العرب في الانتخابات الفرنسية   
الاثنين 1428/3/29 هـ - الموافق 16/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)


أحمد سعيد نوفل

- المسلمون في فرنسا
- العرب والمرشحون
- الانقسام العربي

يستعد الفرنسيون بعد أيام للإدلاء بأصواتهم لانتخاب رئيس جديد لفرنسا.

وتحتدم المعركة الانتخابية بين وزير الداخلية الفرنسي اليميني نيكولا ساركوزي مرشح حزب التجمع من أجل الحركة الشعبية الذي أسسه الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك عام 1967، من أجل الدفاع عن مبادئ الجنرال شارل ديغول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، وسيغولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يعتبر من أقدم الأحزاب الفرنسية، وجان ماري لوبن مرشح الجبهة الوطنية الفرنسية وممثل اليمين الفرنسي المتطرف، وفرنسوا بايرو زعيم الاتحاد من أجل الديمقراطية ممثل اليمين الوسط.

وسيشارك في الانتخابات 40 مليون فرنسي من أصل 60 مليونا موزعين على الكاثوليك ويمثلون نحو 82% من المواطنين الفرنسيين، والمسلمين البالغ عددهم نحو ستة ملايين أي 5%، منهم خمسة ملايين من العرب المهاجرين في معظمهم من الجزائر والمغرب وتونس، والبروتستانت نحو مليون شخص أي 1.7%، واليهود 700 ألف أي 1%.

"
التنظيمات العربية في فرنسا حققت بعض النجاح في جهودها من أجل إقرار الحقوق القانونية للمسلمين في فرنسا بصدور اتفاقية يناير/ كانون الثاني 2000 التي تعترف بموجبها الحكومة الفرنسية بالإسلام كدين رسمي ضمن الأديان المعترف بها في فرنسا
"
المسلمون في فرنسا

تعود بداية التواجد العربي في فرنسا إلى عام 716هـ، عندما دخلت أول مجموعة من الجنود المسلمين العرب القادمين من الأندلس عبر جبال البيرنييه، إلا أن التواجد العربي الحديث في فرنسا بدأ مع مطلع القرن العشرين بسبب الحروب الاستعمارية الفرنسية في المغرب العربي.

ووصلت طلائع العمال العرب من الجزائر والمغرب بين 1900 و1905، وبلغ عددهم نحو 30 ألفا.

وكانت السلطات الفرنسية تشجع هجرة العمال خلال الحرب العالمية الأولى لحاجتها إليهم من أجل العمل في مصانع الأسلحة الفرنسية، والاستفادة منهم في حروبها الاستعمارية في الهند الصينية وأفريقيا.

ارتفع عددهم حاليا ليصل إلى خمسة ملايين عربي قدموا معظمهم من دول المغرب العربي، ويعيش أغلبهم في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، في ضواحي باريس والمدن الرئيسية في بيئة عنصرية معادية وتحت قوانين فرنسية قاسية.

فقد أصدر وزير الداخلية الفرنسي السابق شارل باسكوا -وهو من قادة الديغوليين- قبل سنوات قوانين متشددة ضد المهاجرين في فرنسا، ما جعل مجلة "كوريي إنترناسيونال" الأسبوعية تصف فرنسا بعد صدور تلك القوانين بأنها أصبحت قريبة من نظام الستار الحديدي الذي كان يفرضه الاتحاد السوفياتي سابقا على دخول الأجانب إليه.

ونص القانون على أخذ بصمات الأجانب المقيمين في فرنسا بصورة غير شرعية، وعلى تمديد فترة الاعتقال تمهيدا لطرد الأجانب خارج فرنسا.

وتلك القوانين تشبه القانون الذي أصدره وزير الداخلية الفرنسي الحالي ومرشح الانتخابات الرئاسة ساركوزي الذي وصف العرب بالرعاع، ما أدى إلى ما يسمى بانتفاضة الضواحي الفرنسية عام 2005.

وكانت التنظيمات العربية في فرنسا قد حققت بعض النجاح في جهودها من أجل إقرار الحقوق القانونية للمسلمين في فرنسا بصدور اتفاقية 28 يناير/ كانون الثاني 2000 التي تعترف بموجبها الحكومة الفرنسية بالإسلام كدين رسمي ضمن الأديان المعترف بها في فرنسا مثل المسيحية واليهودية. هذه الاتفاقية تعد نقطة تحول هامة في تاريخ العرب والمسلمين في فرنسا.

ومن المعروف أن فرنسا دولة علمانية منذ عام 1905، وتعتبر المعتقدات الدينية أمورا شخصية لدى المواطنين، ولهذا فإن الحكومة الفرنسية لا تتدخل في شؤون الأفراد الدينية مهما كانت ديانتهم، كما أنها لا تعترف بأي دين ولا تفضله، ولكنها تضمن للجميع حق ممارسة شعائرهم الدينية.

ونظرا لوجود ترتيبات خاصة منذ سنوات بين الحكومة وبين الطوائف الدينية الرئيسية الثلاث -وهي الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية- فقد شجعت فرنسا وجود "إسلام فرنسي" لا مسلمين في فرنسا، أي أنها تريد انصهار المسلمين في المجتمع العلماني الفرنسي مثلما حدث مع الديانات الأخرى.

وكان وزير الداخلية الفرنسي ساركوزي صريحا عندما أعلن هذا التوجه لدى فرنسا، وقال "علينا بناء إسلام لفرنسا وليس الاعتراف بالإسلام في فرنسا".

ومن جهة ثانية لم يستطع العرب بناء مؤسسات قوية قادرة على التأثير على صانعي القرار في فرنسا وتدافع عن حقوق المسلمين، كما أنهم جاؤوا من دول عربية مختلفة فيما بينها، ما جعل اتفاقهم في فرنسا أمرا صعبا، ونقل بعضهم المشاكل التي كانت تواجه بلدانهم إلى فرنسا.

ولهذا فهم لا يشعرون بالأمان والاستقرار بسبب القوانين الفرنسية المفروضة على الأجانب، حتى من يحمل منهم الجنسية الفرنسية.

ومع أن الاستعمار الفرنسي والأوروبي على الوطن العربي هو الذي كان يهدد العرب عبر سنوات طويلة، فإن فرنسا هي التي تشعر الآن بخطر يمكن أن يأتيها من تزايد أعداد الأقلية العربية في الأراضي الفرنسية.

ولهذا فقد تطورت صورة العربي في العقل الفرنسي من ضحايا عانوا من الحروب والاستعمار والتآمر الأوروبي إلى اتهامهم بالتطرف والإرهاب.

وبعدما كانت فرنسا تريد استيطان الجزائر باعتبارها جزءا من الأراضي الفرنسية قبل استقلال الجزائر وأرسلت المستوطنين الفرنسيين إليها، تبدل الوضع في السنوات العشرين الأخيرة من القرن الماضي، وأصبح الجزائريون والعرب من المستعمرات الفرنسية يتسابقون في الهجرة إلى فرنسا طلبا للرزق.

"
بسبب علاقة الحزب الاشتراكي مع إسرائيل وتفهم الحزب الديغولي اليميني لوجهة النظر العربية من الصراع في الشرق الأوسط، بدأت نسبة العرب الداعمين للحزب تزداد في السنوات الأخيرة
"
العرب والمرشحون

ويبلغ عدد العرب الذين يحق لهم التصويت نحو مليونين ونصف من أصل خمسة ملايين عربي موجودين في فرنسا، لكن نسبة المسجلين منهم على اللوائح الانتخابية قد تصل 80%، أي مليوني ناخب.

وهذا يؤكد أهمية الصوت العربي في حال مشاركتهم جميعا في الانتخابات، ما دفع بالمرشحين لمنصب الرئاسة إلى أن يحيطوا أنفسهم بمستشارين من أصول عربية إسلامية لاستقطاب أصوات العرب.

وقد عين ساركوزي مرشح اليمين الفرنسي ناطقة عربية باسمه وهي القاضية رشيدة داتي التي عملت إلى جانبه في وزارة الداخلية منذ عام 2002 لتحسين صورته أمام الشباب والعرب.

وعينت رويال مرشحة الحزب الاشتراكي، المغربية نجاة بلقاسم مساعدت لها، وهي متخرجة من معهد العلوم السياسية الراقي في باريس.

كما كان الرئيس جاك شيراك قد عين خلال حملته الانتخابية قبل خمس سنوات فاطمة زلاغي الحاصلة على شهادة الدكتوراه وأمينة التجانس في حزب التجمع من أجل الجمهورية ، مستشارة له.

وعين حزب الخضر سعدية عياطة نائبة عمدة الدائرة الثامنة عشرة في باريس مستشارة، فتوزعت أصوات الناخبين العرب في الجولة الأولى من انتخابات 2002 على المرشحين الثلاثة الرئيسيين كالتالي: 66% من الأصوات العربية ذهبت لشيراك، و28% لمرشح الحزب الاشتراكي جوسبان، و6% للوبن.

وفي الجولة الثانية ارتفع تأييد الناخبين العرب لشيراك إلى 85%، وللوبن الذي خاض الجولة الثانية إلى 14%.

وبسبب اهتمامهم بكسب أصوات الناخب العربي، فقد زار ساركوزي ورويال -كل على حدة- الجزائر والمغرب وتونس والأراضي الفلسطينية قبل الانتخابات بفترات قصيرة، كما زارا الأحياء الشعبية ذات الأغلبية العربية ومسجد باريس في وسط العاصمة الفرنسية.

وهذا يدل على ظهور وعي حقيقي في أوساط الأقلية العربية بفرنسا في السنوات الأخيرة، وعلى ضرورة المشاركة في الحياة السياسية الفرنسية، وعدم بقائها على هامش اللعبة السياسية إذا أرادت أن تدافع عن حقوقها.

ويعود ذلك إلى أن بعض النشطاء في الأقلية العربية بدؤوا يدخلون في الحياة السياسية وينخرطون في الأحزاب الفرنسية اليسارية بشكل خاص، لاعتقادهم بأن تلك الأحزاب كانت تسهل معاملات المهاجرين العرب عند وجودها في السلطة.

ولكن وبسبب علاقة الحزب الاشتراكي مع إسرائيل، وتفهم الحزب الديغولي اليميني لوجهة النظر العربية من الصراع في الشرق الأوسط، بدأت نسبة العرب الذين يدعمون الحزب الديغولي اليميني تزداد في السنوات الأخيرة.

وظهر ذلك في موقف الأقلية العربية في الانتخابات الرئاسية التي أوصلت شيراك إلى قصر الإليزي قبل عام 2002، إذ انصب اهتمامهم خلال الحملة الانتخابية على قضيتين رئيسيتين: أولاهما تحسين ظروف إقامتهم ومعيشتهم في فرنسا، وثانيتهما التأكيد على استمرار انتمائهم لقضاياهم العربية وبالذات القضية الفلسطينية.

وهذا يعني توزيع انتماءاتهم بين تيارين: الحزب الاشتراكي الذي ساهم في تخفيف معاناتهم في فرنسا عند وجوده في السلطة، والحزب الديغولي الذي يسجل له موقف معتدل من الصراع العربي الإسرائيلي.

"
الأقلية العربية في فرنسا تستطيع أن تنجح في احتلال المكانة التي تستحقها في الحياة السياسية الفرنسية إذا ما استمرت في تنظيم نفسها بالطريقة التي سارت عليها في السنوات الأخيرة
"
الانقسام العربي

وتتكرر التجربة حاليا بين العرب في فرنسا، فهم منقسمون بين تأييد مرشحة الحزب الاشتراكي رويال لأنها وعدت في حال انتخابها بالتخفيف من القيود التي فرضها اليمين الفرنسي على المهاجرين والأجانب، والعودة إلى القوانين التي كانت تطبق في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران قبل 12 عشر عاما رغم أنه كان من المؤيدين لإسرائيل، وبين تأييد مرشح اليمين ساركوزي الذي كان شخصيا وراء صدور قوانين صارمة بحق المهاجرين، رغم أن الديغوليون -وعلى رأسهم شيراك- كانوا أكثر تفهما للجانب العربي من القضية الفلسطينية.

ولم يتخل شيراك بعد نجاحه في الانتخابات عمن انتخبه من العرب، وطلب من رئيس الحكومة الفرنسية الأولى بعد فوزه جان بيار رافاران تعيين وزيرة من أصل عربي، وهي تقية صيفي (والدها عامل جزائري) كوزيرة دولة للتنمية الدائمة، وكانت قد فازت من قبل بعضوية البرلمان الأوروبي في انتخابات 1999، وأصبحت مسؤولة العلاقات مع المغرب في البرلمان الأوروبي.

وقد عين حملاوي ميكاخيري وزير دولة لشؤون المحاربين القدامى، علما بأن المرة الأولى التي دخل فيها وزير من أصل عربي الحكومة الفرنسية كانت عام 1958، عندما أعطى الجنرال ديغول لسيدة من أصل جزائري هي نفيسة سيد قارة حقيبة سكرتيرة دولة.

ولا شك في وجود تحول مهم في أوساط العرب بفرنسا نحو ممارسة حقوقهم، والمشاركة السياسية من أجل تحقيق مصالحهم الداخلية والدفاع عن وجودهم.

وعرف العرب أخيرا أهمية المشاركة في الانتخابات والانخراط في الأحزاب السياسية ضمانة لحقوقهم وحماية لمصالحهم، وكان من الممكن أن يكون لهم دور أكثر فعالية وتأثيرا في الانتخابات لو تم الاتفاق بين الجمعيات العربية الناشطة في فرنسا على قواسم مشتركة، وابتعدوا عن الخلافات والصراعات فيما بينهم .

كما أن المنظمات الصهيونية في فرنسا بدأت تفقد تأثيرها وثقلها في الحياة السياسية الفرنسية، ولم تعد كما كانت في السابق تلعب دورا كبيرا في التأثير على وسائل الإعلام وعلى النخب السياسية.

وبدأ اهتمام الأحزاب الفرنسية ينصب على الأقلية العربية بدل اليهود الفرنسيين، ولكن الأقلية العربية بحاجة إلى بعض الوقت كي تستطيع أن تنجح في احتلال المكانة التي تستحقها في الحياة السياسية الفرنسية، خاصة إذا ما استمرت في تنظيم نفسها بالطريقة التي سارت عليها في السنوات الأخيرة .
__________________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة