هجمات باريس.. هل تغير سياسة أوروبا تجاه اللاجئين؟   
الاثنين 1437/2/12 هـ - الموافق 23/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)
حسين عبد العزيز

خطاب أوروبي حاد
الخيارات المتاحة

دخلت الهجرة غير النظامية إلى أوروبا منعطفا حاسما مع الزيادة الهائلة في أعداد اللاجئين الواصلين إلى البر الأوروبي، إثر قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نهاية أغسطس/آب الماضي إلغاء العمل باتفاقية دبلن وفتح أبواب بلدها للمهاجرين لاسيما السوريين.

ثم جاءت أحداث باريس لا لتضع مسألة اللجوء بمجملها أمام مفترق حاسم فحسب، بل لتضع الاتحاد الأوروبي بين موقفين متناقضين، إما الاستمرار باتباع السياسة الليبرالية تجاه اللاجئين، وإما اعتماد السياسة المحافظة وإغلاق الأبواب وبالتالي سحب القيم الأوروبية من التداول العالمي.

خطاب أوروبي حاد
لم تمض ساعات على أحداث باريس حتى انطلقت هجمات ضد اللاجئين (حرق مخيم كاليه للاجئين في فرنسا، والاعتداء على لاجئ في بلدة ترالسوند بولاية ميكلنبورغ فوربومرن بألمانيا، وانفجار في منشأة معدة لاستقبال اللاجئين، وحريق في مدرسة معدة لاستقبال لاجئين بالسويد) وقد يبدو هذا الأمر طبيعيا كون الهجمات لم تستهدف الدولة بشكل مباشر، وإنما استهدفت المجتمع المدني ونمط الحياة الاجتماعي الأوروبي.

بعض داعمي ميركل يحاولون التأكيد على أن ما حدث في فرنسا يصعب تكراره في ألمانيا بسبب عملية الاندماج الأفضل للاجئين مقارنة بالدول الأخرى أولا، والعدد المنخفض نسبيا للمدرجين تحت قائمة الخطر ثانيا، والمشاركة الضعيفة والمحدودة لألمانيا في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة

وترافقت هذه الهجمات بخطاب سياسي حاد تجاه اللاجئين، وكأن أحداث باريس شكلت قميص عثمان للدول المنددة أو المتحفظة أصلا على السياسات الليبرالية التي اتبعها الاتحاد الأوروبي بشكل عام وألمانيا والسويد بشكل خاص تجاه اللاجئين.

فرنسا توقف العمل باتفاقية شنغن وتطالب برقابة شديدة على حدود الاتحاد الأوروبي، وفنلندا تحمل اللاجئين مسؤولية أحداث باريس، وترفض إثر ذلك نحو 65% من طلبات اللجوء التي قدمت خلال الأشهر القليلة الماضية، والنرويج تعلن أنها ستعيد اللاجئين الذين دخلوا أراضيها من روسيا، حتى إذا لم يكن بحوزتهم إقامة في روسيا، والنمسا تسير على خطى المجر ببناء سياج على حدودها مع سلوفينيا لتخفيف عبور اللاجئين إلى أراضيها، والحكومة البولندية الجديدة تعلن وقف استقبال اللاجئين بموجب البرنامج الأوروبي.

أما ألمانيا، قلعة الليبرالية الأوروبية والمقصد الأول للاجئين، فقد بدأت بتغيير سياستها تجاه الهجرة، وكان قرارها إعادة تفعيل اتفاقية دبلن ضربة قاسية للاجئين، مما يعني إعادة كل لاجئ دخل ألمانيا بعد 12 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى دول الاتحاد التي وصلوا إليها أولا.

وربما تختزل ألمانيا الأزمة التي تعصف بالقارة الأوروبية، ففي حين تعهدت ميركل بالكفاح من أجل وجهة نظرها بشأن اللاجئين "نعلم أن حياتنا الحرة أقوى من الإرهاب، دعونا نرد على الإرهابيين بأن نعيش قيمنا بشجاعة"، ذهبت شخصيات أخرى من ضمن التحالف الألماني الحاكم إلى ضرورة تغيير السياسة الألمانية تجاه الهجرة، في دلالة على تغيير لا يستهان به بدأ منذ فترة وازداد مؤخرا ضمن التحالف الحاكم ضد الهجرة غير المنضبطة.

ومن الواضح أن هجمات باريس كثفت الاهتمام بالبعد الأمني على حساب البعد الإنساني الذي طالما حملت لواءه ميركل التي تجد نفسها مدفوعة إلى الأخذ بأحد الخيارين، إما ترك الحدود مفتوحة والمخاطرة (وفق تقدير بعض الغربيين) بتكرار أحداث باريس داخل الأراض الألمانية، وإما إغلاق الحدود والتراجع ببطء عن السياسات الليبرالية.

غير أن داعمي ميركل يحاولون التأكيد على أن ما حدث في فرنسا يصعب تكراره في ألمانيا، بسبب عملية الاندماج الأفضل للاجئين مقارنة بالدول الأخرى أولا، وبسبب العدد المنخفض نسبيا للإسلاميين المندرجين تحت قائمة الخطر ثانيا (نحو 300 شخص حسب الخبراء الألمان مقارنة مع أكثر من 5000 في فرنسا)، وبسبب المشاركة الضعيفة والمحدودة لألمانيا في التحالف الدولي الذي يحارب تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا ثالثا.

القرارات الجديدة لا تعني تراجعا عن السياسة الألمانية بشأن اللجوء، فهي ليست موجهة ضد اللاجئين بقدر ما هي موجهة ضد الدول الأوروبية الرافضة لمبدأ المحاصصة، وكان تصريح ميركل واضحا في هذا المضمار حين أعلنت دعمها لقرار وزير داخليتها توماس دي ميزير بشأن التعامل مع اتفاقية دبلن، "أرى قرار الوزير صحيحا لأننا نريد أن نقترب من آلية توزيع عادلة للاجئين في أوروبا، ونحتاج إلى تقسيم الأعباء بالعدل".

لكن عواقب القرارات الألمانية ستنعكس سلبا على عشرات آلاف اللاجئين خصوصا أولئك الذين يتكدسون في دول البلقان، الأمر الذي سيؤدي إلى أزمة قد تتجاوز الحدود السياسية والإنسانية بين هذه الدول، وسيتحول اللاجئون إلى مجرد كرة يتم تقاذفها بين هذه الدول، حيث ستعمد كل دولة إلى إرجاع اللاجئين إلى الدولة التي أتوا منها، وهذه العملية ستصنع أزمة سياسية على مستوى هذه الدول.

وتنقسم أوروبا بين الأولوية الإنسانية والأولوية الأمنية الاقتصادية، وفي حين تتهم ألمانيا بعض الدول بالتخلي عن أولوياتها الإنسانية، تتهم هذه الدول بالمقابل المستشارة الألمانية ميركل بالتسبب في تضخيم موجة اللاجئين عندما قررت من جانب واحد في أغسطس/آب الماضي قبول اللاجئين السوريين دون تطبيق قاعدة أوروبية تلزم طالبي اللجوء بالتقدم بطلب اللجوء في أول دولة يصلون إليها من دول الاتحاد.

وجاءت أحداث باريس لتزيد من حدة الخلاف بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حيال الهجرة، وستجد الدول المناهضة للهجرة في هذه الأحداث سببا إضافيا ومهما للتشبث بمواقفها، في حين سيتمسك الطرف الآخر بمواقفه، حيث دافع رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عن السياسة المعتمدة حتى الآن مؤكدا عدم إجراء مراجعة كلية للسياسة الأوروبية بشأن اللاجئين، مما يعني أن أوروبا مقبلة على أزمة سياسية كبرى تكاد تكون الأولى من نوعها منذ تأسيس الاتحاد، وعلى أزمة إنسانية هائلة لم تشهدها القارة منذ الحرب العالمية الثانية.

الخيارات المتاحة
بكل الأحوال، تشكل أحداث باريس تاريخا مفصليا هاما سيؤثر سلبا بطبيعة الحال على سياسة الهجرة، وسيعزز القناعة بضرورة إيجاد حلول لأزمة اللجوء خارج القارة الأوروبية.

من المقرر أن تكشف القمة المقبلة بين تركيا والاتحاد الأوروبي مدى الحدود التي قد يصل إليها الطرفان حيال الهجرة غير النظامية، وإذا توصل الجانبان إلى اتفاق، فإن عملية اللجوء إلى أوروبا تكون قاب قوسين أو أدنى من دخول خريفها

تقوم الخطة الأوروبية على مستويين، الأول مرتبط بالدول الأفريقية إضافة إلى الأردن ولبنان، والثاني متعلق بتركيا وحدها كونها المصدر الرئيسي للهجرة غير النظامية.

ويتطلب ذلك مكافحة أسباب اللجوء في دول المصدر، وتقديم المساعدة المادية والتدريب لتأهيل الكوادر للقيام بمهام المحافظة على الأمن خصوصا في الدول الفقيرة والمضطربة، والعمل على مكافحة الفقر والبطالة وتحسين مستوى التعليم.

أما بالنسبة لتركيا، فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك، فمن دونها لا حل لأزمة اللجوء في أوروبا، وهو ما عبرت عنه ميركل نهاية الشهر الماضي حين أكدت أن "زعماء وسط وشرق أوروبا المجتمعين في بروكسل يحتاجون لمساعدة من تركيا لحل أزمة اللاجئين".

وفيما كانت بعض الدول الأوروبية تتباطأ في تقديم المساعدات المالية لتركيا، سارعت مؤخرا إلى تقديم المساعدات التي طلبتها أنقرة (3 مليارات يورو سنويا)، فقد أعلنت بريطانيا عن تقديم 400 مليون يورو.

ومن المقرر أن تكشف القمة المقبلة بين تركيا والاتحاد الأوروبي مدى الحدود التي قد يصل إليها الطرفان حيال الهجرة غير النظامية، وإذا توصل الجانبان إلى اتفاق، فإن عملية اللجوء إلى أوروبا تكون قاب قوسين أو أدنى من دخول خريفها.

ويبدو أن بوادر الاتفاق ظهرت مبكرا في تركيا التي أعلنت أنها ستبدأ قريبا خطوات مهمة تجاه اللاجئين من شأنها أن تخفف من حدة الهجرة إلى أوروبا، وأكد حزب العدالة والتنمية أنه بعد تشكيل الحكومة الجديدة وتسلمها مقاليد الأمور في 28 من الشهر الجاري، وخلال 100 يوم، سيتم استصدار قرارات تاريخية ومصيرية وإصلاحية بشأن اللاجئين السوريين في تركيا، تمكنهم من العيش بكرامة والاندماج في المجتمع التركي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة