العلم والمعرفة العلمية في زمن الحجب والإتاحة   
الخميس 1433/6/26 هـ - الموافق 17/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:42 (مكة المكرمة)، 8:42 (غرينتش)
وحيد مفضل

هاجس الاستخدام المزدوج للعلم والتوابع المحتملة
العلم كأحد أدوات الصراع بين الخير والشر
واقعية الحجب والإتاحة ودور الأطراف المعنية

العلم والمعرفة العلمية.. فضيلة كبرى ومبتغى كل من يرنو لتحقيق التقدم الإنساني والرفاهية، هذا مفهوم ولا يوجد محل للنقاش حوله أو حاجة للبرهان عليه، وكل ما حولنا من مقتنيات وتقنيات هي في الأصل من نتاج التقدم العلمي، لكن المفارقة أن نفس هذه الفضيلة، يمكن أيضا قلبها واستغلالها بشكل سيئ بغية الإيقاع بالآخر أو تدميره والقضاء عليه نهائيا!

وهذا واضح للغاية في مجال المعلوماتية وعمليات القرصنة الإلكترونية التي تتم بشكل منهجي ويومي على مستوى العالم (50 ألف جريمة في الساعة)، من قبل بعض محترفي استخدام الحاسوب والبرمجيات المتخصصة.

وواضح أيضا من أكثر من حادثة تاريخية سابقة، منها ما يعود إلى أيام الحرب البونيقية الثالثة نحو العام 149 قبل الميلاد، حينما أراد الرومان القضاء نهائيا على مملكة قرطاجة والفينيقيين عموما، عن طريق نثر الملح على أراضي قرطاج حتى لا ينبت فيها الزرع ويقوم لهذا الملك قائمة ثانية.

ومنها أيضا ما هو قريب، مثل نجاح جماعة "أوم شنريكيو" الدينية في اليابان في إنتاج وإطلاق غاز السارين الخانق بمترو أنفاق طوكيو عام 1995، وكذلك قيام أحد أعضاء حركة "ماكفي" الأميركية المتطرفة بتفجير مبنى الحكومة الفيدرالي بأوكلاهوما في ذات العام بواسطة قنبلة ضخمة مصنعة من مواد نيتروجينية بدائية، فضلا عن هجمات جرثومة الجمرة الخبيثة عام 2001، وغير ذلك مما جرى فيه استخدام المعرفة العلمية بشكل ضار ومسيء.

وبطبيعة الحال فقد سهل نشر المعلومات على الشبكة العنكبوتية وإتاحتها بشكل دائم وآني هذين المبتغيين، الخير والشر، إذ أصبح بإمكان أي شخص زيادة معرفته العلمية والارتقاء بنفسه في مجال ما، بنقرات قليلة واللجوء لبعض المواقع الإلكترونية المتخصصة، وما أكثرها. كما أصبح بإمكانه أيضا -إذا ما أراد- اللجوء إلى مواقع أخرى أكثر تطرفا، للتعرف مثلا على كيفية صنع قنبلة أو متفجر بدائي، وما إلى ذلك من أوجه الشر والاستغلال الخاطئ للعلم وللمعرفة العلمية.

من هذا المنطلق ازدادت بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة التخوفات والهواجس، من مسألة إتاحة المعلومات العلمية ونتائج الأبحاث بخاصة تلك المرتبطة بالأمن البيولوجي بشكل مطلق للعامة، سواء على مواقع الويب أو بالدوريات العلمية المتخصصة، ومن إمكانية أن يؤدي هذا إلى تكرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وإن كان بآلية مختلفة.

حجب المعلومات قد يسهم فعلا في حماية المجتمعات من انفلات بعض العلماء ومن إساءة استخدام البعض للمعلومات العلمية المتاحة, لكنه بكل تأكيد سوف يسهم في تقييد البحث العلمي وسيمثل عاملا منفرا لشباب الباحثين

هاجس الاستخدام المزدوج للعلم والتوابع المحتملة
كان من نتيجة زيادة الهواجس السابقة، وبلوغ الأمر أحيانا حد الفوبيا، أن عمد عدد غير قليل من الدول المتقدمة والكبرى، إلى حوكمة نتائج ومعطيات الأبحاث العلمية، والحيلولة دون الاستخدام المزدوج لنتائج الأبحاثDual Use of Research، وهذا عن طريق إنشاء لجان ولوائح منظمة ومختصة بمراقبة عملية النشر العلمي بخاصة في المجالات الحساسة، وحجب منها ما يمكن أن يمثل ضررا، قبل نشره في الدوريات المتخصصة، مع التصريح بنشر البقية، في حالة عدم وجود أي خطر من معطياتها العلمية.

ومن أشهر هذه اللجان وأكثرها نفاذا على مستوى العالم، اللجنة العلمية الاستشارية الأميركية للأمن البيولوجي والمعروفة اختصارا باسم NSABB التي حَملت مؤخرا دورية نايتشر العلمية المرموقة على حجب أجزاء محددة من بحثين علميين عن إمكانية تحور فيروس إنفلونزا الطيور H5N1، وهذا مخافة استغلال بعض الأفراد أو الجماعات الإرهابية للمعلومات المنشورة في إحداث طفرة بهذا الفيروس أو إنتاج سلاح بيولوجي جديد يمكن به نشر وباء الإنفلونزا بصورة جماعية، قبل أن تراجع اللجنة موقفها ثانية تحت ضغط المناقشات والاحتجاجات الدائرة، وتسمح بنشر البحثين المذكورين بصورة كاملة ودون أي اختصار.

وهذه على أي حال ليست المرة الأولى التي تحدث فيها هذه الواقعة، لكن تكرارها وتزامنها مع عزم إدارة الرئيس أوباما على إصدار معايير ولوائح منظمة جديدة للحيلولة دون الاستخدام المزدوج لنتائج الأبحاث العلمية، قد أشعل بالتبعية الجدل حول عدة قضايا أخرى مرتبطة بهذا الأمر، ومنها حرية البحث العلمي وكيفية تحقيق الأمن المعلوماتي والبيولوجي، وكيفية أيضا الموازنة بين الحاجة إلى نشر العلم والمعرفة وبين متطلبات تحقيق الأمن القومي، وإذا ما كان الأفضل حجب -كليا أو جزئيا- بعض نتائج الأبحاث لا سيما في المجالات الحساسة، أو السماح بنشرها كاملة من دون أي حذف، عملا بالحق في المعرفة، وتحقيقا لفوائد أخرى كثيرة منظورة.

والواقع أن كل منحى له ميزاته وفضائله، وله أيضا مخاطره، فمبدأ حجب المعلومات قد يسهم فعلا في حماية المجتمعات من انفلات بعض العلماء ومن إساءة استخدام البعض للمعلومات العلمية المتاحة ونتائج الأبحاث، لكنه بكل تأكيد لن يضمن تحقيق هذا، علاوة على أنه سوف يسهم في تقييد البحث العلمي وسيمثل عاملا منفرا لشباب الباحثين من التخصص في مجالات كثيرة، وهذا فضلا عن حرمان بقية العلماء والمجتمع العلمي من الاستفادة بمعطيات ونتائج الأبحاث الجارية في تطوير أبحاثهم وفي منع انتقال فيروس الإنفلونزا وغيره من الانتشار الوبائي، والعكس بالطبع صحيح تماما في حالة تبني مبدأ الإتاحة الكاملة.

العلم كأحد أدوات الصراع بين الخير والشر
الجدال إذن حول مبدأ الحجب والإتاحة مفهوم ومقبول وله مرجعيته، لكن ما ليس مفهوما ولا مقبولا بأي حال، هو ممارسة بعض الدول والحكومات للشيزوفرينيا العلمية، إن صح التعبير، وهذا باللجوء لمنهج الحجب والتقييد، في الوقت التي تطالب فيه الدول الأخرى بالعولمة، وفي ظل تزايد دعوات كثير من الأفراد والهيئات فيها بإتاحة الدوريات والبرمجيات مجانا وجعلها مفتوحة المصدر. من معالم هذه الشيزوفرينيا أيضا التضييق على الباحثين، وتشديد القبضة الأمنية على حركة النشر العلمي بخاصة في مجال التكنولوجيا الحيوية والنووية، وفي نفس الوقت تبني ودعم برامج بحثية سرية، لا يخرج الهدف منها عن إنتاج أسلحة خارقة جديدة، وعن امتلاك كل أدوات الفتك البيولوجية والنووية!

والحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية -الملتبسة إداراتها وحكوماتها المتعاقبة بهاجس احتمال تكرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول- تعد من أكثر الدول ممارسة لهذه الشيزوفرينيا، وأكثرها استغلالا للمعرفة العلمية، سواء كان هذا بشكل تقدمي، لتحقيق التفوق الاقتصادي والعسكري، واستمرار من ثم ريادتها كقوة عظمى، أو كان بشكل نكوصي وأحيانا غير أخلاقي، في تزييف الحقائق، وإنتاج أسلحة فتاكة جديدة، من أجل سحق أعدائها الافتراضيين وفرض السيطرة على كل من يناوئها، وتدميره كليا، بلا رجعة وبلا رحمة.
العلم والمعرفة العلمية هما جزء من الصراع الدائر بين قوى الخير والشر، وسيظلان كذلك إلى يوم الدين، وسيظل كل طرف يحاول استغلالهما بطريقته، إما في الخير أو الشر

ويمكن في هذا تقديم عشرات الأمثلة، لكن نذكر منها فقط فضيحة عرض وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول لأدلة علمية وصور فضائية مزيفة، على مجلس الأمن من أجل إثبات امتلاك صدام العراق آنذاك لأسلحة كيمائية وبيولوجية مدمرة، وانتزاع من ثم موافقة أممية وغطاء شرعي على هجومها العسكري المعد سلفا، وهذا قبل أن يعترف بول نفسه لاحقا بعدم صحة هذه المعطيات واستعماله من قبل أجهزة دولته الاستخباراتية.

والأسوأ من هذا حدث إبان حرب فيتنام، حينما أقدم سلاح الجو الأميركي على استخدام سلاح كيمائي سري وغير معروف التركيب على وجه التحديد لكنه مسرطن بامتياز وقاتل فتاك، عرف باسم "العامل البرتقالي"، بغرض إبادة الغابات والأراضي الزراعية الفيتنامية وما فيها من قوات "الفيت كونج" المناوئة وسكان أبرياء، في واحدة من أبشع الجرائم العسكرية والبيئية والإنسانية المعروفة على مر التاريخ الحديث.

إساءة استخدام المعرفة والمنجزات العلمية والتربح من ورائها بطرق غير شرعية وغير أخلاقية مسألة أزلية إذن ولا منتهى لها، وفي هذا لا زال الحديث يدور عن تعمد بعض شركات المستحضرات الطبية الترويج لقرب تفشي فيروسات إنفلونزا الطيور والخنازير بصورة وبائية، وعن تورط خبراء من منظمة الصحة العالمية في هذا الأمر بغية تحقيق أرباح هائلة.

ومنه أيضا ما تم تداوله سابقا عن تعمد بعض الشركات الكبرى المنتجة للشوكولاتة تحييد نتائج الأبحاث العلمية والترويج لفوائد الشوكولاتة من أجل القضاء على خرافة دورها في تسوس الأسنان وغير ذلك من مضارها المعروفة، وهو نفس ما ينطبق على شركات الكولا، وغيرها من اللوبيات الصناعية الأخرى، وإن اتضح أن الأمر في حالات كثيرة لا يخرج عن كونه حربا مضادة، ودعاية مغرضة من قبل المتشككين والمنافسين، لا أكثر.

والمعنى من ذكر كل هذه الأمثلة، أن العلم والمعرفة العلمية هما جزء من الصراع الدائر بين قوى الخير والشر، وأنهما سيظلان كذلك إلى يوم الدين، وسيظل كل طرف يحاول استغلالهما بطريقته، سواء في تحقيق التقدم والرفاهية أو ترويج الإشاعة أو الحرب المضادة أو الحصول على أسلحة مدمرة وفتاكة.

واقعية الحجب والإتاحة ودور الأطراف المعنية
من وجهة النظر العلمية البحتة، فإنه يمكن فعليا قيام إحدى الجماعات الإرهابية بهجوم بيولوجي أو نشر أحد الأوبئة بأحد الأماكن، بل وإمكان تحقيق هذا من على بعد، ومن دون الحاجة للتسلسل إلى داخل البلاد.

فمن المعروف مثلا أن الغبار المثار في الجو من منطقة الصحراء الكبرى بأفريقيا يمكن أن يقطع آلاف الأميال عابرا المحيط الأطلسي ليستقر في النهاية بمنطقة الكاريبي وسواحل فلوريدا بالأراضي الأميركية، مسببا أمراضا عديدة لعدد كبير من الكائنات البحرية والبرية، ومنها أمراض الحساسية والربو في الإنسان، وهذا من واقع ما يحتويه من ميكروبات وحبوب لقاح، وغير ذلك من المكونات الضارة وغير الضارة، ومن واقع عدم تأثر بعض أنواع هذه الميكروبات بالظروف الجوية القاسية وبقاءها حية وفتية طوال ترحالها وحتى وقت ترسبها.

وهذا يعني أنه بمقدور أي جماعة -على الأقل نظريا- محاكاة هذا الواقع والترتيب لعمل هجوم بيولوجي جوي على الأراضي الأميركية من خلال امتلاك طائرة صغيرة ونثر بعض الميكروبات الوبائية في الجو وقت هبوب الرياح الغربية أو ترحال الغبار الأفريقي جهة السواحل الأميركية.

وإدراكا لهذه الحقيقة فقد اتخذت الحكومة الأميركية، إجراءات عديدة احترازية، ومنها إقامة شبكة كبيرة للرصد الهوائي والإنذار المبكر، تعمل على جمع عينات من الغلاف الجوي والتأكد من خلوها من أية جراثيم أو أمراض وافدة يمكن أن تكون أطلقت عمداً أو عن غير عمد في الجو.

وما نعنيه من ذكر هذا المثال تحديدا، أن قوى الشر والجماعات الإرهابية ليست بحاجة لتلقف نتائج الأبحاث الجديدة ومستجدات الأبحاث العلمية لاستغلالها في القيام بهجوم إرهابي. لذا فإن حجب أي من لجان الأمن القومي المعنية لهذه النتائج، أو إصدار لوائح جديدة ومقيدة للأبحاث ذات الاستخدام المزدوج،  لن يضمن عدم قيام أي من هذه الجماعات بتنفيذ مخططاتها.

على جميع الجهات المعنية، أن تعي أن العلم لا يواجه إلا بالعلم، وأن مبدأ الحجب لا يمكن تطبيقه في كل الأحيان أو يمكن الحفاظ دائما وأبدا على السرية

فالكتب والمطبوعات تحتوي على كمٍّ هائل من المعلومات العلمية الخاصة بصناعة المتفجرات واستخدام المواد البدائية والمركبات البيولوجية في شن عمليات هجومية وتكتيكية، ناهيك عن إمكانية استخدام جوجل واليوتيوب والويب عموما في التعرف على كيفية تصنيع الأسلحة والصواريخ محليا، ولنا في هذا أسوة بكتائب المقاومة الفلسطينية، التي لم تفلح كل طرق المنع والحجب الإلكترونية وغير الإلكترونية في الحيلولة دون امتلاكها وتطويرها للصواريخ وبقية الأسلحة البسيطة الهجومية، التي تدعي الدولة الصهيونية المحتلة تدميرها للمستوطنات وتسببها في دمار ساحق!

ونحن لا نعني من وراء هذا الدعوة إلى ترك الحبل على الغارب وإتاحة المعلومات العلمية الحرجة للحاذق وللمارق، بل نعني أنه يجب حلُّ جميع الإشكاليات الناتجة عن التدخل الأمني في عملية النشر العلمي وفي سير الأبحاث التطبيقية، ويجب أن تكون هناك ضوابط متوازنة ونزيهة لتنظيم هذا الأمر برمته، وهذا بما يحقق أمن المجتمع، ويعفي في الوقت نفسه الباحث العلمي والعملية البحثية من أي تعقيد أو تقييد.

وفي كل الأحوال، على جميع الجهات المعنية أن تعي أن العلم لا يواجه إلا بالعلم، وأن مبدأ الحجب لا يمكن تطبيقه في كل الأحيان أو يمكن الحفاظ دائما وأبدا على السرية، ولنا في هذا أسوة بوثائق ويكيليكس، لذا نحسب أن التناول العادل للمعرفة العلمية من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك متلقي المعرفة ذاته، وتحري الضمير الإنساني عند النقل العلمي وعند التعاطي مع أي مستجد علمي، هو السبيل الأوحد لحل معظم الإشكاليات المتعلقة بهذه القضية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة