختلفة نشاطهم السياسي من موقعهم الجديد.

وسواء أكان بن لادن والحكومة السودانية على علم بهذا النشاط أم لا، فإن الانتقادات الحادة الواردة من القاهرة وعواصم أخرى، وخاصة واشنطن ولندن، قد نبهت كل غافل على أن هناك أموراً تجري تبعث على القلق. وقد اعتصمت الحكومة السودانية في أول الأمر بالإنكار... إنكار وجود العناصر المعارضة، أو قيام الموجودين في السودان بأعمال إرهابية أو غيرها من الأنشطة المعادية.

واشنطن غير مهتمة
ولم تكن واشنطن تولي بن لادن اهتماماً يذكر أثناء وجوده في السودان. وبحسب المسؤولين السودانيين فإن الولايات المتحدة لم تناقش قضية بن لادن مع الخرطوم، وهو ما أكده سفير واشنطن السابق في الخرطوم، ولكن أبرز اتهام لبن لادن أنه يمول بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة. وقد كشف في وسائل الإعلام بعد أحداث سبتمبر الماضي أن السودان كان قد عرض على أميركا تسليم بن لادن أو على الأقل نوعا من التعاون الأمني يحاصر نشاطه ويشل حركته، ولكن أميركا حسب تلك الروايات رفضت تسلمه لعدم وجود أدلة ضده تكفي لإدانته في محكمة أميركية، واقترحت بالمقابل تسليمه للسعودية التي رفضت بدورها تسلمه، خاصة بعد أن اشترط السودان ضمان سلامته.

اتهامات متعددة
تراوحت الاتهامات غير المؤكدة ضد بن لادن بأنه كان على صلة بمجموعة نفذت ضربة ضد مركز تدريب للحرس الوطني في الرياض آواخر عام 1995 راح ضحيته خمسة أميركيين، وأنه ساهم في تمويل حادثة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو عام 1995، إضافة إلى تمويل الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر وهو اتهام أكدته مصادر جبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر.

بن لادن من جهته نفى الاتهامات في حينها في مقابلة مع مجلة تايم الأميركية مايو 1996 قائلاً إن كون البعض تدرب معه للجهاد في أفغانستان لا يعني أنه كان مسؤولاً عن أعمالهم بعد ذلك. وحذر فيما يشبه النبوءة من توجيه الاتهامات لكل المجاهدين الأفغان ووضع ظهورهم إلى الحائط، لأن ذلك سيدفعهم إلى القتال. وفي ذلك الحين كانت المصادر الغربية تشكك في الاتهامات ضده خاصة أنها أخذت من عناصر يرجح أنها أعطتها تحت التعذيب.

السودان يواجه حملة دولية
ولكن الخرطوم كانت تتعرض حينها لحملة شرسة بدأت صيف 1993 إذ وضع اسم السودان على القائمة الأميركية للدول التي تدعم الإرهاب، وتم تكثيف الضغوط بعد أن فرض مجلس الأمن عقوبات على السودان في أبريل 1996 بتهمة التستر على مطلوبين في محاولة اغتيال الرئيس محمد حسني مبارك في أديس أبابا. وأتبع ذلك دعم الولايات المتحدة ودول الجوار لهجمة مسلحة كبرى لقوات المعارضة من ثلاثة محاور آخر عام 1996 وأوائل عام 1997. وقد شعرت الحكومة بحالة من الحصار دفعتها للتحرك باتجاه تسوية خلافاتها مع الولايات المتحدة والسعودية ومصر وغيرها من دول المنطقة، وكانت المساومة حول مصير أسامة بن لادن وتسليم كارلوس لفرنسا عام 1994 جزءاً من هذه المحاولات.

تحولات داخل السعودية
وفي تلك الفترة نفسها كانت السعودية تشهد تحولات داخلية مهمة بدت نذرها مع أزمة الخليج التي أنتجت تساؤلات حول طريقة إدارة الأمور في المملكة. وكان مصدر بعض هذه التساؤلات الإعلام العربي الذي طفق يثير مسألة الدعم الغربي للنظام السعودي المفتقر للديمقراطية. وقد رد المسؤولون الأميركيون بتصريحات أكدوا فيها أنهم يدعمون الإصلاح السياسي في الخليج ويدعون إليه. واستبشرت العناصر الإصلاحية الليبرالية خيراً بهذه الوعود، فتقدم نفر منهم بمذكرة للحكومة تطالب بإصلاحات، كما تظاهرت نساء للمطالبة بحق قيادة السيارة. ودفع هذا بالعناصر الإسلامية وعلى رأسها مجموعة من العلماء الشباب إلى تقديم مذكرات متتالية تطالب بدورها بإصلاحات ذات طابع إسلامي. وأدى هذا إلى توتر بين الحكم والقاعدة الإسلامية التي كانت تدعمه في السابق، تحول إلى مواجهة بعد إعلان إنشاء هيئة الدفاع عن الحقوق الشرعية بعام 1993، وما تبع ذلك من اعتقالات وتحول الهيئة للعمل من المنفى في بريطانيا.

ولم يكن لبن لادن دور في هذه الحركة، ولكنه تأثر بها إلى حد اتخاذ قرار بإنشاء منظمة أطلق عليها هيئة النصيحة والإصلاح في عام 1994، أنشأت بدورها مكتباً في لندن العام التالي. ويقول السعوديون إن بيانات من هذه الهيئة وجدت لدى المتهمين بتنفيذ عملية الرياض واعترفوا بالتأثر بها. ولكن الثابت أن الهيئة لم تتعد حينها الدعوة للإصلاح بالحسنى. ولم تعهد عن بن لادن تصريحات علنية مباشرة ضد النظام، وإن كان تحدث لبعض الصحافيين عن مآخذه على الحكم، وأكد أن سبب لجوئه إلى السودان في عام 1991 كان ما تعرض له من تضييق وعسف. وقد كانت الحكومة السعودية بدورها تطمح إلى استمالته، وقد بذلت جهوداً مكثفة للضغط عليه للعودة، كان معظمها عن طريق أفراد أسرته، وخاصة والدته التي جاءت إلى الخرطوم متوسلة إليه ليعود.

سحب الجنسية السعودية من بن لادن

بن لادن تطوع باقتراح المغادرة وهو يأمل أن يسمع من مضيفيه السودانيين ما يطمئنه إلى أنه مايزال محل ترحيب، وصدم كثيراً حينما وجد اقتراحه قبولاً فورياً وحماسياً
ولكن بن لادن رفض جميع تلك الجهود، وانتهى الأمر بأول إدانة سعودية علنية له رافقت سحب الجنسية عنه في عام 1994. ولكن السعودية لم تطالب السودان بإخراجه، أولاً لأنه لم يكن واضحاً إلى أين سيذهب، وثانياً لسهولة الضغط على السودان، وهو أمر أكده أن بن لادن لم يجاهر بمعاداة السعودية أو الدعوة إلى العنف طوال وجوده في الخرطوم.

وتزايدت الضغوط على السودان في ذلك الحين إلى درجة جعلت بن لادن نفسه يشعر بالحرج. وقد استشعر بن لادن من بعض الإشارات السودانية أن الحكومة أصبحت تفضل لو أنه غادر، وتقول بعض المصادر إن بن لادن تطوع باقتراح المغادرة وهو يأمل أن يسمع من مضيفيه السودانيين ما يطمئنه إلى أنه مايزال محل ترحيب، وصدم كثيراً حينما وجد اقتراحه قبولاً فورياً وحماسياً.

كان بن لادن يعتقد أن دعمه للحكومة السودانية والتزامه الحدود التي رسمتها له، إضافة إلى واجب التناصر بين الإسلاميين سيجعل الحكم في السودان يتخذ موقفاً مبدئياً وحاسماً بالوقوف إلى جانبه، ولكنه أخطأ الحساب على ما يبدو، ولم يدرك إلا بعد فوات الأوان أن حسابات الدول تختلف عن حسابات الأفراد، فمهما كانت مساهمات بن لادن في دعم الحكومة السودانية فإن ما جلبه من مخاطر كان أكبر بكثير.

نشاط بن لادن في السودان

ترك بن لادن السودان وهو غاضب وممتلئ بالمرارة لما اعتبره جحوداً ونكراناً للجميل
نشاط بن لادن العلني في السودان اشتمل على إنشاء شركات كان من أهمها شركة الهجرة للتشييد، والتي قامت ببناء بعض الطرق والمنشآت الأخرى، وشركة طابا التجارية وشركة الثمار للمنتجات الزراعية. وكل هذه كانت أعمالا تجارية عادية، بمعنى أن عائدها كان يذهب لمصلحة بن لادن نفسه، فيما عدا أن بعض المعاملات كانت في شكل قروض للحكومة. وهناك معلومات أن بن لادن قدم أيضاً قروضاً مباشرة للحكومة، ولم يتمكن من استرداد معظم هذه القروض قبل مغادرته المفاجئة لأفغانستان. وقيل إن الحكومة عرضت عليه محاصيل زراعية مقابل ديونه المقدرة ببضع عشرات الملايين من الدولارات ولكنه استهجن الفكرة، وترك السودان وهو غاضب وممتلئ بالمرارة لما اعتبره جحوداً ونكراناً للجميل.

تضاربت التقديرات بشأن عدد الأفغان العرب الذين أقاموا في السودان على عهد بن لادن، وتفيد بعض التقديرات الرسمية أنهم كانوا في حدود ثلاثمائة شخص. ولكن بطانة بن لادن من هؤلاء لم تتجاوز الخمسين، أما البقية فكانوا إما مجرد موظفين في شركات أو مقيمين في السودان بصفة مستقلة عنه. وقد ترك جميع هؤلاء السودان بعد مغادرته، إما لأنهم أبعدوا أو تعرضوا لضغوط، أو لأنهم فقدوا مصدر رزقهم بعد إغلاق شركات بن لادن وتصفية أعماله.

علاقة وثيقة مع الترابي
وفي أثناء وجوده في السودان لم تكن لبن لادن علاقة مع محيطه السوداني لإحاطته بسياج أمني محكم من أتباعه وأجهزة الأمن السودانية، ولكنه كان على علاقة وثيقة مع الدكتور الترابي ومجموعة صغيرة من الإسلاميين. وتتركز التحقيقات الأميركية الآن على ما إذا كان لبن لادن ومجموعته بقايا أو ذيول في الخرطوم. وكانت الولايات المتحدة قصفت مصنعاً للأدوية في أغسطس عام 1998 بعد نسف سفارتيها في نيروبي ودار السلام في ذلك الشهر، بحجة أن بن لادن كان يمتلك أسهما في ذلك المصنع، وأن المصنع كان ينتج مركبات أسلحة كيماوية، وقد ثبت بعد ذلك عدم صحة هذه الادعاءات. وقد وضعت الإدارة الأميركية بنك الشمال الإسلامي وهو بنك سوداني أسس برأسمال محلي قبل وصول بن لادن للسودان، على قائمة المؤسسات المحظورة لعلاقاتها بالإرهاب، وذلك بحجة أن بن لادن يملك أسهما فيه. ولكن مسؤولي البنك نفوا ذلك وقالوا إن إحدى شركات بن لادن كان لها حساب في البنك ولكنه أغلق.

تعاون وثيق بين الخرطوم وواشنطن


الحكومة السودانية اجتهدت في التعاون مع الإدارة الأميركية في حملتها ضد بن لادن ومجموعته لدرجة استحقت الإشادة من الإدارة الأميركية. وليس سراً أن الحكومة السودانية كانت منذ منتصف التسعينات تبحث عن فرصة مثل هذه تثبت فيها للولايات المتحدة حسن نيتها
على كل فإن الحكومة السودانية اجتهدت في التعاون مع الإدارة الأميركية في حملتها ضد بن لادن ومجموعته لدرجة استحقت الإشادة من الإدارة الأميركية. وليس سراً أن الحكومة السودانية كانت منذ منتصف التسعينات تبحث عن فرصة مثل هذه تثبت فيها للولايات المتحدة حسن نيتها. ولهذا فقد اجتهد المسؤولون السودانيون في الاستجابة لكل طلب أميركي للتزويد بالمعلومات أو لحظر منظمات أو إبعاد أشخاص. انتهز السودانيون أيضا الفرصة لتزويد الإعلام الغربي بتفاصيل مساعيهم المستمرة لمساعدة الأميركيين أمنياً، والصد الذي قابلت به إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون هذه الجهود.

تحمس وتعثر
وإذا كانت الإدارة الأميركية الحالية تحمست للتعاون مع الخرطوم، فإن هناك ردة فعل غير رسمية مضادة تكشف عن الأسباب التي دفعت إدارة كلينتون للتردد في قبول عروض السودان للتعاون الأمني. فقد أثار التقارب الجديد بين واشنطن والخرطوم غضب مجموعات ضغط نافذة، أبرزها اليمين الديني وجماعات حقوق الإنسان التي تتهم الخرطوم باضطهاد مواطنيها المسيحيين وبانتهاكات متكررة لحقوق الإنسان. وقد ناشدت هذه المجموعات إدارة الرئيس جورج بوش بألا تترك التعاون الأمني يعميها عن فظائع حكومة الخرطوم. ووصفت ما تقوم به الحكومة السودانية في مذكرة إلى الرئيس بوش وقعتها مائة شخصية تمثل منظمات دينية وحقوقية ومدنية في نوفمبر الماضي.

تعاون سري أيام كلينتون
وكانت إدارة الرئيس كلينتون قد بدأت تعاوناً أمنياً سرياً مع الحكومة السودانية منذ مارس عام 2000، اشتمل على إرسال فرق تفتيش من المخابرات الأميركية ومكتب التحقيقات الفدرالي للتحقق من عدم وجود بنية تحتية لدعم الإرهاب في السودان، وأيضاً للحصول على أكبر قدر من المعلومات عن المنظمات الإسلامية المتشددة، وقد بلغ الرضى الأميركي عن هذا التعاون حداً جعل الولايات المتحدة تدعم رفع العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عام 1996 على السودان، وتقوم بتعيين مبعوث جديد للسلام في السودان هو السيناتور السابق جون وانفورث. وقد تم اتخاذ كل هذه الخطوات في سبتمبر الماضي.

اطمئنان أميركي للسودان

الولايات المتحدة مطمئنة إلى أن السودان لم يعد يشكل تهديدا لها على جبهة الإرهاب، بل على العكس، يتلهف للتعاون معها في هذا المجال.. ومن الممكن القول بأن السودان نجا إلى حد ما من شباك الحملة الأميركية على الإرهاب، ولكنه لم ينج بعد من حملات أميركية أخرى
يمكن أن يقال إذن أن الولايات المتحدة مطمئنة إلى أن السودان لم يعد يشكل تهديدا لها على جبهة الإرهاب، بل على العكس، يتلهف للتعاون معها في هذا المجال. ولكن الإدارة الأميركية تواجه ضغوطاً متزايدة لاتخاذ خطوات جديدة ضد الحكومة السودانية، على الأقل على صعيد رفع الفيتو ضد تشريعات أميركية جديدة تشدد العقوبات الاقتصادية على السودان وتقدم دعماً مباشراً رسمياً للمعارضة لأول مرة. وفي الوقت الحالي تسعى الإدارة الأميركية للتوفيق بين التوجهين والدخول مباشرة على خط تسوية الصراع في الجنوب. وقد قدم المبعوث الأميركي الجديد إنذاراً لأطراف الصراع وهو في حقيقته إنذار للحكومة باتخاذ خطوات جادة في سبيل السلام بحلول منتصف يناير الجاري أو مواجهة العواقب المترتبة على ذلك.

وعليه فمن الممكن القول بأن السودان نجا إلى حد ما من شباك الحملة الأميركية على الإرهاب، ولكنه لم ينج بعد من حملات أميركية أخرى قد يكون شعارها حقوق الإنسان أو وقف الاضطهاد الديني.

_______________
*كاتب سوداني مقيم في لندن

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة