هل المصالحة الوطنية في العراق ممكنة؟   
الأربعاء 1430/8/14 هـ - الموافق 5/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 18:54 (مكة المكرمة)، 15:54 (غرينتش)
فاضل الربيعي


كل ما قام به الأميركيون في نهاية يونيو/حزيران هذا العام (2009) هو وبجملة واحدة، "ما يشبه الانسحاب" من المدن العراقية، وهم يأملون من وراء ذلك أن تتوفر الفرص والظروف الملائمة لتحقيق "ما يشبه مصالحة وطنية"، يمكن أن تعبر عن نفسها في "ما يشبه عملية سياسية جديدة" تخرج العراق من مأزق الفوضى.

هذا هو التوصيف الحقيقي لما جرى ويجري اليوم، بوصف الوضع القائم وضعا مركبا تترابط فيه الملفات العالقة. وسوف يكشف أي تحليل نزيه وموضوعي لمسألة انسحاب قوات الاحتلال الأميركي من هذا البلد تعيس الحظ، مبكرا وسريعا -كما تريد إدارة أوباما- عن وجود ثلاثة عناصر متلازمة، يستحيل تخطي أو إسقاط أي عنصر منها.

"
كل ما قام به الأميركيون على جبهة السياسة لا يتجاوز في دلالاته ما قاموا به على جبهة الانسحاب العسكري, وهذا يعني أنهم لن يحصلوا إلا على ما يشبه عملية سياسية، سوف يعجز أربابها عن تحقيق اختراق سياسي ملموس في الحالة العراقية
"

العنصر الأول، ورغم التضخيم الإعلامي والضجيج السياسي الذي بلغ في بعض الحالات درجة الخداع والترويح لمزاعم عن "انسحاب من العراق" وليس من المدن فإن الأميركيين لم يقوموا فعليا إلا بانسحاب تكتيكي "محدود" وربما وهمي، أي "بما يشبه الانسحاب من المدن"، حسب ما نقل عن شهود عيان، مثلا، عندما قرر الأميركيون سحب بعض الوحدات العسكرية من قلب مدينة الموصل فإنها انتقلت من معسكرها الصغير في المدينة إلى قاعدة الغزلانية، وهي معسكر ضخم للجيش العراقي السابق في قلب مدينة الموصل؟ وهكذا فإن تغيرا حقيقيا على الأرض وفي السماء لم يحدث.

وأما بصدد العنصر الثاني المتعلق بالحل السياسي، أي بإطلاق عملية سياسية جديدة تعبر عن نفسها في "مصالحة شاملة" بين العراقيين، تنهي خلافاتهم وانقساماتهم فإن كل ما قام به الأميركيون من جهود حتى اللحظة لا يكاد يتخطى سقف ترقيع العملية السياسية الحالية، عبر تشجيع أطراف في المقاومة العراقية وقوى مناهضة للاحتلال على الالتحاق بالنظام السياسي القائم لا أكثر ولا أقل، ولكن من دون نقاش مجتمعي مفتوح وصريح لقضايا الصراع والخلاف.

أي إن كل ما قاموا به على جبهة السياسة لا يتجاوز في دلالاته ما قاموا به على جبهة الانسحاب العسكري. وهذا يعني أنهم لن يحصلوا إلا على ما يشبه عملية سياسية، سوف يعجز أربابها الجدد عن تحقيق اختراق سياسي ملموس في الحالة العراقية.

ولذلك يظل العنصر الثالث، أي "المصالحة الوطنية" الحقيقية والشاملة، رهنا بتحقق الشرطين السابقين. وبكلام آخر، سيظل مشروع المصالحة "مشروع عمل محدود" تقوم به كل الأطراف من حين لآخر، لرفع العتب وتهدئة الخواطر، حسب مقتضيات الحال والحاجات الملحة لمواجهة الضغوط. فهل يبدو من قبيل التشاؤم، القول إن المصالحة لن تكون ممكنة في ظل الظروف الراهنة؟

في الواقع لا يوجد حتى الآن طرف سياسي واحد في العراق يرفض علنا ومن حيث المبدأ فكرة المصالحة الوطنية. ومع ذلك يصعب القول إن الفكرة بحد ذاتها يمكن أن تحظى بموافقة الجميع أو استعدادهم لتحقيقها، مثلا، تشترط بعض القوى المناهضة للاحتلال لتحقيق المصالحة انسحابا أميركيا من العراق يتلازم معه إطلاق "عملية سياسية جديدة".

وهذا يعني من بين ما يعنيه أن شرط المصالحة بات هو ذاته شرط الانسحاب، وأن أي عملية سياسية حقيقية لن تنطلق إلا على قاعدة التلازم بين هذين العنصرين، كما أن العملية السياسية الجديدة لن تكون ممكنة أو ذات مغزى دون تحقق مصالحة شاملة تتلازم مع انسحاب حقيقي لقوات الاحتلال؟ لهذا السبب، سيبدو التلازم بين العناصر الثلاثة وكأنه لب وجوهر المأزق الراهن في العراق.

وفي هذا السياق من المؤكد أن مسألة التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة في العراق هي من الملفات القديمة والمزمنة والشائكة، ولم تكن يوما طيلة الثلاثين عاما الماضية من حكم النظام السابق، موضوعا عرضيا أو هامشيا.

"
مسألة التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة في العراق هي من الملفات القديمة والمزمنة والشائكة، ولم تكن يوما طيلة الثلاثين عاما الماضية من حكم النظام السابق، موضوعا عرضيا أو هامشيا
"
وعلى العكس، كانت في الكثير من اللحظات الفاصلة تبدو للجميع كما لو أنها الحل الوحيد لتجنب انهيار العراق. وبالطبع، أخفقت الجهود في النهاية، لا بسبب تعنت النظام السابق وقصر نظره وروحه الاستبدادية، ولا بسبب ارتهان إرادة بعض قوى المعارضة السابقة للخارج الأجنبي وحسب، وإنما كذلك بسبب جملة عوامل دولية وإقليمية، تغذت من الاستبداد الرسمي ومن الارتهان للخارج على حد سواء، وحالت دون المعالجة الجذرية المطلوبة، أي أن المصالحة لم تكن يوما رهنا فقط برغبة هذا الطرف أو ذاك في التوصل إلى "تسوية تاريخية" تضع حدا لخلافات السياسيين العراقيين المزمنة والمتوارثة والمستمرة.

لقد ظل العامل الذاتي -كما برهنت تجربة الثلاثين عاما الماضية- أقل أهمية بين كل العوامل الأخرى، ومن بينها عامل الفرص والظروف الموضوعية (المحلية والإقليمية والدولية) التي تسمح بالأفعال لا بالأقوال، بالتقدم خطوة واحدة وكبرى على هذا الطريق.

فخلال حكم الرئيس الأسبق صدام حسين، مثلا وعندما كان المعارضون -السابقون- حكام اليوم يتساجلون علنا حول مشروع المصالحة الوطنية- اتضح أن هذا المشروع يصطدم بجدار صلب من "ثقافة احتراب سياسي" شائعة، ومؤسسة على تراث مترع بمفاهيم فكرية سقيمة، ترى في حق "حزب السلطة" باحتكار العمل السياسي، حقا مقدسا لا يجوز المساس به، تماما كما ترى في الصراع ضد النظام السياسي القائم حقا مقدسا للمعارضين، لا يمكن ولا يجوز المساس به مهما كانت الظروف والمخاطر والمبررات، ولكن اتضح أيضا أن هذه الثقافة كانت تتغذى من ظروف وأوضاع ومصالح إقليمية ودولية متشابكة.

ولذلك بدا مشروع المصالحة الوطنية وباستمرار، وكأنه مخاض طويل في حمل كاذب، فلا السلطة بحكم ثقافتها "الاحتكارية" قادرة أو مستعدة للتوصل إلى تحقيقه، ولا معارضوها قادرون على تجاوز وتخطي تراث الاحتراب. وربما لهذا السبب وحده باتت كل الجماعات السياسية داخل وخارج النظام، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود أسيرة استعصاء سياسي وأيديولوجي داخلي متوارث ومستمر ومتواصل.

وأذكر جيدا أن جلال الطالباني (الرئيس الحالي) وقف في القصر الجمهوري يوما -في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي- وهو يترنم ببيت شعر شهير للمتنبي، حين وضع يده في زنار (الحزام العسكري) صدام حسين، قائلا له بلهجة تصالحية *فيك الخصام وأنت الخصم والحكم*، لكن صدام حسبن الذي أصغى لبيت الشعر لم يصبح َحكما، بينما ظل المترنم ببيت الشعر خصما عنيدا.

لقد كانت تلك واحدة من اللحظات النادرة التي داعب فيها خيال العراقيين حلم المصالحة الوطنية المستحيلة بين الحاكم-الخصم المستبد، ومعارضيه المشتبه بـ"وطنيتهم". لكن الرجلين سرعان ما اكتشفا- كل من موقعه- أن اليد التي وضعت في الزنار لن تظل طويلا هناك، لأن عوامل دولية وإقليمية كانت تحول -فضلا عن عامل ثقافة الاحتكار السياسي الداخلي- دون المضي ولو خطوة صغيرة على طريق تسوية الخلافات.

"
ليس صحيحا أن فكرة المصالحة الوطنية في العراق من الناحية الشكلية المحضة فكرة متوافق عليها إقليميا ودوليا وأن العقدة تكمن فقط في الوضع الداخلي
"
آنذاك، كانت الحرب العراقية-الإيرانية في أوجها، وكانت المصالح الإقليمية والدولية تغذي الصراع الداخلي، وتحبط رغبة هذا الطرف أو ذاك. وبهذا المعنى وحده أصبح العامل الداخلي (المحلي) منذ 30 عاما عاملا معيقا بصورة حاسمة، ولكن ارتباطا بعوامل وظروف دولية وإقليمية متشابكة حالت في الماضي وتحول اليوم بالفعل دون أن يتمكن العراقيون من التوصل إلى توافق وطني.

ولذلك ليس صحيحا أن فكرة المصالحة الوطنية من الناحية الشكلية المحضة فكرة متوافق عليها إقليميا ودوليا، وأن العقدة تكمن فقط في الوضع الداخلي (أي في وجود خصومات عنيفة بين العراقيين).

مثل هذا التصور غير صحيح،لأن هذه الرغبة باتت ترتبط أكثر فأكثر بظروف ومصالح وتجاذبات بين أطراف خارجية، مثلا، هل يستطيع الأميركيون -الذين يضغطون على حكومة المالكي علنا من أجل تحقيق مصالحة ولو شكلية- أن يضعوا تصورا واقعيا لا يصطدم بمخاوف ومصالح إيران من مصالحة تعيد خصومها البعثيين إلى الواجهة؟

وهل تستطيع إيران أن تفرض على حلفائها في الحكم القبول بمصالحة وطنية وفي الآن ذاته من دون أن تصطدم بمخاوف ومصالح واشنطن؟ وهل الأطراف العراقية المحلية داخل وخارج النظام السياسي هي في وضع يسمح لها بمراعاة هذه المخاوف والمصالح، ودون أن تفقد مشروعية وجودها ومبررات خطابها السياسي؟

فمثلا، هل تستطيع القوى المناهضة للاحتلال الاحتفاظ بسلاحها مادام الاحتلال قائما، وفي الآن ذاته تصبح جزءا من عملية سياسية؟ بالطبع، سيكون هذا أمرا مستحيلا، فمن يرغب في الدخول من بوابة المصالحة عليه أن يلقي السلاح.

وهذا هو لب فكرة المصالحة التي يريدها الأميركيون وتخشى منها فصائل المقاومة ما داموا في العراق. لكل ذلك لم تكن للرغبات أو التمنيات يوما أي أهمية.

لكن، وحين يستعيد الطالباني خاصة في هذه الأيام، تلك اللحظة التي وقف فيها مترنما ببيت شعر المتنبي ومناشدا صدام حسين قبول مشروع المصالحة الوطنية، فإنه سوف يدرك بعمق مغزى وجود "العوامل الأخرى" الضاغطة، فهو نفسه لا يستطيع ولا يملك الوسائل -مع أنه رئيس الجمهورية-، للمضي خطوة واحدة حقيقية على طريق التسوية التاريخية. إن شركاءه في التحالف الحاكم ومصالح حزبه وظروف التنافس على زعامة الإقليم الكردي سوف تحول كلها دون أن يفعل أي شيء.

ولذلك لم تعد المصالحة الوطنية رهنا بوجود قوى محلية جريئة ومستعدة للتسوية، أو أخرى قادرة على إبرام اتفاق شراكة وطنية، كما لم تعد رهنا بوجود خطاب سياسي توافقي يصدح به هذا الفريق أو ذاك، بل بنشوء ظروف موضوعية جديدة تتحقق فيها العناصر الثلاثة المتلازمة، الانسحاب الحقيقي والمصالحة الحقيقية والعملية السياسية الحقيقية.

"
من يقوم "بما يشبه الانسحاب" لن يحصد إلا "ما يشبه المصالحة" ومن يحصد شيئا من هذا القبيل لن ينجح إلا في بناء "ما يشبه عملية سياسية جديدة"
"
لقد برهنت تجربة السنوات الأربع الماضية منذ التوقيع على تفاهمات القاهرة بين بعض القوى المناهضة للاحتلال وفي مقدمتها هيئة علماء المسلمين في العراق، وبين ممثلين عن الحكومة وأطراف في العملية السياسية وبحضور رئيس الوزراء (السابق) إبراهيم الجعفري، أن من السهل تناسي هذا النوع من التفاهمات أو إهمالها والتغاضي عن وجودها أصلا، إذا ما بدا أنها تصطدم بمصالح ومخاوف أطراف دولية وإقليمية.

ومن سخريات القدر أن يكون المالكي (رئيس الوزراء الحالي) آنذاك، مكلفا من الجعفري قيادة اجتماعات القاهرة والتوقيع على أي وثيقة. وبالمعنى الرمزي، فقد خط المالكي فوق الورق ما يشبه التوقيع على ما يشبه الوثيقة بعد حوار هو أشبه برفع العتب.

في عالم الاقتصاد، ثمة قانون صارم يقول إن من يقوم "بما يشبه العمل" لن يحصل إلا على "ما يشبه الأجر".

وفي عالم السياسة يحدث الأمر نفسه، فمن يقوم "بما يشبه الانسحاب" لن يحصد إلا "ما يشبه المصالحة" ومن يحصد شيئا من هذا القبيل لن ينجح إلا في بناء "ما يشبه عملية سياسية جديدة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة